رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (9).. (صلاح جاهين)

أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (9).. (صلاح جاهين)
أصبحت مغرمًا بـ (صلاح جاهين)؛ ذلك العبقري الذي كانت رباعياته تبدو لي وكأنها إشارات خفية
أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (9).. (صلاح جاهين)
أحمد صبحي

بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي

مع صوت (إيناس جوهر) كان اليوم يبدأ.. كان لصوتها طابع خاص، قادر على أن يملأ الدنيا بهجة وطمأنينة بمجرد أن يصل إلى أذنيك، خصوصًا حين كانت تقول بخفة ودلال كلمات (صلاح جاهين):

غمّض عينيك وامشي بخفة ودلع

الدنيا هي الشابة وإنت الجدع

تشوف رشاقة خطوتك تعبدك

لكن إنت لو بصيت لرجليك.. تقع

عجبي

ومنذ تلك اللحظة أصبحت مغرمًا بـ (صلاح جاهين)؛ ذلك العبقري الذي كانت رباعياته تبدو لي وكأنها إشارات خفية تدفعك إلى الطريق دون أن تشعر.. كنت أكتشف أن كل شيء حولك قد يقودك إلى هدفك، لكن بشرط واحد.. أن تواصل السير دون توقف.. وكانت الرحلة الأخيرة مع دار النشر قد اقتربت من نهايتها.

بعد أن انتهيت من سداد جميع أقساط الكتاب، قررت أن أترك عملي كمندوب مبيعات بالمؤسسة في ظل غرامي بالشاعر الكبير (صلاح جاهين).. أصبح كل شيء الآن معلقًا بلحظة واحدة لحظة خروج الكتاب إلى النور.. كنت أتابع مع الناشر كل التفاصيل الصغيرة بشغف مرهق؛ الغلاف، كلمة الظهر، البروفة النهائية، نوع الورق، ورائحة الحبر الأولى.. إلى أن حدد موعد استلام النسخ.

أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (9).. (صلاح جاهين)
ما قيمة كاتب بلا قراء؟.. كلما اقترب موعد الاستلام

ما قيمة كاتب بلا قراء؟

وهنا فقط فوجئت بالحقيقة التي لم أفكر فيها من قبل.. سأستلم نسخ الكتاب كاملة.. لكن كيف سيتم توزيعه؟.. كنت قد طبعت ألف نسخة كاملة، دون أن أسأل نفسي سؤالًا واحدًا بسيطًا:

ماذا بعد الطباعة؟

وفجأة وجدت نفسي في موقف لا أُحسد عليه.. أدركت أنني اصبحت  مادة للسخرية.
لقد أنفقت كل هذا المال من أجل كتاب.. لكن ما قيمة كاتب بلا قراء؟.. كلما اقترب موعد الاستلام، ازداد الأمر ثقلاً داخلي.. إلى أن جاء اليوم المنتظر.

توقفت السيارة أسفل المنزل محمّلة بالكتب، وبدأت أنقل الصناديق إلى غرفتي.. وضعت النسخ في البلكونة الملحقة بالغرفة، وكانت الكتب بلا تغليف يحميها، الأمر الذي جعلني أخشى أن تفسد.. لذلك قررت أن أشتري أكياسًا بلاستيكية وأغلف النسخ بنفسي.

وبالفعل جلست ساعات طويلة أقوم بتغليف كل نسخة، ثم وضعت (ستيكر) خلف كل كتاب يحمل السعر.. وهنا فقط بدأت أفكر بجدية.. وأدركت فجأة أن كل ما مررت به في حياتي لم يكن عبثًا، وأن عملي كمندوب مبيعات لم يكن مجرد وظيفة مؤقتة، بل تدريب حقيقي على تسويق كتابي.

حملت حقيبة كبيرة على ظهري، ووضعت بداخلها النسخ، ثم بدأت أتجول على باعة الجرائد وأترك لديهم الكتب بنظام الأمانة.. كنت أتابع البيع أسبوعيًا.. وكان البيع بطيئًا بطبيعة الحال، فلم يكن أحد يعرف من أكون، لكن رغم ذلك كانت هناك حركة بسيطة.. ليست جيدة، لكنها مقبولة.

إلى أن قال لي أحد أصدقاء والدي يومًا: لماذا لا تعطي النسخ لمؤسسة الأهرام؟.. توقفت أنظر إليه بدهشة.. فقال إنه يعرف شخصًا يعمل في قطاع التوزيع.. وبالفعل ذهبت.. طلب الرجل سبع نسخ من الكتاب، ثم قال لي أن أنتظر الرد.

عشرة أيام كاملة عشتها في قلق شديد، إلى أن جاءت الموافقة.. وافقت مؤسسة مؤسسة الأهرام على توزيع الكتاب.. ولا أستطيع وصف شعوري وقتها.. جاءت سيارة التوزيع التابعة للأهرام إلى المنزل لتستلم النسخ كاملة، وكان ذلك اليوم بالنسبة لي أشبه بالحلم.. الآن سيُوزَّع الكتاب على مستوى الجمهورية كلها.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.