

بقلم الكاتب الصحفي: محمد شمروخ
للمرة الأولى منذ سنة 1990، أي منذ إنتاج فيلم (العفاريت) يصبح (عمرو دياب) بكل ما أنجزه في تاريخه الفنى، نمرة 2، فقد كانت بطلة الفيلم الأولى، هى الجميلة الراحلة (مديحة كامل).
ومع أن (عمرو دياب) كان قد ثبت أقدامه كنجم صاعد بقوة صاروخية وقتها، وكسوبر نجم مع الأجيال التالية، إلا أن الأمر كان أمر تمثيل، فلذلك كانت الصدارة لمديحة كامل، ليقنع (عمرو دياب) بدور البطل المساعد، مكتفياً بالبطولة المطلقة لكن على مسارح الحفلات واستوديوهات التسجيل، خارج منافسات الشاشة الكبيرة التى لم يعطها دياب من وقته متفرغا لمجال نجوميته الواقعية.
(وعمرو دياب أساساً ليس له في عالم التمثيل وكل رصيده 4 أفلام كان في أحدها ضيف شرف).. فقد اختار (عمرو دياب) طريقه المناسب ليغنى كلمات تساير العصر الذي صنع نجوميته، حيث طبق على أرض الواقع الغنائي، مضمون حوار له في مشهد بفيلم (آيس كريم في جليم) مع الشاعر اليسارى نور (أشرف عبد الباقى) حيث كشف له في حجز قسم الشرطة.
أنه يريد أن يغني كلمات تعبر عن نفسه حتى لو كانت كلمات تافهة، لكنها تعبر عنه، كما أنه أماط اللثام أمام نور عازماً على أنه لا يريد أن يغني الأغاني التي بها شبهة فكر أو سياسة أو اعتراض على الواقع مثل (رصيف نمرة 5 والشارع زحام) لأنه لأنه (مش عايز يبقى بطل) مع أنه أجاد في أدائها نجاحاً ملحوظاً!
وبالفعل بدأ يغنى (عمرو دياب) في شخصية بطل الفيلم (سيف) أغانيه المعبرة عنه وعن جيله، فحقق النجومية، غير أنه صار بطلا بمعنى آخر للبطولة وبواقع مختلف بعيداً عن واقع الشارع والرصيف والناس والكوفية الفلسطينية التى لا تفارق كتفي نور الشاعر المناضل!

معبر عن جمهور عريض
ولم يكن (سيف) بطل الآيس كريم، إلا (عمرو دياب) نفسه، والذي اختار طريقه، ليس فقط كمعبر عن نفسه، بل كمعبر عن جمهور عريض كان قد سبق (عمرو دياب) إلى هذا الاختيار.
ليس مهماً أن يكون كلام الأغاني بسيطًا أو تافهًا، المهم أن يعبر عن هذا الجمهور ولو اضطر إلى أن يغير واقعه بالإصرار على صناعة واقع آخر، يوازى الواقع الحقيقي. (تماما كما يفعل مدمنو ألبومات الأغاني الجديدة والموبايلات والمواقع الإلكترونية أو حتى مدمنو المخدرات) يصنعون وحدهم واقعا لهم، ولن يمر عليهم وقت طويل حتى يصبح واقعهم هو القاعدة! بينما يصبح الواقع الحقيقي هو واقع الأشباح البعيد الذي ذاب وهرب وتاه في زحام رصيف نمرة (5)!.. فما أيسر أن نطلق اسم الواقع ونصم به أي سلوك أو ثقافة أو اتجاه ونجعل ما يخالفه هو البعيد عن الواقع!
ولم يكتف (عمرو دياب) نجم الجيل، بالكلمات البسيطة التافهة، فلا يمكن أن يغنيها مطرب مع لحن موسيقي، إلا أن يكون على نفس درجتها، ثم ما لبث أن جاء الرقص ليكمل مثلث الواقع الجديد المعتز بتفاهته التى اختارهها وفرضها على الواقع السابق.
(ارقص وغني وتجاهل كل العالم وحط سماعات في ودانك) لتنفصل تماماً عن كل ما حولك لتستمتع بحياتك وواقعك وشبابك وحدك.
هكذا صار (عمرو دياب) الهضبة رمزاً يعتصم به الجيل المعاصر له مع ما تلاه من أجيال، حتى لما أمعنت الأغنية المصرية في مثلث التفاهة (السابق الإشارة إليه) وفرضته كواقع جديد وفتحت أبوابها لأسماء لمطربيين واقعيين آخرين، لم تنس الفضل لعمرو كأحد رواد هذا الواقع، ولابد أن يدين الكل بفضله.
كل من غنوا ومن رقصوا بعده، تماماً كما سبق أن دانت الأغاني العالمية الحديثة للمطرب الأمريكي ألفيس بيرسلى والذي فرض واقعاً جديداً بنقطة تحول تاريخية في الأداء الغنائي الراقص على أنغام جيتاره عندما غنى أغنية (توتي فروتي)، والتى كان قد غناها مغنى (ليتل ريتشارد) الروك اند رول في سنة 1955.
لكن بريسلي غناها بعد سنة من ذلك التاريخ في حفل علنى مذاع، متوشحاً جيتاره وهو يرقص بطريقة مبتكرة جعلت مصور الحفل يبتعد عن حركات صدره ووسطه ومؤخرته في الرقص، بسبب الميوعة الفاضحة، لكن ألفيس أسس بأدائه الحديث مدرسة جديدة سيطرت على الموسيقى والغناء حتى صارت هى القاعدة حتى يوم الناس هذا!.

الاحتفاظ بنجومية (ميجاستارية)
حقا كثير من المطربين الشباب رقصوا قبل (عمرو دياب) ، لكنه في عهد الفيديو كليب، تمكن من السيطرة، خاصة أنه كان ينتقى جيداً موديلات الفرق الراقصة في كليباته، فقد أدرك عمرو دياب ومن ساهموا في بريق نجوميته، أن النجاح في الغناء والاحتفاظ بنجومية (ميجاستارية) مع الاحتفاظ بقمتها صد الطامعين، لن يعتمد فقط على إمكانيات الصوت ولا الأداء ولا الموسيقى.
فقد صار الصوت واللحن؛ بفعل تغير جبار لا يُعْلَم مصدره؛ من أواخر عوامل النجاح، لاسيما في عالم الفن الغنائي، ففي حفلات (عمرو دياب) الذي صار الهضبة التى نقصدها جماهير اللون الجديد، متْحِدين تحت لواءه، متَحَدين الزمن نفسه، فظل دياب الميجا ستار في مسرح الغناء ونمرة واحد في كل مشهد يظهر فيه، منذ أن ودع دور النجم الثاني الذي لعبه لمرة واحدة مع (العفاريت).. وربما كان البطل الثالث بعد (الكتعة)!
والملفت في الأمر الجلل، هو أن الذي فعل ذلك هو (عمرو دياب) بنفسه ولنفسه، عندما قدم الموديل التى شاركته الرقص في حفله الأخير، بالساحل الشمالي، لم يكد أحد يلتفت إليه وهو (بيتنطط جنبها) فكانت وحدها لتصبح في بؤرة الحدث، وشغل ذكرها الأحاديث، ولو إلى حين قصير، لكن مع من؟!.. مع الهضبة ذات نفسه بغنوته ولحنه وبشحمه ولحمه وبصبغة شعره!.
ربما أراد الهضبة بهذه المغامرة العجيبة، بتقديم الفتاة الراقصة بجواره، أن يكافئ من خلالها، جماهيره التى منحته تلك النجومية باختيارها من ببنهم لأنها تحمل كل مواصفات جمهور عشاق عمرو، وإنها لأفضل من يمثلهم.. في الشكل والمضمون!
فكان هذا التنازل الإرادي المؤقت لتاج المملكة وصولجان الملك مع تنحية عرش الغناء جانباً لعدة ثواني فوق المسرح، غير أن كل ذلك، كان بيد عمرو لا بيد غيره!