رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(عمر الشريف).. الرجل الذي هزمته الشهرة في النهاية!

(عمر الشريف).. الرجل الذي هزمته الشهرة في النهاية!

(عمر الشريف).. الرجل الذي هزمته الشهرة في النهاية!
حكاية رجل دفع ثمن العالمية من عمره، ومن أسرته، ومن حبه
(عمر الشريف).. الرجل الذي هزمته الشهرة في النهاية!
د. محمد الطربيلي

بقلم الدكتور: محمد الطربيلي

هناك نجوم نحبهم لأنهم قدموا لنا أفلامًا جميلة، وهناك نجوم يتحولون مع الزمن إلى جزء من ذاكرة الوطن، وهناك قلة نادرة لا تكفي كلمة (نجم) لوصفهم، لأنهم يصبحون ظاهرة تتجاوز السينما نفسها.. (عمر الشريف) كان واحدًا من هؤلاء.

الرجل الذي خرج من شوارع الإسكندرية باسم (ميشيل ديمتري شلهوب)، ليعود إلى العالم كله باسم (عمر الشريف) لم يكن مجرد ممثل مصري وصل إلى هوليوود، وإنما كان حالة استثنائية: مصريًا في ملامحه، عالميًا في حضوره، شرقيًا في جاذبيته، وأوروبيًا في ثقافته، حتى إن العالم عندما أراد أن يتخيل (الرجل الشرقي) لم يجد صورة أكثر لمعانًا من وجه عمر الشريف.

لكن خلف تلك الابتسامة الساحرة، والبدلة الأنيقة، والنساء الجميلات، والسيارات الفارهة، والكازينوهات، والأضواء، كانت هناك حكاية أخرى أكثر قسوة.. حكاية رجل دفع ثمن العالمية من عمره، ومن أسرته، ومن حبه، وفي النهاية من هدوئه وسلامه النفسي.

ولد (عمر الشريف) في الإسكندرية يوم 10 أبريل 1932، باسم (ميشيل ديمتري شلهوب)، في أسرة ميسورة تنتمي إلى الأقلية المسيحية الكاثوليكية. كان والده جوزيف شلهوب يعمل في تجارة الأخشاب، وكان عمر قد تلقى تعليمًا جيدًا في كلية فيكتوريا بالإسكندرية، ثم درس الرياضيات والفيزياء في جامعة القاهرة، قبل أن يعمل مع والده عدة سنوات، وهنا تبدأ أولى المفارقات في قصة هذا الرجل.

العالمي عمر الشريف بدأ حياته بعيدًا تمامًا عن السينما!.. لم يكن ابن أسرة فنية، ولم يكن والده ممثلًا، ولم يكن الطريق أمامه مفروشًا بالورود، لكنه كان يمتلك منذ شبابه خليطًا نادرًا من الذكاء والثقافة والوسامة وإجادة اللغات والقدرة على التواصل.

(عمر الشريف).. الرجل الذي هزمته الشهرة في النهاية!
مع فاتن جمامة في (صراع في الوادي)

الرجل الذي رأى عمر الشريف

ثم جاء الرجل الذي غيّر حياته إلى الأبد.. يوسف شاهين.. الرجل الذي رأى عمر الشريف قبل أن يراه العالم.. كان يوسف شاهين زميلًا لعمر الشريف في كلية فيكتوريا، وعندما قرر شاهين أن يقدم فيلم (صراع في الوادي) عام 1954، اختار هذا الشاب الوسيم ليكون بطل الفيلم أمام فاتن حمامة.

لكن حتى اسم (عمر الشريف) نفسه كان جزءًا من صناعة الأسطورة.. ميشيل شلهوب لم يكن الاسم الذي يصلح ـ من وجهة نظر شاهين ـ لنجم سينمائي مصري جديد، فاختار له اسم (عمر الشريف)، وهو الاسم الذي أصبح بعد سنوات قليلة من أشهر الأسماء العربية في العالم.

والأطرف أن (عمر الشريف) نفسه لم يدخل الاختبار أمام فاتن حمامة بثقة النجم الكبير، وإنما كان شابًا مرتبكًا يخشى أن ترفضه.

وفي واحدة من أشهر الحكايات المرتبطة ببدايته، لجأ إلى حيلة ذكية؛ فقد ألقى أمام فاتن حمامة جزءًا من مسرحية (هاملت) باللغة الإنجليزية، وهي لغة لم تكن فاتن تتحدثها، وكأنه يقول لها بطريقة غير مباشرة: (أنا أستطيع أن أمثل!).

الحيلة نجحت، وبدأ التصوير، لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن مجرد نجاح فيلم.. لقد بدأت واحدة من أشهر قصص الحب في تاريخ السينما العربية.. وقع (عمر الشريف) في حب فاتن حمامة، وهي في ذلك الوقت كانت واحدة من أهم نجمات السينما المصرية، وكانت متزوجة من المخرج عز الدين ذو الفقار.

وبعد طلاقها منه، أعلن (عمر الشريف) إسلامه، وتزوج فاتن حمامة في 5 فبراير 1955، وهنا يجب أن نتوقف أمام هذه النقطة بعيدًا عن الحكايات الرومانسية المبالغ فيها.. اعتناق (عمر الشريف) الإسلام كان قرارًا شخصيًا ارتبط بزواجه من فاتن حمامة، لكنه لم يكن قرارًا سهلًا على الإطلاق، فقد أثار أزمة داخل أسرته، وتحدثت مصادر عديدة عن رفض والده للأمر وتأثره الشديد به.

كان الحب إذن بالنسبة لعمر الشريف قرارًا له ثمن، لكن يبدو أن عمر الشريف لم يكن يعرف وقتها أن هناك ثمنًا أكبر ينتظره بعد سنوات قليلة.. من (صراع في الوادي) إلى (لورانس العرب).. القفزة التي لم تحدث لأي ممثل مصري قبله

قدم (عمر الشريف) خلال سنوات قليلة مجموعة من الأفلام التي أصبحت علامات في تاريخ السينما المصرية، ووقف أمام فاتن حمامة في أعمال مهمة، من بينها (صراع في الوادي، صراع في الميناء، نهر الحب)، كما شارك في أفلام أخرى جعلت منه واحدًا من أبرز نجوم الخمسينيات والستينيات.

(عمر الشريف).. الرجل الذي هزمته الشهرة في النهاية!

(عمر الشريف).. الرجل الذي هزمته الشهرة في النهاية!
لم يكن المطلوب مجرد ممثل عربي.. كان المطلوب وجهًا يستطيع أن يفرض نفسه على الشاشة العالمية

يمتلك حضورًا شرقيًا حقيقيًا

ثم جاء عام 1962.. عام واحد كان كافيًا لكي يتغير كل شيء.. ديفيد لين، المخرج البريطاني الكبير، كان يبحث عن ممثل يؤدي دور (الشريف علي) في فيلم (لورانس العرب).

لم يكن المطلوب مجرد ممثل عربي.. كان المطلوب وجهًا يستطيع أن يفرض نفسه على الشاشة العالمية، ويمتلك حضورًا شرقيًا حقيقيًا، وفي الوقت نفسه يستطيع مخاطبة الجمهور الغربي، ووجد ديفيد لين ضالته في عمر الشريف.

في (لورانس العرب) ظهر عمر الشريف في واحد من أكثر مشاهد الدخول شهرة في تاريخ السينما.. فارس يقترب من بعيد وسط الصحراء.. نقطة صغيرة في الأفق تتحول شيئًا فشيئًا إلى رجل.

ثم يظهر الوجه.. وجه (عمر الشريف).. لم يكن ظهوره مجرد دخول ممثل إلى الشاشة؛ كان إعلانًا عن ميلاد نجم عالمي.. حصل الفيلم على نجاح هائل، ونال الشريف ترشيحًا لجائزة الأوسكار لأفضل ممثل مساعد، كما فاز بجائزتي جولدن جلوب عن الفيلم، وفجأة أصبح الشاب المصري الذي كان يعمل مع والده في تجارة الأخشاب، مطلوبًا في هوليوود.

ثم جاء (دكتور زيفاجو)، وهنا لم يعد عمر الشريف مجرد ممثل عربي.. لو كان (لورانس العرب) قد فتح الباب، فإن (دكتور زيفاجو) جعل (عمر الشريف) يدخل من الباب الرئيسي.

في عام 1965 قدم مع ديفيد لين فيلم (دكتور زيفاجو)، وجسد شخصية الطبيب والشاعر الروسي يوري زيفاجو أمام جولي كريستي.. الفيلم حقق نجاحًا عالميًا ضخمًا، وحصل عمر الشريف عن دوره على جولدن جلوب لأفضل ممثل في فيلم درامي.

وهنا حدث شيء شديد الأهمية.. لم يعد عمر الشريف يُستدعى إلى السينما الغربية فقط لأنه (ممثل عربي وسيم).. لقد أصبح ممثلًا يستطيع أن يلعب شخصيات أوروبية وروسية وأمريكية وشرقية، وهذه كانت موهبته الحقيقية التي ظلمتها وسامته أحيانًا.

فكثيرون رأوا وجه عمر الشريف قبل أن يروا عقله وقدرته على الأداء.

ثم جاءت (Funny Girl) أمام باربرا سترايسند، وهنا انفجرت الصحافة العالمية في الحديث عن عمر الشريف والنجمة اليهودية الأمريكية باربرا سترايسند.. كان وجود ممثل مصري عربي في مواجهة واحدة من أشهر النجمات اليهوديات في هوليوود مادة خصبة للصحافة والسياسة معًا.

(عمر الشريف).. الرجل الذي هزمته الشهرة في النهاية!

(عمر الشريف).. الرجل الذي هزمته الشهرة في النهاية!
أصبح فجأة رجلًا يحمل في خلفيته قصة بلد عربي وصراعًا سياسيًا شديد الحساسية

رجل يحمل قصة بلد عربي

وعمر الشريف لم يكن مجرد ممثل يقف أمامها في فيلم، بل أصبح فجأة رجلًا يحمل في خلفيته قصة بلد عربي وصراعًا سياسيًا شديد الحساسية.. ومع ذلك استطاع أن يواصل طريقه.

لقد كان عمر الشريف يعرف كيف يعيش داخل المنطقة الرمادية التي لا يستطيع كثيرون العيش فيها.. مصري في هوليوود.. عربي في أوروبا.. ومسلم يحمل اسمًا جديدًا بعدما كان مسيحيًا.

لكن وراء النجومية كان هناك عمر آخر.. هذه هي المنطقة التي كثيرًا ما يتم تجاهلها عند الحديث عن عمر الشريف.. كان الرجل مولعًا بلعبة البريدج منذ شبابه، وأصبح من أشهر لاعبيها عالميًا، حتى إن اللعبة شغلت جزءًا كبيرًا من حياته، وارتبط بها في بعض الفترات بصورة أكبر مما ارتبط بالسينما نفسها.

والبريدج لم تكن مجرد تسلية بالنسبة إليه.. كانت عالمًا آخر يهرب إليه من عالم السينما.. كان عمر الشريف محبًا للسفر والفنادق والكازينوهات واللعب، وعاش فترة من حياته بأسلوب حياة شديد الرفاهية، لكنه دفع لاحقًا ثمنًا باهظًا لهذا النمط.

ومع مرور السنوات بدأت أضواء العالمية تخفت.. فليس هناك نجم يستطيع أن يبقى في القمة إلى الأبد.. الغريب أن الرجل الذي استطاع أن يصبح عالميًا، لم يكن دائمًا سعيدًا بهذه العالمية، فالعالم أعطاه الشهرة، لكنه أخذ منه أشياء أخرى.. أخذ منه الاستقرار.. أبعده عن ابنه طارق في فترات طويلة، وأبعده عن مصر.. وأبعده عن فاتن حمامة.

وهنا نصل إلى واحدة من أكثر المناطق ألمًا في قصة (عمر الشريف).. لماذا انتهى زواج (عمر الشريف) وفاتن حمامة؟.. لم يكن الانفصال بينهما نتيجة اختفاء الحب ببساطة.؟ كان عمر الشريف قد اختار طريقًا جديدًا في حياته.. هوليوود.. السفر.. العمل في عشرات البلدان.. الشهرة.. والعلاقات الاجتماعية الكثيرة.

بينما كانت فاتن حمامة مرتبطة أكثر بمصر وحياتها الفنية المحلية.. وفي النهاية انفصلا ثم وقع الطلاق عام 1974.. لكن المفاجأة أن علاقة الاحترام والمودة بينهما لم تختفِ تمامًا.. وظلت فاتن حمامة بالنسبة إلى (عمر الشريف) واحدة من أهم نساء حياته.

وربما كان أكثر ما يوجع في القصة أن الرجل الذي كان مستعدًا لتغيير دينه من أجل الزواج منها، انتهى به الأمر بعيدًا عنها بسبب الحلم نفسه الذي كان قد جمعهما في البداية: الفن.

(عمر الشريف).. الرجل الذي هزمته الشهرة في النهاية!
عمر الشريف مجرد ممثل؛ كان اجتماعيًا من الطراز النادر.. عرف نجومًا من مختلف أنحاء العالم

لم يكن مجرد ممثل

عمر الشريف.. رجل له صداقات أكثر من الأفلام.. لم يكن عمر الشريف مجرد ممثل؛ كان اجتماعيًا من الطراز النادر.. عرف نجومًا من مختلف أنحاء العالم، وارتبط بعلاقات صداقة وزمالة مع أسماء كبيرة في السينما العالمية، وظهر مع باربرا سترايسند، وجولي أندروز، وصوفيا لورين، وكاترين دونوف وغيرهن.

وكانت علاقته بالسينما العالمية مختلفة عن مجرد التمثيل.. لقد أصبح جزءًا من مجتمعها.. وجهًا مألوفًا في المهرجانات والحفلات والكازينوهات والفنادق الكبرى.

وكان يجيد عدة لغات، وهو ما ساعده بشدة على الحركة داخل هذا العالم. وتشير الهيئة العامة للاستعلامات إلى إتقانه أربع لغات، وإلى أن ديفيد لين جذبه لما امتلكه من حضور ووسامة وطريقة إلقاء وقدرة على أداء شخصيات متعددة.

لكن الشهرة لها ضريبة.. مع مرور الوقت، بدأ (عمر الشريف) يبتعد تدريجيًا عن أضواء السينما الكبرى.. الأدوار لم تعد كما كانت.. العمر تقدم.. والجسد تغير، والسينما نفسها تغيرت.. والنجم الذي كان يحصل على ملايين المشاهدات لم يعد مطلوبًا بنفس الدرجة.

لكن عمر الشريف لم يختفِ تمامًا.. عاد في أعمال مهمة، وكان من أبرز نجاحاته المتأخرة فيلم (Monsieur Ibrahim) عام 2003، الذي أعاد تسليط الضوء على موهبته ومنحه تقديرًا واسعًا، ثم شارك في (Hidalgo) عام 2004، وحصل في سنواته الأخيرة على تكريمات مهمة، من بينها ميدالية سيرجي أيزنشتاين التي قدمتها اليونسكو عام 2005 تقديرًا لإسهاماته في السينما والتنوع الثقافي.

النهاية التي لم تليق ببداية الأسطورة.. ففي السنوات الأخيرة من حياته، ابتعد عمر الشريف عن الأضواء بدرجة كبيرة.. وبدأ يعاني من مشكلات صحية وظهر عليه التراجع الواضح الذي يصيب الإنسان بعد رحلة طويلة من العمل والسفر والسهر.

ثم جاء عام 2015.. في العاشر من يوليو، رحل (عمر الشريف) في القاهرة عن عمر 83 عامًا.. الرجل الذي عاش نصف قرن تقريبًا أمام كاميرات العالم، انتهت حكايته بعيدًا عن تلك الكاميرات.. وعاد إلى مصر.. عاد إلى البلد الذي خرج منه.. إلى المدينة التي بدأ فيها.. إلى الاسم الذي سبق عمر الشريف: ميشيل شلهوب.

(عمر الشريف).. الرجل الذي هزمته الشهرة في النهاية!
(عمر الشريف) امتلك الشهرة التي يحلم بها الملايين، لكنه دفع مقابلها من حياته الشخصية ثمنًا ربما لم يعرف قيمته

لم يكن مجرد (مصري وصل إلى هوليوود)

ويبقى السؤال: ماذا بقي من عمر الشريف؟.. بقيت الأفلام.. بقي (لورانس العرب).. بقي (دكتور زيفاجو).. بقيت صورته إلى جوار فاتن حمامة.. بقيت ابتسامته.. بقيت وسامته.. بقي صوته.. وبقي ذلك الشعور الغريب الذي ينتاب المصري عندما يرى عمر الشريف في فيلم أجنبي:

إحساس أن واحدًا مننا دخل بيت العالم كله وفرض نفسه عليهم، لكن عمر الشريف لم يكن مجرد (مصري وصل إلى هوليوود).. كان رسالة كاملة.. رسالة تقول إن الموهبة المصرية تستطيع أن تتجاوز الحدود عندما تجد الفرصة.. وتقول أيضًا إن الشهرة ليست دائمًا جائزة.. فقد تحصل على العالم كله، بينما تخسر أشياء لا يستطيع المال ولا الشهرة ولا الأوسكار ولا الجولدن جلوب أن يعيدوها.

(عمر الشريف) امتلك الشهرة التي يحلم بها الملايين، لكنه دفع مقابلها من حياته الشخصية ثمنًا ربما لم يعرف قيمته إلا في آخر الطريق.. وهكذا يصبح عمر الشريف أكثر من نجم سينمائي.. إنه قصة صعود مذهلة، وقصة حب كبيرة، وقصة غربة طويلة، وقصة رجل حمل مصر في ملامحه إلى أكبر شاشات العالم.

خرج من الإسكندرية شابًا اسمه ميشيل شلهوب، وعاد إليها في ذاكرة الناس رجلًا اسمه: عمر الشريف.. اسم لم يعد ملكًا لصاحبه وحده.. بل أصبح جزءًا من تاريخ السينما المصرية والعربية والعالمية.. وربما لهذا السبب، كلما ظهر وجهه على الشاشة بعد رحيله، لا نشعر أننا نشاهد فيلمًا قديمًا.. بل نشعر أن عمر الشريف ما زال موجودًا.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.