(أهمس في أذني السليمة).. المسرح العراقي يستعيد ذاكرته في الأردن بعد 40 عامًا


كتب: أحمد السماحي
يستعيد المسرح العراقي حضوره على خشبة المسرح الأردني من خلال العرض المسرحي (أهمس في أذني السليمة)، الذي تشارك به نقابة الفنانين العراقيين – فرع بابل، ضمن فعاليات الدورة الخامسة من مهرجان (الرحالة الدولي) المقام حاليًا في العاصمة الأردنية عمّان.
ويُعرض العرض المسرحي اليوم الثلاثاء 25 أغسطس، في فضاء مسرح (أسامة المشيني) بجبل اللويبدة، في تمام الساعة الثامنة مساءً، وسط حضور عربي ينتظر تجربة مسرحية تنتمي إلى ذلك النوع من العروض التي تضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع ذاكرته وأسئلته الوجودية.
العرض من إعداد وإخراج الدكتور محمد حسين حبيب، عن نص الكاتب الأمريكي ويليام هانلي الذي يحمل العنوان نفسه، ويشارك في بطولته أحمد عباس ومحمد حسين حبيب، مع مشاركة خاصة بصوت الفنانة القديرة الدكتورة شذى سالم، بينما يتولى علي عدنان التويجري المؤثرات الصوتية، وعلي زهير المطيري تصميم الإضاءة.
ويغوص (أهمس في أذني السليمة) في مجموعة من القضايا الإنسانية والوجودية شديدة الحساسية، حيث تتحول الخشبة إلى ما يشبه حلبة للصراع بين شخصيتين مثقلتين بالعمر والتجارب، تتنازعهما الذاكرة والنسيان، ويطارد كل منهما ظلال الماضي، في حالة من التشظي النفسي والتردد بين الضحك والبكاء، بينما يواجهان قسوة الحياة وتبدلات الزمن.
ولا يعتمد العرض على الحكاية التقليدية بقدر ما يراهن على الصراع الداخلي للشخصيات، وعلى المساحات النفسية التي تنفتح بين الكلمة والصمت، وبين ما يُقال وما يظل حبيسًا في الذاكرة. ومن هنا تأتي أهمية الرؤية الإخراجية التي أعاد من خلالها محمد حسين حبيب تقديم العمل بروح معاصرة، مستفيدًا من خبرته الطويلة في التعامل مع المسرح التجريبي.

فرقة المسرح الوطني العراقي
وتحمل مشاركة العرض في مهرجان (الرحالة الدولي) خصوصية إضافية، إذ إنها تأتي بعد سلسلة من المحطات التي رسخت حضوره داخل المشهد المسرحي العراقي خلال عام 2026. فقد عُرض العمل للمرة الأولى في بابل خلال يناير الماضي على مدى ثلاثة أيام، قبل أن تستضيفه دائرة السينما والمسرح، ليُقدم في منتدى المسرح ببغداد يومي 16 و17 فبراير 2026، احتفاءً بالذكرى الـ57 لتأسيس فرقة المسرح الوطني العراقي.
لكن قصة العرض لا تبدأ من هذا العام؛ فالمسرحية تحمل في ذاكرتها أربعة عقود كاملة. فقد أعاد المخرج محمد حسين حبيب إحياء تجربته القديمة مع النص، بعد نحو 40 عامًا من عرضه الأول، عندما قُدم العمل للمرة الأولى بصورة تجريبية من خلال طلبة كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد.
وفي تلك التجربة المبكرة، جسّد الأدوار كل من محمد حسين حبيب والفنان الراحل أحمد فاضل، ونجح العرض وقتها في أن يلفت الأنظار داخل الوسط المسرحي، ليحصد جائزة الإخراج الثانية وجائزة أفضل ممثل في مهرجان منتدى المسرح.
وهكذا يبدو (أهمس في أذني السليمة) اليوم وكأنه لا يستعيد نصًا مسرحيًا فحسب، وإنما يستعيد جزءًا من الذاكرة الشخصية والفنية لمخرجه، ويضع تجربة الأمس في مواجهة أسئلة الحاضر. فبعد أربعين عامًا، لم يعد الزمن مجرد خلفية للأحداث، بل أصبح واحدًا من أبطال العرض، بما يحمله من ذاكرة وخسارات وتغيرات إنسانية.
ومن بابل إلى بغداد، ثم إلى عمّان، يواصل العرض رحلته، حاملاً معه تجربة عراقية تجمع بين التجريب والاشتغال على الإنسان، وتؤكد أن المسرح الحقيقي قادر على عبور الحدود والزمن، كلما امتلك قضية إنسانية صادقة ورؤية فنية قادرة على تجديدها.