رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(كارما).. عندما تتحول العائلة إلى ساحة حرب والزواج إلى لعبة في يد السيناريو!

(كارما).. عندما تتحول العائلة إلى ساحة حرب والزواج إلى لعبة في يد السيناريو!

(كارما).. عندما تتحول العائلة إلى ساحة حرب والزواج إلى لعبة في يد السيناريو!
السيناريو كان ليه الرغبة في إبقاء المشاهد متوترًا بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو منطق الشخصية نفسها
(كارما).. عندما تتحول العائلة إلى ساحة حرب والزواج إلى لعبة في يد السيناريو!
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

ليس كل ما يلمع ذهبًا، وليس كل بيت فاخر يعني أن من يعيشون داخله ينعمون بالأمان. وهذه تحديدًا هي المفارقة التي يضعنا أمامها المسلسل الكويتي (كارما) عائلة تبدو من الخارج مكتملة ومتماسكة، بينما تنهشها من الداخل الغيرة والسلطة والطمع والأسرار، حتى يصبح الأقربون أشبه بخصوم ينتظر كل منهم اللحظة المناسبة للانقضاض على الآخر.

من هنا تأتي قوة الفكرة التي اختارها العمل؛ فـ (كارما) لا يقدم العائلة باعتبارها الملاذ الأخير للإنسان، وإنما باعتبارها المكان الذي يمكن أن تتحول فيه صلة الدم إلى عبء، والحب إلى امتلاك، والزواج إلى وسيلة للضغط والانتقام، والسر إلى قنبلة موقوتة.

لكن المفارقة أن (كارما)، الذي يمتلك من البداية أرضية خصبة لصناعة دراما نفسية واجتماعية شديدة القوة، لا ينجح دائمًا في الحفاظ على المستوى نفسه من الإقناع. فكلما ارتفع سقف الصراع، ظهرت قرارات درامية تثير السؤال أكثر مما تصنع الدهشة؛ طارق يصر على الزواج من (كارما) رغم كل ما يحيط بالعلاقة من علامات استفهام، وفهد يدخل في زواج يحتاج إلى تمهيد أكبر، وكارما نفسها تتخذ قرارات مصيرية تبدو أحيانًا وكأنها جاءت استجابة لحاجة الحبكة إلى مفاجأة جديدة.

ففي الوقت الذي يقدم فيه العمل عالمًا بصريًا غنيًا، وأداءً يحمل في لحظاته الأفضل توترًا نفسيًا واضحًا، ويطرح أسئلة مهمة عن السلطة داخل الأسرة وحدود الحب وثمن الخيانة، فإنه يقع أحيانًا في الفخ الذي تقع فيه كثير من الدراما القصيرة: الرغبة في إبقاء المشاهد متوترًا بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو منطق الشخصية نفسها.

في الأعمال القائمة على الصراع النفسي، لا يكفي أن يقول الممثل إن شخصيته غاضبة أو خائفة أو مكسورة؛ المطلوب أن يجعل المشاهد يرى هذا الانفعال قبل أن يسمعه، وهنا تأتي أهمية أداء أبطال (كارما)، وفي مقدمتهم روان مهدي، التي تتحمل مساحة مهمة من البناء الدرامي.

(كارما).. عندما تتحول العائلة إلى ساحة حرب والزواج إلى لعبة في يد السيناريو!

(كارما).. عندما تتحول العائلة إلى ساحة حرب والزواج إلى لعبة في يد السيناريو!
الشخصية التي تصرخ طوال الوقت أقل تأثيرًا من شخصية تستطيع أن تخفي غضبها في ابتسامة قصيرة أو نظرة طويلة

شبكة من العلاقات المتشابكة

وتكمن قوة الأداء في اللحظات التي لا تعتمد فيها الشخصية على الانفعال الصريح، بل على الصمت، ونبرة الصوت، ونظرات العين، والتغير التدريجي في ردود الأفعال.. هذه التفاصيل مهمة جدًا في مثل هذه الدراما، لأن الشخصية التي تصرخ طوال الوقت تصبح أقل تأثيرًا من شخصية تستطيع أن تخفي غضبها في ابتسامة قصيرة أو نظرة طويلة.

ويحسب لبقية فريق التمثيل (عبد الله التركماني، نور الديلمي، زينب بيهمن، فؤاد علي، فهد الناي، أحمد العوضي، شهد خسروه، أسرار دهراب) وغيرهم، قدرتهم على خلق عالم متماسك تتقاطع فيه الشخصيات، بحيث لا يبدو الصراع محصورًا في بطلة واحدة، وإنما يتحول إلى شبكة من العلاقات المتشابكة.

تبدو الصورة في (كارما) جزءًا من عملية بناء المعنى، وليس مجرد وظيفة تقنية، ففي الدراما التي تقوم على الأسرار، تصبح المسافة بين الكاميرا والشخصية ذات دلالة.. الاقتراب من الوجه يكشف هشاشة الشخصية، بينما المسافة الأبعد تجعلها تبدو كأنها جزء من عالم أكبر تتحكم فيه قوى لا تستطيع السيطرة عليها، كما أن توظيف المساحات الداخلية يخدم فكرة المراقبة.

والأهم أن الصورة كان يمكن أن تصبح أداة لتجسيد التحول النفسي، فكلما اشتد الصراع، لم يعد المكان يبدو كما كان في البداية؛ القصر نفسه يتحول من مساحة للرفاهية إلى فضاء خانق، ومن رمز للنجاح الاجتماعي إلى رمز للانهيار الداخلي.

إنها لعبة بصرية بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة الدلالة: المكان ثابت، لكن الشخصيات هي التي تغيرت، ولذلك يبدو المكان نفسه مختلفًا، الديكور في (كارما) ليس مجرد أثاث فاخر وواجهات أنيقة، بل يحمل وظيفة درامية واضحة، فالفخامة هنا ليست دليلًا على السعادة، وإنما جزء من المفارقة الأساسية في العمل.

من أكثر المآخذ التي يمكن تسجيلها على مسلسل (كارما) ذلك الإصرار على إعادة تدوير فكرة الزواج والعلاقات العاطفية بأشكال متقاربة، حتى بدا في بعض مراحل العمل أن الدراما تدور حول نفسها بدل أن تتقدم إلى الأمام.. فالزواج في الدراما ليس مجرد حدث اجتماعي يمكن تكراره لتوليد أزمة جديدة، بل هو تحول جذري في حياة الشخصية، يفترض أن يترك أثرًا نفسيًا واجتماعيًا وفكريًا مختلفًا في كل مرة.

لكن عندما تتكرر الزيجات، وتتكرر معها الخلافات والشكوك والانفصالات والعودة إلى النقطة نفسها، يفقد الحدث الدرامي جزءًا كبيرا من فاعليته.

ومن أبرز نقاط الضعف في مسلسل (كارما) إصرار شخصية طارق على الزواج من كارما، وهو إصرار يبدو في كثير من مراحل الأحداث غير مقنع دراميًا، لأن المسلسل لم يمنح هذه العلاقة دوافع نفسية وعاطفية كافية تبرر هذا التمسك، ولم ينجح في بناء تصاعد منطقي يجعل المشاهد يفهم لماذا أصبح الزواج من كارما بالنسبة إلى طارق هدفًا لا يمكن التراجع عنه.

(كارما).. عندما تتحول العائلة إلى ساحة حرب والزواج إلى لعبة في يد السيناريو!

(كارما).. عندما تتحول العائلة إلى ساحة حرب والزواج إلى لعبة في يد السيناريو!
من أكثر الأخطاء الدرامية وضوحًا في مسلسل (كارما) قرار زواج فهد من كارما

ضرورة درامية فرضها الكاتب

كان يمكن لعلاقة طارق وكارما أن تكون من أكثر خطوط المسلسل قوة وتأثيرًا، لو منحها السيناريو عمقًا أكبر، ووضع أمام طارق أسبابًا حقيقية تجعل تمسكه بكارما مفهومًا، أو على الأقل جعل هذا الإصرار رحلة نفسية تكشف عيوبه ومخاوفه واحتياجاته، أما بالشكل الذي قُدمت به، فإن إصراره يبدو أحيانًا أقرب إلى ضرورة درامية فرضها الكاتب، لا إلى قرار إنساني خرج طبيعيًا من شخصية طارق.

كما أن من أكثر الأخطاء الدرامية وضوحًا في مسلسل (كارما) قرار زواج فهد من كارما، وهو قرار يبدو مفاجئًا وغير ممهد له بما يكفي، إذ لم يقدم السيناريو الدوافع النفسية والاجتماعية التي تجعل المشاهد يتقبل هذه الخطوة أو يفهم ضرورتها داخل البناء الدرامي.

المشكلة ليست في فكرة الزواج نفسها، وإنما في غياب التأسيس الدرامي، فالشخصية لا تمر أمام المشاهد برحلة منطقية تقودها إلى هذا القرار، ولا نرى تطورًا كافيًا في العلاقة يجعل الزواج نتيجة طبيعية للأحداث، بل يبدو الأمر وكأنه قفزة مفاجئة فرضها السيناريو لخدمة الحبكة.

وكان من الضروري أن يكشف العمل بشكل أعمق عن دوافع فهد: هل كان الزواج نابعًا من حب حقيقي؟ أم رغبة في الانتقام؟ أم محاولة للهروب من واقع معين؟ أم استجابة لضغوط عائلية؟ كل هذه الاحتمالات كان يمكن أن تصنع دوافع درامية قوية، لكن عدم تحديدها بوضوح جعل شخصية فهد تبدو مترددة في منطقها، وجعل قرار الزواج أقرب إلى حلقة مصطنعة في سلسلة الأحداث.

من أبرز المآخذ على مسلسل (كارما) أيضًا، الطريقة التي كُتبت وقُدمت بها شخصية شاهة، خصوصًا في مشاهد التعنت والمواجهة، إذ بدا سلوكها في عدد من المواقف مبالغًا فيه إلى درجة أفقدت الشخصية شيئًا من منطقها الدرامي والإنساني.

المشكلة هنا لا تتعلق بأداء الممثلة بقدر ما ترتبط ببناء الشخصية نفسها؛ فشاهة تظهر أحيانًا وكأنها مصممة على الرفض والمواجهة لمجرد استمرار الصراع، من دون أن يقدم السيناريو أسبابًا مقنعة تبرر هذا القدر من العناد أو تفسر انتقالها من موقف إلى آخر.

وكان من المفترض أن نرى خلف هذا التعنت دوافع نفسية واضحة، سواء كانت غيرة، أو خوفًا، أو شعورًا بالتهديد، أو رغبة في حماية مصالحها، لكن المسلسل لا يمنح هذه الدوافع المساحة الكافية.

(كارما).. عندما تتحول العائلة إلى ساحة حرب والزواج إلى لعبة في يد السيناريو!

(كارما).. عندما تتحول العائلة إلى ساحة حرب والزواج إلى لعبة في يد السيناريو!
بعض المشاهد تدفع الشخصية إلى ردود فعل أكبر من حجم الموقف نفسه

من أجل إبقاء التوتر قائمًا

والأكثر إزعاجًا أن بعض المشاهد تدفع الشخصية إلى ردود فعل أكبر من حجم الموقف نفسه، فيشعر المشاهد أن الانفعال سابق على الحدث، وأن شاهة لا تتصرف وفق ما تفرضه اللحظة، وإنما وفق ما يحتاجه السيناريو من أجل إبقاء التوتر قائمًا.

وكان على الكتابة أن تسأل سؤالًا بسيطًا قبل كل مواجهة: لماذا تتصرف شاهة هكذا الآن؟ فإذا كانت الإجابة غير واضحة للمشاهد، فإن المشهد مهما كان قويًا في الأداء أو الانفعال سيظل مفتقدًا إلى المبرر الدرامي.

ولدي ملاحظة مهمة للغاية: من حيث المبدأ، لا يمكن اعتبار زواج الأب من فتاة في عمر ابنته خطأً دراميًا أو حدثًا غير منطقي، فالحياة الواقعية مليئة بمثل هذه الزيجات، وبالتالي فالمشكلة ليست في الفكرة نفسها، وإنما في كيفية توظيفها داخل البناء الدرامي. فالدراما لا تُحاسب على الحدث بقدر ما تُحاسب على مدى إقناعها للمشاهد بدوافعه ونتائجه.

في مسلسل (كارما) كان يمكن لهذه الزيجة أن تكون مدخلًا بالغ القوة لطرح أسئلة شائكة حول الفارق العمري، ونظرة الأبناء إلى زواج الأب بعد سنوات من الانفصال أو الترمل، وحدود الغيرة، والخوف من فقدان مكانتهم داخل الأسرة، وكذلك الصدام بين جيلين لكل منهما رؤيته للحب والزواج.

ومن المفارقات اللافتة في مسلسل (كارما) أن العمل، رغم اعتماده على عدد محدود من الحلقات، يعاني في بعض مراحله من بطء واضح في الإيقاع، وهو أمر يبدو أكثر غرابة لأن الدراما القصيرة يفترض بطبيعتها أن تكون أكثر تكثيفًا، وأن تتحرك أحداثها بسرعة محسوبة، بحيث لا يشعر المشاهد بوجود مشاهد زائدة أو حوارات يمكن الاستغناء عنها.

لكن (كارما) يقع أحيانًا في الفخ المعاكس؛ إذ يستغرق وقتًا طويلًا في تدوير الصراع حول النقطة نفسها، خصوصًا في العلاقات العاطفية والأسرية، فتتكرر المواجهات وتتبدل مواقع الشخصيات من دون أن يحدث تطور حقيقي بالسرعة التي ينتظرها المشاهد.

(كارما).. عندما تتحول العائلة إلى ساحة حرب والزواج إلى لعبة في يد السيناريو!

(كارما).. عندما تتحول العائلة إلى ساحة حرب والزواج إلى لعبة في يد السيناريو!
كان يمكن لـ (كارما) أن يستفيد من قصر حلقاته في تقديم دراما أكثر تكثيفًا وجرأة

خلق إيقاع بصري أكثر ديناميكية

كما أن التصوير والإخراج كان بإمكانهما المساهمة في خلق إيقاع بصري أكثر ديناميكية، خصوصًا أن الدراما القصيرة تحتاج إلى لغة بصرية تساعد على اختصار الزمن، بدل الاعتماد المستمر على المشاهد الحوارية الطويلة.. فحين يتباطأ الحدث، تصبح الصورة مطالبة بأن تحمل جزءًا من السرد، وأن تقول ما لا يحتاج إلى حوار.

والأخطر أن بطء الإيقاع يأتي في مسلسل يقوم أساسًا على العلاقات المتشابكة والصراعات الأسرية والعاطفية، وهي عناصر تحتاج إلى تصاعد مستمر حتى يظل المشاهد متورطًا في الحكاية. لكن عندما تتكرر المواجهات بالمنطق نفسه، يصبح التوتر أقل تأثيرًا، ويبدأ المشاهد في توقع ما سيحدث قبل وقوعه.

كان يمكن لـ (كارما) أن يستفيد من قصر حلقاته في تقديم دراما أكثر تكثيفًا وجرأة، بحيث يبدأ كل مشهد من حيث انتهى السابق، ويقود كل قرار إلى نتيجة جديدة، وكل نتيجة إلى أزمة أكبر، لكن المسلسل، في بعض مراحله، يترك مساحة زمنية أكبر من اللازم لأحداث كان يمكن اختصارها، وهو ما جعل قصر الحلقات لا يعني بالضرورة سرعة الإيقاع.

في النهاية، فإن أزمة الإيقاع في (كارما) ليست أزمة زمن، وإنما أزمة توزيع درامي؛ فالمشكلة ليست في عدد الحلقات، بل في كيفية إدارة الوقت داخلها، وعندما تكون الحكاية قصيرة، يصبح التكرار أكثر وضوحًا، وتصبح كل دقيقة محسوبة، وأي مشهد لا يضيف جديدًا يتحول من عنصر درامي إلى عبء يثقل حركة المسلسل.

وهنا يمكن القول إن (كارما) كان يحتاج إلى مونتاج أكثر صرامة وكتابة أكثر اقتصادًا وإيقاع أكثر جرأة؛ لأن الدراما القصيرة لا تحتمل أن تدور طويلًا حول الفكرة نفسها، بل يجب أن تجعل المشاهد يشعر في كل حلقة أنه اقترب خطوة جديدة من الحقيقة، لا أنه عاد إلى المكان الذي بدأ منه.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.