الفراعنة يصعدون إلى الخشبة.. وقنصوة يعلن الحرب على عزلة (المسرح المصري)!

كتبت: سدرة محمد
هل يمكن أن يستعيد (المسرح المصري) موقعه كواحد من أهم أدوات صناعة الوعي، لا باعتباره مجرد مساحة للفرجة، وإنما باعتباره مكانًا تُطرح فوق خشبته أسئلة المجتمع والتاريخ والهوية؟ يبدو أن وزارة الثقافة تريد أن تختبر الإجابة عمليًا هذه المرة.
ففي اجتماع جمع الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، مع الدكتور أيمن الشيوي رئيس قطاع المسرح، والفنان إيهاب فهمي رئيس البيت الفني للمسرح، لم يكن الحديث عن عروض الموسم المقبل فقط، وإنما عن مجموعة مشروعات تسعى إلى إعادة رسم خريطة (المسرح المصري)، من الجامعة إلى الشارع، ومن التاريخ القديم إلى مسارح القاهرة والإسكندرية.
اجتماع يمكن أن يبدو إداريًا في ظاهره، لكنه يحمل في داخله سؤالًا أكبر: هل يستطيع (المسرح المصري) أن يعود مرة أخرى إلى موقعه كقوة ناعمة تصنع الوعي وتعيد تشكيل علاقة الجمهور بالفن والتاريخ والهوية؟
في قلب الملفات التي طُرحت جاء مشروع (مسرح مصر) بشارع عماد الدين في وسط القاهرة، بعد الانتهاء من أعمال الإنشاء والتجهيز.. والمكان وحده كفيل بإثارة الذاكرة، فشارع عماد الدين ليس شارعًا عاديًا في تاريخ الفن المصري، وإنما أحد الشوارع التي ارتبط اسمها لعقود بالمسارح والحياة الفنية والحركة الثقافية.
ولهذا فإن افتتاح مشروع جديد للمسرح في هذه المنطقة يحمل دلالة تتجاوز المبنى نفسه., الفكرة ليست أن تفتح أبواب مسرح جديد فحسب، وإنما أن تستعيد القاهرة شيئًا من علاقتها القديمة بخشبة المسرح، وأن يصبح المشروع جزءًا من عملية إحياء للمشهد المسرحي في قلب العاصمة.

افتتاح (مسرح مصر)
ولهذا وجّه قنصوة بوضع برنامج متكامل لافتتاح (مسرح مصر)، بما يعكس قيمة المشروع ودوره المرتقب في إثراء الحركة المسرحية، لكن الملف الأكثر أهمية ربما يكون مشروع تطوير المسرح الجامعي، وهو المشروع الذي تقرر أن تتولى تنفيذه مجموعة عمل مشتركة تضم متخصصين من وزارتي الثقافة والتعليم العالي والبحث العلمي.
المسرح الجامعي يمكن أن يكون المعمل الأول الذي يتعلم فيه الشاب كيف يصوغ فكرة، وكيف يقف أمام الجمهور، وكيف يدير حوارًا، وكيف يرى المجتمع من زاوية مختلفة، ولهذا ربط قنصوة المشروع بفكرة دعم الأنشطة الإبداعية لطلاب الجامعات، وربط الشباب بقضايا مجتمعاتهم، والتعرف على أفكارهم واهتماماتهم وتطلعاتهم.
وهنا تظهر أهمية المشروع الحقيقية: أن تتعرف الدولة إلى الجيل الجديد من خلال المسرح قبل أن تتحدث باسمه، فالمسرح الجامعي ليس مجرد تدريب على التمثيل، وإنما مساحة تكشف ما يشغل الشباب، وما يثير قلقهم، وما يحلمون به، وما يختلفون حوله.
ومن أكثر المشروعات إثارة للاهتمام المقترح الخاص بـ (مسرحة التاريخ المصري القديم).. الهدف هو تحويل محطات من التاريخ المصري القديم إلى أعمال مسرحية، تجمع بين الدراما والحقائق التاريخية، وتصل بالأجيال الجديدة إلى الحضارة المصرية من بوابة مختلفة.
وهنا تبدو الفكرة شديدة الذكاء؛ لأن التاريخ عندما يتحول إلى مادة مسرحية يستطيع أن ينتقل من صفحات الكتب إلى شخصيات وحكايات وصراعات وصور حية.. لكن التحدي أيضًا كبير.
فالمسرح لا يستطيع أن يختصر التاريخ أو يشوهه من أجل الإثارة، ولذلك جاء توجيه الوزير بإعداد تصور متكامل للمشروع، يشمل المحتوى الفني والتاريخي وآليات التنفيذ والإنتاج والعرض، بالتنسيق مع المتخصصين في التاريخ والآثار والفنون.
أي أن المطلوب ليس (فراعنة على المسرح) فقط، وإنما فرعنة درامية تستند إلى المعرفة، وهنا تحديدًا يمكن للمسرح أن يتحول إلى قوة ناعمة حقيقية؛ لأن الشاب الذي قد لا يقرأ كتابًا كاملًا عن حقبة تاريخية، ربما يذهب إلى المسرح ليشاهد حكاية تجعل الشخصية التاريخية جزءًا من ذاكرته.
وعلى مستوى البيت الفني للمسرح، استعرض الفنان إيهاب فهمي خطة تضم أكثر من 60 عرضًا مسرحيًا، بين إنتاج وإعادة إنتاج، تقدم على المسارح التابعة للبيت في القاهرة والإسكندرية.

مسرح المواجهة والتجوال
الرقم كبير بلا شك.. لكن السؤال الذي يهم الجمهور لا يتعلق بعدد العروض فقط، وإنما بعدد الناس الذين يمكن أن يصل إليهم المسرح، ولهذا يصبح مشروع (مسرح المواجهة والتجوال) هو الاختبار الحقيقي.
المرحلة السابعة من المشروع تستهدف الوصول بالعروض إلى مناطق أبعد على مستوى الجمهورية، في إطار ما تصفه الوزارة بالعدالة الثقافية وإتاحة الحق في المعرفة والفنون لجميع المواطنين.
وهنا تستعيد الفكرة القديمة معناها الحقيقي: المسرح الذي ينتظر الجمهور فقط في وسط القاهرة قد يظل محدود التأثير، أما المسرح الذي يذهب إلى الجمهور حيث يعيش، فيمكن أن يتحول إلى مشروع ثقافي جماهيري.
قنصوة وضع الفكرة الأساسية بوضوح عندما أكد أن (المسرح المصري) أحد الأدوات الفاعلة في رفع مستوى الفكر والوعي لدى المواطن، وأن العروض الجادة يمكن أن تسهم في بناء الإنسان وتعزيز هويته الوطنية، وهذه الرؤية تعني أن المسرح لا يتم التعامل معه باعتباره نشاطًا هامشيًا أو ترفًا ثقافيًا.. بل باعتباره أحد الملفات المرتبطة مباشرة بفكرة بناء الإنسان.
وهى رؤية تجعل السؤال عن المسرح سؤالًا عن المجتمع نفسه: ماذا نشاهد؟.. ماذا نروي؟.. أي تاريخ نقدم؟.. كيف نخاطب الشباب؟.. وأين نذهب بالفن؟
المثير في هذه الحزمة من المشروعات أنها تتحرك في اتجاهين متوازيين.. اتجاه يريد تطوير البنية المسرحية وافتتاح مسارح جديدة، واتجاه آخر يريد أن يأخذ المسرح إلى الجمهور في المحافظات والمناطق المختلفة، وبين الاثنين مشروع ثالث يريد استعادة التاريخ عبر الخشبة.
أما المسرح الجامعي فيحاول صناعة الجيل القادم من المبدعين والجمهور في الوقت نفسه، أي أننا أمام معادلة متكاملة نسبيًا: مسرح جديد + جمهور جديد + موضوعات جديدة + جيل جديد، ويبقى التحدي في التنفيذ.
والآن.. هل يستطيع المسرح استعادة عرشه؟.. (المسرح المصري) يمتلك تاريخًا ضخمًا، وأسماء كبيرة، ومدارس وتجارب تركت أثرًا عربيًا واسعًا.. لكن التاريخ وحده لا يصنع المستقبل، ولذلك فإن قيمة ما طُرح في هذا الاجتماع لن تظهر في البيانات الرسمية، وإنما على الخشبة.

حكاية تشبه السينما والحياة
عندما يفتح (مسرح مصر) أبوابه في عماد الدين.. عندما يقف طالب جامعي أمام الجمهور لأول مرة ويقدم نصًا يعبر عن جيله.. عندما يشاهد طفل في محافظة بعيدة عرضًا مسرحيًا يأتي إليه بدلًا من أن يضطر إلى السفر إليه.. وعندما يرى شاب شخصية من مصر القديمة أمامه على خشبة المسرح، فيكتشف أن التاريخ الذي كان يراه مادة دراسية يمكن أن يصبح حكاية تشبه السينما والحياة.
هنا فقط يمكن القول إن المسرح استعاد دوره، فالمطلوب ليس أن يعود المسرح إلى زمنه القديم، وإنما أن يجد زمنه الجديد، وزمنه الجديد لن تصنعه الشعارات، بل المشاريع والعروض والجمهور، ومن (مسرح مصر) إلى الجامعة، ومن الفراعنة إلى (مسرح المواجهة والتجوال)، يبدو أن هناك محاولة جادة لإعادة المسرح إلى مكان كان يعرفه جيدًا: في قلب المجتمع.. وفي قلب معركة الوعي.