رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(القيصر).. مسرحية بدأت بالبروفات وانتهت في الظل!

(القيصر).. مسرحية بدأت بالبروفات وانتهت في الظل!
فريق عمل مسرحية (القيصر)

* منذ أكثر من عام والمشروع ينتقل بين الإدارات.. فلماذا خرج من خطة الصيف بعد أن حصل على الموافقات وبدأت بروفاته؟

كتبت: سما أحمد

في المسرح المصري، لا تحتاج أحيانًا إلى ستار مسرحي حتى تبدأ الحكاية، فبعض الحكايات الحقيقية أكثر درامية من أي نص مكتوب، وبعض الملفات تصلح وحدها لأن تكون مسرحية كاملة عن البيروقراطية، والانتظار، والأسئلة التي لا تجد إجابة!.. وهكذا تبدو حكاية مسرحية (القيصر)، التي تحولت رحلتها من مشروع مسرحي بدأ خطواته الفعلية إلى ملف مفتوح من علامات الاستفهام.

توقفت البروفات الخاصة بمسرحية (القيصر)، واختفى العرض من خطة الموسم الصيفي، وفقًا لما يرويه مخرجها الناقد والمخرج المسرحي عصام سعد.. واللافت أن صاحب المشروع لم يخرج ليطلق اتهامات جزافية، بل رفع صوته مطالبًا بشيء يبدو بسيطًا جدًا في أي منظومة إدارية محترمة: (أريد أن أعرف ماذا حدث؟).

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.. من (مسرح الشباب) إلى (الساحة).. مشروع يركض خلف الإنتاج، فبحسب رواية عصام سعد، بدأت رحلة (القيصر) منذ أكثر من عام، عندما تم في البداية تكليف مسرح الشباب بإنتاج العرض، قبل أن يتم الاتفاق على نقله إلى فرقة الساحة بالبيت الفني للمسرح، نظرًا لطبيعة المشروع وحجمه الإنتاجي.

ومع تولي المخرج هشام عطوة رئاسة قطاع المسرح، جرى الاتفاق على إنتاج العرض من خلال فرقة الساحة.. وهنا لم تعد (القيصر) مجرد فكرة على الورق.. فقد بدأت البروفات بالفعل.. وتجمع حول المشروع عدد من الفنانين على رأسهم المؤلف وكاتب الأشعار(حمدي أنور)، ومن بينهم (مفيد عاشور، غادة إبراهيم، مجدي فكري، نهاد سعيد، إميل شوقي، محمد شلش)، إلى جانب مجموعة من الشباب.

أي أن المشروع، بحسب هذه الرواية، قطع بالفعل مسافة حقيقية في طريقه إلى الخشبة، لكن المسرح المصري، مثل أي مؤسسة كبيرة، لا تحكمه الرغبات وحدها، وإنما القرارات الإدارية أيضًا.. فتولى أيمن الشيوي رئاسة قطاع المسرح، وتم ترحيل عدد من الإنتاجات إلى الموسم الصيفي.. وكانت (القيصر) من بين هذه العروض.

(القيصر).. مسرحية بدأت بالبروفات وانتهت في الظل!
السؤال الأهم: لماذا بدأت إجراءات إنتاجها من الأساس إذا لم تكن هناك نية لاستكمالها؟

انتظار للموسم الجديد

فتوقف صاحب المشروع وانتظر.. لا اعتراض.. لا صدام.. لا حملة إعلامية.. فقط انتظار للموسم الجديد.. ثم جاء الموسم الصيفي.. واختفى (القيصر)!..هنا تحديدًا تصبح القصة أكثر إثارة.

مع تولي الفنان إيهاب فهمي رئاسة البيت الفني للمسرح، طُلبت خطط الموسم الصيفي من مديري الفرق.. وبحسب ما ورد في المناشدة، فوجئ عصام سعد بأن الخطة المنشورة رسميًا تضمنت عرضين من إخراج مدير فرقة الساحة، بينما غابت (القيصر) تمامًا عن الخطة.

وهنا يطرح السؤال الذي لا يمكن تجاهله: كيف اختفى مشروع بدأ إنتاجه وبروفاته، وتم ترحيله للموسم الصيفي، من الخطة دون تفسير معلن؟

السؤال ليس لماذا لم تُنتج (القيصر)؟، فهذا حق إداري يمكن مناقشته.. لكن السؤال الأهم: لماذا بدأت إجراءات إنتاجها من الأساس إذا لم تكن هناك نية لاستكمالها؟.. موافقات وبروفات وميزانية.. ثم (لا أحد يعرف)؟

القصة تصبح أكثر تعقيدًا عندما نضع التفاصيل التي يوردها صاحب المناشدة إلى جوار بعضها.. فهو يقول إن المشروع: حصل نصه على الموافقة الرقابية.. أُعدت له ميزانية على أوراق فرقة الساحة.. بدأت بروفاته بالفعل. . تعاقد أو شارك فيه عدد من الفنانين.. تم ترحيله إلى الموسم الصيفي.. توجد مراسلات بشأن الميزانية وإجراءات اعتمادها.. ثم، فجأة، لم يعد موجودًا في الخطة المنشورة.

هنا لا يصبح السؤال مجرد سؤال فني.. بل يتحول إلى سؤال إداري ومالي وتنظيمي.. ومن حق أي مبدع أن يسأل: أين ذهبت الإجراءات التي بدأت؟ ومن صاحب القرار الذي أوقفها؟ وهل كان القرار نهائيًا أم مؤقتًا؟ ولماذا لم يتم إبلاغ فريق العمل بأسباب واضحة؟

من أكثر التفاصيل التي تستحق التوقف ما كشفه عصام سعد بشأن وجود مراسلات موثقة عبر تطبيق واتساب تتعلق بميزانية (القيصر)، وبحسب روايته، تضمنت المراسلات وعدًا بإرسال الميزانية للاعتماد بعد الانتهاء من اعتماد ميزانية مسرحية (درب شكامبا).. لكن ذلك لم يحدث، وفقًا لما يؤكده.

وفي المقابل، ظهرت إنتاجات أخرى من إخراج مدير الفرقة ضمن خطة الموسم، وهنا نحن أمام منطقة شديدة الحساسية، ولذلك من المهم التعامل معها بمنتهى الدقة: وجود المراسلات لا يثبت وحده وجود مخالفة، كما أن غياب المسرحية من الخطة لا يعني تلقائيًا وجود تعمد أو فساد.

(القيصر).. مسرحية بدأت بالبروفات وانتهت في الظل!
على أي أساس؟.. ولماذا؟. وهل طبقت المعايير نفسها على جميع المشروعات؟

التحقيق بدلًا من (الواسطة)

لكن وجود هذه الوقائع مجتمعة يجعل التحقيق أمرًا منطقيًا، خصوصًا إذا كان هناك مشروع بدأ رسميًا ثم توقف دون تفسير واضح.

لماذا يطلب عصام سعد التحقيق بدلًا من (الواسطة)؟.. ربما تكون أهم نقطة في هذه القصة أن صاحب المناشدة لم يقل: (أعيدوا المسرحية فورًا).. ولم يطلب أن يحصل مشروعه على استثناء، ولم يطالب بإقصاء عرض آخر لصالحه.. بل قال بوضوح إنه يريد تحقيقًا محايدًا.. وهذا في حد ذاته يغير طبيعة القضية.

فهو لا يقول إن (القيصر) أفضل من كل ما سيتم تقديمه.. ولا يقول إن من حقه أن يفرض عرضه على المؤسسة.. بل يسأل عن معايير اتخاذ القرار.. ومن اتخذ القرار؟.. وعلى أي أساس؟.. ولماذا؟. وهل طبقت المعايير نفسها على جميع المشروعات؟

هذه أسئلة مشروعة في أي مؤسسة ثقافية تنفق من المال العام وتتعامل مع مشروعات فنية لها ميزانيات وفنانون ومواعيد وخطط إنتاج.. لكن المفارقة المؤلمة: الفنانون يدفعون ثمن القرار الإداري

هناك جانب آخر في الحكاية ربما يكون أكثر إيلامًا من مسألة العرض نفسه.. فوراء (القيصر) مجموعة من الفنانين الذين بدأوا العمل والبروفات، وربما أعاد بعضهم ترتيب التزاماته الفنية على أساس المشروع.

مفيد عاشور، غادة إبراهيم، مجدي فكري، نهاد سعيد، إميل شوقي، محمد شلش وغيرهم لم يكونوا أسماء مكتوبة في بيان صحفي، بل كانوا جزءًا من عملية فنية بدأت بالفعل.

وعندما تتوقف المشاريع المسرحية بعد البروفات، فإن الخسارة لا تكون مالية فقط.. هناك وقت ضائع.. طاقة فنية مهدرة.. حالة إبداعية تنكسر.. وممثلون يبدأون شخصية ثم يتركونها معلقة في الهواء.. وهذه واحدة من أكثر مشكلات المسرح خطورة: أن يصبح المبدع آخر من يعرف مصير مشروعه!

المفارقة أن القضية لم تعد اليوم مرتبطة فقط بمصير مسرحية واحدة، فإذا صحت الوقائع الواردة في المناشدة، فإن (القيصر) تفتح ملفًا أوسع يتعلق بآليات إنتاج العروض داخل المؤسسات المسرحية:

بطل ينتصر على خصم

كيف تختار الإدارات عروضها؟.. ما المعايير؟.. كيف يتم ترتيب الأولويات؟..كيف تتعامل المؤسسة مع مشروع بدأ بالفعل؟.. ما مصير الميزانيات التي جرى إعدادها؟. ومن يتحمل مسؤولية الوقت والجهد الذي يبذله الفنانون؟.. وهل توجد آلية واضحة لإبلاغ أصحاب المشروعات بأسباب الاستبعاد أو التأجيل؟

هذه الأسئلة أهم من (القيصر) نفسها، لأن المسرح لا يمكن أن يبني مستقبله على الغموض.. لا نريد (قيصرًا) إداريًا فوق الخشبة!.. المسرح في النهاية مكان للحوار، والمفارقة أن المؤسسة التي يفترض أن تنتج فنًا قائمًا على السؤال والمواجهة والحوار، لا ينبغي أن تسمح بأن تتحول قراراتها إلى ألغاز مغلقة أمام أصحاب المشروعات.

إذا كان هناك سبب فني أو مالي أو تنظيمي لاستبعاد (القيصر)، فليُعلن.. وإذا كانت هناك مخالفة في الإجراءات، فلتكشفها جهة التحقيق.. وإذا كان المشروع لا يتناسب مع خطة الموسم، فليُشرح السبب.

أما أن يظل مشروع بدأ منذ أكثر من عام، وحصل على موافقات، ودخل البروفات، ثم يختفي دون إجابة واضحة، فهذه هي المنطقة التي تجعل علامات الاستفهام أكبر من الخشبة نفسها.

حكاية (القيصر) لا تحتاج إلى بطل ينتصر على خصم.. ولا تحتاج إلى قرار استثنائي من أجل مخرج أو فنان.. إنها تحتاج إلى شيء أكثر بساطة: الشفافية.. إذا كانت الإجراءات سليمة، فليظهر ذلك.. وإذا كان هناك خطأ، فليُصحح.. وإذا كان هناك قرار إداري صحيح، فليُشرح.. لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث للمسرح ليس أن يتوقف عرض.

الأسوأ أن يتوقف السؤال.. وعصام سعد، وفقًا لمناشدته، لا يطلب سوى إجابة عن ثلاثة أسئلة تختصر كل الحكاية: لماذا بدأ إنتاج (القيصر) ثم توقف؟.. من اتخذ قرار استبعادها؟.. وعلى أي أساس؟

أما الإجابة، فلا ينبغي أن تكون في الكواليس. بل على الملأ.. فالستارة يمكن أن تُغلق على عرض مسرحي، لكن لا ينبغي أن تُغلق على الحقيقة.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.