(الملك لير) يعود من العراق.. (أنا.. أنا) قراءة جريئة للسلطة والجنون والذاكرة

كتب: محمد حبوشة
ماذا يحدث عندما يعود (الملك لير) إلى المسرح، لا باعتباره شخصية شكسبيرية نعرف نهايتها، وإنما بوصفه سؤالًا مفتوحًا عن الإنسان والسلطة والذاكرة؟
هذا هو السؤال الذي حمله العرض المسرحي (أنا.. أنا) إلى خشبة مسرح الرشيد، في تجربة كتبت وأخرجتها الفنانة عواطف نعيم، مستلهمة عالم (الملك لير) ولكن من خلال قراءة بصرية ومسرحية جديدة، تنقل الحكاية من حدود النص الكلاسيكي إلى مساحة أكثر التصاقًا بالإنسان وتناقضاته وعلاقاته ومخاوفه.
العرض الذي جمع بين الرمز والجماليات البصرية والمعالجة الفكرية، جذب حضورًا فنيًا وثقافيًا، من بينهم نقيب الفنانين العراقيين ومدير عام دائرة السينما والمسرح الدكتور جبار جودي، الذي تابع العرض وأشاد بالجهد الذي بذله فريقه، مؤكدًا ما يحمله من مضامين إنسانية وفنية تؤكد قدرة المسرح العراقي على تقديم تجارب تمتلك خصوصيتها الفكرية والجمالية.
القوة الحقيقية في (أنا.. أنا) أن عواطف نعيم لم تتعامل مع (الملك لير) باعتباره نصًا مقدسًا يجب إعادة إنتاجه حرفيًا، وإنما انطلقت من عالمه لتصنع رؤيتها الخاصة.. فالسلطة هنا ليست مجرد تاج على رأس ملك.. والذاكرة ليست مجرد استعادة للماضي.. والعلاقات الإنسانية ليست مجرد تفاصيل جانبية.

إعادة ترتيب الماضي
كل هذه العناصر تصبح أسئلة عن هشاشة الإنسان عندما يفقد سلطته، وعن علاقاته عندما تتغير موازين القوة، وعن الذاكرة عندما تبدأ في الخداع أو التشوش أو إعادة ترتيب الماضي.
ومن هنا يكتسب العنوان (أنا.. أنا) دلالته، فالجملة تبدو في ظاهرها تأكيدًا للذات، لكنها يمكن أن تُقرأ أيضًا باعتبارها صرخة إنسان يحاول أن يتمسك بهويته في عالم تتبدل فيه المواقع والأدوار.
العرض يبدو أقرب إلى مرآة كبيرة، لا يراد منها فقط أن تعكس شخصيات العمل، وإنما أن تجعل المتفرج يرى نفسه داخلها، فالإنسان الذي يخشى فقدان السلطة هو نفسه الذي يخشى فقدان الحب، والشخص الذي يتمسك بذاكرته قد يكون في الوقت نفسه أسيرًا لها.
والعلاقة بين الأب وأبنائه، وبين الحاكم ومن حوله، يمكن أن تتحول إلى صورة أوسع لعلاقات البشر عندما يدخل الجشع والخوف والانكسار إلى المشهد.. وهنا تبدو معالجة عواطف نعيم أكثر اهتمامًا بـالإنسان خلف السلطة، وليس بالسلطة في حد ذاتها.
وجود الفنان الكبير عزيز خيون في بطولة العرض يمنحه ثقله التمثيلي منذ اللحظة الأولى.. فخيون صاحب حضور مسرحي معروف، ويحتاج مثل هذا الدور إلى أداء قادر على حمل الصراع الداخلي، لا مجرد تقديم شخصية قوية في الخارج.
وإلى جواره تشارك إيار عزيز ولمار محمد، ضمن تركيبة تمثيلية تفتح المجال لعلاقات متعددة داخل العرض، بينما يتكامل أداء الممثلين مع الرؤية الإخراجية التي لا تفصل النص عن الصورة.. وهنا يصبح الممثل جزءًا من التكوين البصري، وليس مجرد ناقل للحوار.

فخ المقارنة المباشرة مع شكسبير
أحد أهم التحديات أمام أي مخرج يقترب من (الملك لير) هو أن يقع في فخ المقارنة المباشرة مع شكسبير.. لكن (أنا.. أنا) يبدو معنيًا بشيء آخر: أن يأخذ روح العمل الأصلية ثم يعيد طرحها من زاوية معاصرة، وهذا ما يمنح التجربة فرصة لأن تعيش خارج النص الذي استلهمته.
فالشكسبيرية هنا ليست غاية، وإنما مادة خام لبناء سؤال جديد.. وكلما استطاعت المعالجة أن تتخلص من عبء التقليد، أصبحت أكثر قدرة على خلق شخصية مستقلة لها لغتها.
إشادة جبار جودي بالعرض لم تأتِ فقط من باب الدعم الإداري، بل في سياق تأكيده على قدرة المسرح العراقي على إنتاج أعمال تحمل خصوصيتها الفكرية والجمالية.. وهذه الخصوصية هي واحدة من أهم رهانات المسرح العراقي اليوم: كيف يستفيد من التراث المسرحي العالمي، دون أن يفقد صوته المحلي؟
(أنا.. أنا) يقدم نموذجًا لهذه المعادلة؛ نص عالمي في الخلفية، ورؤية عراقية في الواجهة، وممثلون عراقيون، ومسرح عراقي، وقضايا إنسانية يمكن أن يفهمها الجمهور في أي مكان.
العمل جاء نتيجة تعاون بين دائرة السينما والمسرح التابعة لوزارة الثقافة والسياحة والآثار ومحترف بغداد المسرحي، وهو تعاون مهم لأنه يفتح مساحة تلتقي فيها المؤسسة الثقافية الرسمية مع التجربة المسرحية الأكثر حرية ومغامرة، وهذه الشراكات هي التي تمنح المسرح فرصة لأن يتنفس خارج القوالب التقليدية، وأن تنتقل الأفكار الجديدة من الورق إلى خشبة حقيقية وجمهور حقيقي.
وفي النهاية، لا يبدو (أنا.. أنا) مجرد إعادة قراءة للملك لير، وإنما محاولة لطرح السؤال القديم بوجه جديد: ماذا يبقى من الإنسان عندما يسقط عنه كل شيء؟.. التاج قد يسقط… السلطة قد تنتهي.. الذاكرة قد تخونه.. لكن الإنسان، وهو يقف وحيدًا أمام نفسه، سيظل مضطرًا إلى مواجهة السؤال الأصعب:
من أنا؟، وربما لهذا اختارت عواطف نعيم عنوانها: (أنا.. أنا).. عنوان بسيط، لكنه يخفي خلفه عالمًا كاملًا من السلطة والانكسار والذاكرة والخوف والحب.. وعلى خشبة الرشيد، يبدو أن (الملك لير) لم يعد يحكي قصته القديمة فقط.. بل جاء هذه المرة ليسألنا عن قصتنا نحن.