رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

رسمى فتح الله يكتب: (الفرقة الماسية)… الأوركسترا التى جعلت الموسيقى بطلة الحكاية

رسمى فتح الله يكتب: (الفرقة الماسية)… الأوركسترا التى جعلت الموسيقى بطلة الحكاية

رسمى فتح الله يكتب: (الفرقة الماسية)… الأوركسترا التى جعلت الموسيقى بطلة الحكاية
أخذ يجوب معاهد الموسيقى، يراقب المواهب الصاعدة، وينتقى أصحاب الموهبة والانضباط معا

بقلم الكاتب الصحفي: رسمى فتح الله

قبل أن يخرج المطرب إلى خشبة المسرح، كانت هناك لحظات ينتظرها الجمهور فى صمت لا يقل شغفا عن انتظار الأغنية نفسها.. لم تكن الستارة قد ارتفعت بالكامل، ولم يكن التصفيق قد بلغ ذروته، لكن عشرات العازفين كانوا قد أخذوا أماكنهم فى هدوء الواثقين.. ثم ينساب اللحن الأول، فتسكن القاعة فجأة، وكأن الجميع أدرك أن ليلة جديدة من ليالى الطرب الحقيقى قد بدأت.. كان ذلك هو سحر (الفرقة الماسية).

لم تكن مجرد أوركسترا ترافق المطربين، بل كانت بطلة خفية تقف دائما فى الخلف، بينما يذهب المجد كله إلى من يقف أمام الميكروفون، ومع ذلك، ظل كل من عرف الموسيقى يدرك أن الأغنية العظيمة لا تصنعها الحنجرة وحدها، وإنما تصنعها عشرات الأصابع التى تتحرك فى انسجام مدهش، فيولد منها ذلك العالم الذى يسمونه الطرب.

فى زمن كانت فيه الأغنية المصرية تكتب أجمل صفحاتها، كانت (الفرقة الماسية) تكتب فصلا آخر لا يراه كثيرون.. كانت تمنح اللحن جسده، وتمنح الكلمة روحها، وتمنح المطرب الجناحين اللذين يحلق بهما فوق المسرح.. لذلك لم يكن غريبا أن يصبح اسمها مرادفا للجودة، وأن يشعر الجمهور بالاطمئنان كلما قرأ على الملصقات: (الفرقة الماسية) بقيادة أحمد فؤاد حسن.

خلف هذا الاسم كان يقف رجل آمن بأن الموسيقى لا تعرف الفوضى، وأن الإبداع الحقيقى لا يولد من المصادفة، اختار أحمد فؤاد حسن آلة القانون منذ سنواته الأولى، وكأنه اختار الطريق الأصعب بإرادته، فالقانون ليس آلة تمنح أسرارها بسهولة، بل يحتاج إلى صبر طويل، وأذن تعرف كيف تميز أدق الفروق بين النغمات.

رسمى فتح الله يكتب: (الفرقة الماسية)… الأوركسترا التى جعلت الموسيقى بطلة الحكاية

رسمى فتح الله يكتب: (الفرقة الماسية)… الأوركسترا التى جعلت الموسيقى بطلة الحكاية
ما كان يشغله أن يؤسس نموذجا جديدا لفرقة موسيقية تضاهى أكبر الأوركسترات العالمية

صناعة جانب كبير من تاريخ الأغنية

داخل معهد فؤاد الأول للموسيقى العربية صقل موهبته، لكن ما كان يشغله لم يكن أن يصبح عازفا لامعا فحسب، بل أن يؤسس نموذجا جديدا لفرقة موسيقية مصرية تضاهى أكبر الأوركسترات العالمية فى انضباطها، دون أن تفقد دفء الموسيقى الشرقية وروحها.

وفى أروقة المعهد نفسه، التقى شابا هادئا يحمل اسما عاديا وقتها هو عبد الحليم حافظ.. كان أحدهما يعزف القانون، والآخر يعزف الأوبوا، ولم يكن أحد يتوقع أن يتحول هذان الطالبان بعد سنوات قليلة إلى شريكين فى صناعة جانب كبير من تاريخ الأغنية العربية.

كبرت الصداقة مع الأيام، وكبر معها الحلم. وعندما أصبح عبد الحليم حافظ نجما مطربا تتعلق به الملايين، لم يبحث بعيدا عمن يفهم لغته الموسيقية.

كان أحمد فؤاد حسن الأقرب إليه، ليس لأنه صديق قديم فقط، بل لأنه كان يملك عقلا يعرف كيف يحول الفكرة إلى بناء موسيقى متماسك.. وهكذا ولدت (الفرقة الماسية).. لم يكن مؤسسها يبحث عن أسماء معروفة، بل عن موسيقيين يؤمنون بأن نجاح الفرد يبدأ من نجاح المجموعة.

أخذ يجوب معاهد الموسيقى، يراقب المواهب الصاعدة، وينتقى أصحاب الموهبة والانضباط معا.. ساعات طويلة من البروفات، وتدريب لا يعرف المجاملة، حتى بدا أفراد الفرقة وكأنهم يعزفون بقلب واحد قبل أن يعزفوا بأيدٍ كثيرة.

كان يؤمن بأن الأوركسترا لا تقوم على الاستعراض، بل على التوازن.. لا آلة تطغى على أخرى، ولا عازف يحاول أن يسرق الأضواء.. الجميع يعمل من أجل اللحن، واللحن وحده هو البطل.. وكان أول الملتزمين بهذه الفلسفة.

لم يكن يقف أمام فرقته بعصا القيادة كما يفعل قادة الأوركسترات الغربية، بل كان يجلس بينهم ممسكا بالقانون، يراقب كل حركة وكل إشارة وكل نفس يخرج من آلات النفخ، وكأنه القلب الذى يضخ الحياة فى جسد واحد اسمه الفرقة الماسية.

أما فى حفلات عبد الحليم حافظ، فقد كان العندليب نفسه يمنح الإشارات الموسيقية أثناء الغناء، مستفيدا من دراسته الأكاديمية، بينما ظل أحمد فؤاد حسن العين التى لا تغفل، والحارس الذى يضمن بقاء كل آلة فى مكانها الصحيح.

ومع مرور السنوات، لم تعد الفرقة مجرد مجموعة من العازفين، بل أصبحت مدرسة حقيقية خرج منها كبار الموسيقيين.. من بين صفوفها خرج محمود عفت، الذى منح آلة الناى صوتا يكاد يشبه البكاء الإنسانى، حتى أصبح أحد أعظم من عزفها فى تاريخ الموسيقى العربية.

رسمى فتح الله يكتب: (الفرقة الماسية)… الأوركسترا التى جعلت الموسيقى بطلة الحكاية
نجح سمير سرور فى ترويض تلك الآلة الغربية لتتكلم بلسان المقامات الشرقية

سمير سرور يروض الساكسفون

وكان سمير سرور يكتب فصلا آخر على آلة الساكسفون، بعدما نجح فى ترويض تلك الآلة الغربية لتتكلم بلسان المقامات الشرقية، فأصبح عزفه جزءا أصيلا من ذاكرة الأغنية المصرية، كما مرت بالفرقة أسماء لامعة مثل هانى مهنا، ومجدى الحسينى، وعمر خورشيد، وغيرهم ممن أصبحوا لاحقا نجوما لكل منهم مدرسته الخاصة.

ولم يكن أحمد فؤاد حسن قائدا للفرقة فقط، بل كان مؤلفا موسيقيا يملك خيالا رحبا.. ترك عشرات المؤلفات التى حملت بصمته الخاصة، مثل (المولد)، و(بهية)، و(دموع البلبل)، و(دقات قلبى)، و(حول العالم)، إلى جانب عشرات الأعمال الموسيقية والاستعراضية التى كشفت عن قدرته على الجمع بين أصالة التراث وروح التجديد.

أما علاقته بعبد الحليم حافظ، فلم تكن مجرد علاقة مطرب بقائد فرقته، بل كانت شراكة فنية نادرة. . كان كل منهما يعرف قيمة الآخر، ولذلك جاءت المقدمات الموسيقية لأغانٍ مثل (زى الهوى)، و(قارئة الفنجان)، و(رسالة من تحت الماء)، و(نبتدى منين الحكاية) أعمالا قائمة بذاتها، تبدأ فى رواية الحكاية قبل أن ينطق المطرب بأول كلمة.

ولأن النجاح الحقيقى لا يعرف حدودا، تجاوزت (الفرقة الماسية) تجربة عبد الحليم لتصبح الرفيق الدائم لكبار نجوم الغناء العربى. عزفت خلف وردة الجزائرية، ونجاة الصغيرة، وفايزة أحمد، وشادية، ومحرم فؤاد، ومحمد عبده، وغيرهم، وجابت المسارح العربية، حتى أصبح ظهورها وحده شهادة جودة يثق بها الجمهور.

وفى حياته الخاصة، عرف أحمد فؤاد حسن تجربة زواج مبكرة من الفنانة نجوى فؤاد، وكانت وقتها تخطو خطواتها الأولى نحو الشهرة.. لم يكتب لهذه الزيجة الاستمرار، لكن الاحترام ظل قائما بين الطرفين، لتبقى تلك الصفحة مجرد محطة إنسانية فى حياة رجل بدا وكأنه تزوج الموسيقى قبل أى شىء آخر.

ورغم كل ما حققه من نجاح، ظل بعيدا عن ضجيج النجومية.. لم يسع إلى الأضواء، ولم يحاول أن ينافس المطربين على شهرتهم، بل كان يكتفى بأن يسمع اللحن يخرج كما أراده. وربما لهذا السبب، عرف الناس أصواتا كثيرة، بينما ظل العقل الذى صنع تلك الروائع مجهولا لدى قطاع كبير من الجمهور.

رسمى فتح الله يكتب: (الفرقة الماسية)… الأوركسترا التى جعلت الموسيقى بطلة الحكاية

رسمى فتح الله يكتب: (الفرقة الماسية)… الأوركسترا التى جعلت الموسيقى بطلة الحكاية
ترك وراءه مدرسة كاملة فى احترام الموسيقى

مدرسة كاملة فى احترام الموسيقى

وفى العاشر من مارس عام 1993، أسدل الستار على حياة أحمد فؤاد حسن، لكن الحكاية لم تنته.. فقد ترك وراءه مدرسة كاملة فى احترام الموسيقى، وحمل محمود عفت الراية من بعده، محافظا على روح (الفرقة الماسية) وتقاليدها، لتظل شاهدة على زمن كان فيه الانضباط فضيلة، والعمل الجماعى عقيدة، والإبداع نتيجة طبيعية للإخلاص.

وما زالت السنوات تمضى، وكلما انطلقت مقدمة موسيقية من أغنيات الزمن الجميل، عادت الفرقة الماسية إلى الذاكرة، حتى لو لم يذكرها أحد.. فهناك أبطال لا يقفون فى مقدمة الصورة، لكن الصورة كلها كانت ستفقد معناها لو غابوا عنها.

وهكذا بقيت الفرقة الماسية أكثر من أوركسترا، وأكثر من اسم فى تاريخ الغناء. بقيت دليلا على أن الموسيقى نفسها يمكن أن تكون بطلة الحكاية، وأن العازفين الذين جلسوا فى الخلف، بصمتهم وتواضعهم، كانوا فى الحقيقة شركاء فى صناعة أعظم عصر عرفته الأغنية المصرية.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.