
بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول
يركز فن التمثيل العربي على “الإدراك الحسي” للشخصية التمثيلية، ويضرب الأمثال على أهمية “الإدراك الحسي” للشخصيات الممثلة، حتى يستطيع الجمهور فهم معنى الإدراك في الحياة العامة، وضربت السيرة مثلًا بشخصية رزق بن نايل، فارس قبيلة بني هلال، صاحب القوة والإمارة والمال، والمفترض في هذه الشخصية أن تكون صاحبة رؤية وفهم لما حولها من علاقات اجتماعية ونفسية.
وهذه الرؤية لا تأتي إلا من خلال الإدراك الحسي (الحس – الذهن – الشعور) للمجتمع الذي تعيش فيه الشخصية، والشخصيات المقربة منها في التعامل والعلاقات.
وتقدم السيرة الهلالية مثلًا تمثيليًا لهذه الشخصية، وهي شخصية رزق بن نايل، الذي يحمل همًّا كبيرًا أفقده الرؤية الحسية لمن حوله، وهذا الهم وثقله على نفسه نستشفه من حديث رزق بن نايل ومناجاته في الصحراء في افتتاحية السيرة:
يقول البطل رزق بن نايل:
جور الليالي حير الإنسان
أمنت لك يا دهر ورجعت خنتي
ولا كان حسابي إن الزمان خوان
بتخني ليه يا دهر تكسرني في العضا (العظام)
خليت دموعي مزقوا الأخفان
ألا يا عباد الله، يا ميلة الزمان
ناريها الغرورة طبعها خوان
أبكي على الفرقة وعلى حيف ما جرى
دمعي سرى بل الأراضي طوفان
على ما جرى
يا ويح قلبي لما جرى
يا هل ترى أجعد مع الإخوان
أبكي على الأيام بعين وجيعة
عدم الخليفة هدني بمكان
أنا الذي قد أصباني البين والنيا
أشكو لربي واحد رحمن
كنا برفعة قد خفضنا زماننا
صبحنا أذلة والعزيز إتهان
ياما ضحكنا وكان البكى عند غيرنا
وأدى اليوم بكينا وخصمنا فرحان
إن عادت الأيام بالفرح والهنا
أركب على المهرة وأطوي حزان
وأخلي بنات البدو ترخي شعورها
وأخلي دما أعدائنا طيفان
وأدق طبل الفرح قدام بابنا
وأقول عطاني مقتدر رحمن
بلغني الكبر يا ظهري
وحنيت من الله تقضى المصالح
بكيت على البلاوي وحنيت
في بيتي ما فيش طفل فالح
بلوج بعني يمين وشمال
على طفل عندي يلاغيني
جتني الليالي سودة وشمال
قادر يا رب أنت تعطيني
سمع ندى من جبل الله
يا أخي كل منه سعيدة
يا رزق أصغى على الله
تزوج في مكة السعيدة
أمرك لرب المتعال
في جبال امشي وشريفة
إن كان مرادك تخلف عيال
تزوج بعذرة شريفة
سمع دول قلب الفتى انسر
كم بعد ما كان له دمع نازل
عدل مهرته للبلد سار
ورجع البطل على المنازل
كان باكي والدمع صار حان
كان باكي والدمع سرحان
على الأرض دمعه رواية
أجبل إلى ديوان سرحان
وشرح عليه الرواية
وقجله أنا وحدى كنت
في الجبل مريت ولا معاي أحدًا حجازي
سمعت صوت والشخص ما ريت قال لي
تزوج من أرض الحجاز
ما الرأي يا ابن عمي
لوني تغير بصارة
مني اتخبلت لف عمي
يا سرحان شوف لك بصارة
ده أنا حتى العمة اللي على رأسي
اتلخبطت ومش عارف ألفها
شوف لي طريقة ولا شوف لي صرفة
ولا شوف لي بصرة
جاله أنت لا عاوز شورة ولا حاج
أسمع كلامي وصيغه
تستنى لموسم الحج
كلام حلو مني وصيغه
تقصد وياه الرحمن
والصبر تاخده نبينا (أي تأخذ الصبر نائب لك)
والزعل والغلب رحمان
وتسافر تشاهد نبينا
تروح للزيارة وترتاح
ما تطلبش ولا أي حاجة
وإن كان الدور فيه نجاح
أهي تبقى حجة بحاجة.

شاعر السيرة جابر أبو حسين
ومن المشهد السابق نلاحظ أن “الإدراك الحسي” لشخصية ابن نايل متوقف، ولا يفكر سوى في همّه الكبير، عدم الإنجاب، ولقد صور شاعر السيرة جابر أبو حسين حالته النفسية ببراعة فائقة، ونشعر من خلال تمثيله لهذه الشخصية بمدى المعاناة التي تعيشها. لقد تغلغل الشاعر في نفس ابن نايل وأخرج ما تحويه من مشكلة نفسية مريرة يمر بها، جعلته معطل الحس والذهن والشعور.
وعند سماعه لمن قال له: اذهب إلى مكة المكرمة، سوف تتزوج من هناك، ذهب مسرعًا إلى الملك سرحان ليخبره ويعرض عليه الأمر، ويخبره سرحان بأن يذهب إلى مكة ليحج، ويزور النبي صلى الله عليه وسلم.
وما نلاحظه من المشهد قرب رزق من سرحان فقط، والمعنى أن من حوله جميعًا لا يهتمون بمشكلته ومعاناته، وخاصة أخيه عزجل، وهذا واضح، فلم يذهب إليه ليخبره بما سمع، بل ذهب إلى سرحان.
ولقاء رزق بسرحان تم في ديوان الملك، ومعنى هذا أن كبار رجال الهلايل، مثل القاضي فايد وغانم وغيرهم، كانوا حاضرين يسمعون، ولم يهتموا بما قاله، إلا أن الملك سرحان أعطاه الرأي الصواب.
وبالفعل يذهب رزق إلى الحج، ويتزوج من خضرة الشريفة، وظل معها قرابة العشر سنوات بدون إنجاب، وظل إدراكه الحسي معطلًا، وتركيزه الأساسي في إنجاب طفل ذكر يحمل اسمه ويرثه.

“الإدراك الحسي” عند رزق
وبعد حمل خضرة الشريفة وإنجابها طفلًا ذكرًا، بدأ “الإدراك الحسي” عند رزق يعمل، ويبدأ في اكتشاف من حوله، فيرى القاضي فايد أمام رجال الهلايل في مجلس سرحان، وقد صوّر الشاعر ذلك كالتالي:
جالسة العرب يمين وشمال
مولاي بالخلق عالم
جدام غانم العبد دلي
والقاضي ينظر بعينه
والعرب الكل سامعه
كلام للرجال سامعينه
فا جرب القاضي وكشف الثام
نرى المشهد: إن جميع العرب من الأكابر حاضرين المجلس، وعلى مرأى ومسمع منهم يقول القاضي فايد:
بص القاضي وشال اليثام
جاري وعارف الكتايب
لما شاف شكل الغلام
لجيه أسمر جال دي آخر عجايب
لجي الولد صغير أسمر اللون
جال سبحان رب الخلايج
يعني ده فعل غير موزون
ده ما فيش في مثله خلايج
جوم مال علي غانم القاضي
هما الاتنين
الشاعر: (ماله علي بعض القاضي وغانم)
جال القاضي سبحان الله
جال القاضي سبحان الله
أهي حاضرة رجال الهلايل
مثل الوجه ده فينا ما ريناه
لا لون خضرة ولا لون ابن نايل
يعني جايبة الواد أسمر اللون
باين من عبيد الجلايب
سبحان من عمر الكون
عشنا ورأينا العجايب
جوم غانم جاله: يا قاضي ما تلومش عليها
الشاعر:
(شوف غانم يعمل الفتنة، الفتنة وعرة جوي).
جاله غانم: ما تلومش علي
ما جعدتها بلا عيال طالت
واصل يا قاضي الرازق جاعد حي
يمكن إنها خضرة العبد مالت
فقال القاضي:
جال القاضي: يا سلام علي فعل النسا ده يغير الحي
الشاعر:
(يغير اللحي، يعني قال يعني).
جال فعل النسا يغير الحي
أمع البعيد والجرايب
يجدر يتحزموا بالحنش حي
ويتعصبوا بالعجارب
بيحي القاضي وغانم الاتنين
إلا وجف أخوه عزجل يا حبايب
وجاي شايفهم بالعين
من البعد وقرت النوايب

حالة من الفوضى الحسية
لقد قام فايد وغانم بطعن رزق أمام الجميع، وفي هذه الحالة بدأ الجهاز الحسي عند رزق يعمل ليرى ويعرف ما غاب عنه طيلة فترة همه بمشكلة الإنجاب، وأدرك حسيًا أنه مكره بشدة من بعض أكابر رجال الهلايل، ولكنه تملك نفسه، وانتظر ليرى أخاه وفعله:
شافه عزجل سكر بلاه كيف
فارس وغيظ نيده
وجام علي الولد ساحب سيف
وعاوز يقطع الواد بأيده
فجام رزق علي القدمين
وجال عاب فيك يا خوي غلامي
أدي العرب الكل حاضرين
رجال حافظه النظامي
كل النوازل يا عزجل ولا دي
كل النوادر
كل النوادر يا عزجل ولا دي
أدي رجال تشهد جبالك
جولي إذا كان عاب أخوي ولدي
يا أخي جولي وأنا أقطع لسانه
وفي هذا المشهد يعترف رزق ببنوته للولد، لأخيه، ويقول في حالة من الهذيان: (كل النوازل يا عزجل ولا دي)، أي لا يا عزجل يا أخي، أتقتل ابن أخيك؟ ويخل الجهاز الحسي عند رزق بن نايل في حالة من الفوضى الحسية، خاصة بعد أن يقول عزجل وسط جمع الهلايل:
ده أنت جبت ظفار لبلدك
ده جياه من عبد جلايب
ولم يجد رزق سوى الملك سرحان يقول له:
وجاله يا رزق ما تخلي بالك
عزجل يا رزق كان فيك طمعان
كان طمعه نده في ورث مالك
وينهار رزق وينفصل عن زوجته وابنه، ويعرف أنه كان مغيبًا عن الوعي طيلة الفترة التي عاشها قبل الإنجاب، ويعرف أن المكائد كانت تحاك ضده وهو لا يدري.
وهنا ينبه فن التمثيل الشعبي على “الإدراك الحسي” للإنسان، وينبغي أن يكون الشخص حريصًا، خاصة إذا كان صاحب سلطة ومكانة ومال. لقد قدم لنا فن التمثيل الشعبي تعطل الجهاز الحسي للإنسان بسبب همومه تمثيلًا، بشكل تأثيري، لكي يعرف الجمهور قيمة الإدراك الحسي للمجتمع الذي يعيش فيه.
وهذه مشكلة تواجه الأفراد من أمثال رزق بن نايل في مجتمعاتنا، ويكون مصيرهم التجريح والإبعاد والإقصاء بدون ذنب، سوى أنهم مجتهدون يحملون قيمًا.
ولهذا تنبه السيرة الهلالية هؤلاء الأفراد، وأن يفعلوا جهازهم الحسي (الحس.. الذهن.. الشعور)، ليكونوا مثل الملك سرحان الذي انتصر على هؤلاء الأشرار، بسبب إدراكه الحسي، الذي جعله يبصر الأمور على حقيقتها.