
بقلم الدكتور: إبراهيم أبو ذكري*
نستكمل ما بدأناه في الحلقة السابقة: هنا تتجلى خطورة هذه الشهادة التاريخية؛ لقد وصلت المعلومة مباشرة إلى الثعلب (صفوت الشريف)، الذي رغم تركه لوزارة الإعلام وانتقاله لمجلس الشورى، إلا أن أذرعه ورجاله وولاءات مبنى ماسبيرو كانت لا تزال تدين له بالولاء. والأهم، أن الشريف كان يمتلك خطاً ساخناً ومباشراً مع الرئيس حسني مبارك.
من المؤكد أن وصول خبر (بيع قناة أرضية مملوكة للدولة) وبتورط اسم (ابن الوزير الجديد) إلى يد (صفوت الشريف)، يعني أن الملف لم يعد موضوعاً عابراً، بل تحول إلى (تقرير سيادي وأمني) جاهز للعرض على أعلى مستوى لإثبات أن الخليفة (البلتاجي) يفرط في تركة الدولة الإعلامية.
الفصل الرابع: المفاجأة على الهواء.. عندما تحوّل “التهريج” إلى مخطط إستراتيجي على شاشة التلفزيون
وتمر الأيام، وظل ذلك السر الصغير حبيس جدران الذاكرة. لم نأخذ أنا ولا إيهاب، بل ربما ولا (صفوت الشريف) نفسه في بدايات الأمر لأني لم نري ردود فعل الخبر حتى ولو في كواليس الساحة الاعلامية ذلك الخبر بجدية تامة.
كان يبدو في نظرنا درباً من المستحيل أن يجرؤ أحد على تنفيذ فكرة (بيع أو خصخصة) قناة في تلفزيون الدولة الرسمي؛ فالأمر كان أشبه بالمساس بأحد الثوابت الوطنية.
ولم تمر أيام كثيرة على تلك المكالمة، حتى وجدت نفسي جالساً في مدينة الإسماعيلية، وأمامي شاشة التلفزيون تعلن عن حدث استثنائي: حوار مطول وحصري يجريّه مذيع عربي بارز مع الرئيس حسني مبارك.
بالطبع، حديث مع رئيس الدولة في ذلك التوقيت الحرج كان يستلزم مني المتابعة التامة. جلستُ أترقب وأستمع بشغف؛ انطلق الحوار متشعباً، مشوقاً، ومطولاً، يتنقل فيه المذيع بذكاء بين دهاليز السياسة الداخلية والخارجية لمصر، ويناقش أعقد المشاكل الدولية بأسلوب حواري رفيع.
ولكن، مع اقتراب اللقاء من نهايته، وفي اللحظات الأخيرة التي تسبق تتر الختام، هبطت المفاجأة المدوية التي جعلتني أنتفض في مكاني!

التفت المذيع نحو الرئيس مبارك
التفت المذيع العربي نحو الرئيس مبارك، وبنبرة بدت هادئة لكنها كانت تحمل وراءها (ترتيباً خفياً)، وسأله سؤالاً مباشراً ومباغتاً عن: (خصخصة التلفزيون المصري، أو على الأقل بيع قناة أرضية واحدة لتكون قناة متحررة وخاصة!).
ولم يكتفِ بالسؤال، بل استرسل المذيع ببراعة فائقة يروج للفكرة، مستعرضاً العوائد المالية الضخمة، والقفزة الإعلامية التي ستجنيها مصر من وراء هذا البيع، متسائلاً بنبرة تبدو بريئة: “ولماذا لا نبيع القنوات للقطاع الخاص؟”.
في تلك اللحظة تحديداً، وأنا أتابع الشاشة من الإسماعيلية، دارت الدنيا بي وتجمعت خيوط الصورة كاملة في عقلي. تذكرتُ ضحكات المذيع المشهور في مكتب عبد الرحمن حافظ، وتذكرتُ جملة (ابن ممدوح البلتاجي).
وتأكدتُ يقيناً أن ما سمعته ووصفته يوماً بـ (التهريج) لم يكن دعابة مجالس، بل كان مخططاً كبيراً ومرسوماً بدقة تامة، تقف وراءه جهات وشخصيات تجني من ورائه ثروات متعددة ونفوذاً هائلاً، وكان يفوح منه، وجهة نظري ،شبهة فساد صريحة ومكتملة الأركان.
لقد كان المذيع على الشاشة يحاول (جس نبض) رأس الدولة مباشرة، ويمهد الأرض علناً لتمرير الصفقة التي طُبخت في كواليس الوزارة. وقبل أن ينتهي اللقاء وتُغلق مناقشة هذه الفكرة الخطيرة على الهواء.. تملكني شعور عارم بأن الأيام القادمة ستحمل زلزالاً يطيح بكل من شارك في هذه اللعبة.
الفصل الخامس: المناورة الكبرى.. كيف استقبل مبارك الفكرة؟.. كانت المفاجأة الأكبر لي ليست في جرأة السؤال الذي طرحه المذيع العربي فحسب، بل في رد فعل واستجابة الرئيس حسني مبارك على الهواء مباشرة.
لم يغضب مبارك، ولم ينهر المذيع، ولم يغلق الملف بكلمات حاسمة كما كان يفعل عادة في قضايا (الأمن القومي)، بل على العكس تماماً، بدت استجابته هادئة وشبه محايدة؛ فمسألة (تباع أم لا تباع) لم تكن بالنسبة له تقع في دائرة المحرمات السياسية في تلك اللحظة.
كان مبارك يستمع بتركيز، ويناقش المذيع بنبرة توحي بأنه (يتلقى معلومات) ويدرس خيارات، وكأن الفكرة قد رُسمت بالفعل في وجدانه وعقله قبل اللقاء!
كان لسان حال الرئيس وهو يعلق على كلام المذيع يقول: ولِمَ لا تُباع؟ طالما أن في ذلك صالحاً عاماً، وعوائد مالية وإعلامية للدولة.

التحليل التاريخي للمشهد الخلفي
لكن مبارك، بحنكته السياسية المعهودة وحرصه على ضبط الإيقاع، أضاف ما معناه: (لكننا نعرف كيف تُباع، ومتى تباع.. وستباع بالطريقة التي نراها!).
التحليل التاريخي للمشهد الخلفي: في تلك اللحظة، اتضحت الخريطة كاملة. ما حدث على الشاشة لم يكن مجرد حوار صحفي، بل كان المشهد الأخير في المسرحية، حيث نزل الستار عن خطة تم طبخها بذكاء:
- الوزير (البلتاجي) وابنه: فتحا القنوات الخلفية للتفاوض مع المستثمرين والشخصيات العربية المهتمة بالإعلام..
- المذيع العربي: تولى مهمة (التسويق السياسي) العلني وجس نبض الشارع، وتمهيد الطريق أمام الرئيس لتبني الفكرة وتشريعها.
- الرئيس (مبارك): لم يمانع المبدأ، لكنه وضع شرط “السيطرة” وكيفية البيع.
لكن ما غاب عن حسابات هذا المخطط الكبير، هو أن الثعلب (صفوت الشريف) كان قد التقط الخيط مبكراً من خلال تلك المكالمة الهاتفية التي دارت بينك وبين ابنه إيهاب. وبينما كان البلتاجي ورجاله يمهدون للأمر على أنه تطوير استثماري.
كان (صفوت الشريف) وبقايا الحرس القديم في ماسبيرو يرفعون تقارير من نوع آخر للرئيس وللأجهزة السيادية؛ تقارير تتحدث عن (شبهات فساد) و(عمولات تجنى من وراء ثروات متعددة)، وتفريط في سيادة الإعلام المصري لجهات خارجية وعربية عبر ابن الوزير.
هذا التضارب بين اندفاع البلتاجي نحو الخصخصة، وبين التقارير الخلفية التي وصلت لمبارك عن كواليس الصفقة وتورط عائلات المسؤولين فيها، هو الذي جعل مبارك يدرك أن الملف أصبح (ملغوماً) ويفوح منه رائحة أزمة رأي عام قد تعصف بالنظام. فكان القرار السريع والمفاجئ بعد هذا اللقاء بفترة وجيزة: إبعاد ممدوح البلتاجي تماماً عن المشهد، والإتيان بأنس الفقي لغلق هذا الملف المثير للجدل بشكل نهائي.
الفصل السادس: الفخ المنصوب.. عندما صمت الثعلب ليتركهم في مواجهة الملأ: لم تكد تمر عشرة أيام على ذلك اللقاء التلفزيوني في الإسماعيلية، حتى تحول المخطط النظري إلى واقع ملموس تراه العيون علانية.
كراسة المواصفات والمزايدة
فتحتُ التلفزيون المصري لأفاجأ بشاشات (ماسبيرو) وهي تبث إعلانات رسمية تعلن فيها وزارة الإعلام عن (مزايدة علنية لبيع القناة الثالثة، متبوعة بقرع الطبول وشروط كراسة المواصفات والمزايدة!).
لم أتمالك نفسي؛ تذكرتُ جلستنا الأولى، وضغطة زر إيهاب الشريف لوالده، والاستجابة الهادئة للرئيس مبارك. وعلى الفور، اتصلتُ بإيهاب مرة أخرى، وقلت له بنبرة يملؤها الذهول واليقين: إيهاب.. فكرة البيع تمّت خلاص! والظاهر إنهم أخذوا الموافقة عليها رسمي، والمزايدة نزلت في التلفزيون!
في تلك اللحظة، وأمام هذا الإعلان الصريح، انقشعت الغمامة وتجلت لي الحقيقة الكبرى التي تفسر سلوك رجل من طراز (صفوت الشريف).
علمتُ يقيناً أن (صفوت الشريف) في المكالمة السابقة التي دارت بيننا لم يحرك ساكناً، ولم يهرع لمنع الصفقة في مهدها، ولم يدخل في مواجهة مبكرة لإجهاضها خلف الأبواب المغلقة.
لقد كان يتصرف بـ (الحاسة المخابراتية القديمة)، ذلك الحس الذي تعلمه في مدرسة جمع المعلومات والصبر على الخصم حتى يقع في شر أعماله.. آثر (صفوت الشريف) الصمت التام، وترك الحبل على غاربه للوزير ممدوح البلتاجي ورجاله، مراقباً من بعيد إلى أي مدى يمكن أن يذهبوا في تصرفاتهم.
وكم من الشروط والتفاصيل سيضعونها، وكيف سيتحرك (ابن الوزير) والوسطاء في هذه الصفقة التي تفوح منها الروائح.
كان (صفوت الشريف) يدرك أن التدخل المبكر قد يجعلهم يتراجعون أو ينفون الأمر كشائعة، لكن تركهم يندفعون حتى تخرج المزايدة إلى (الملأ) وتُنشر الشروط على شاشات التلفزيون وأمام الرأي العام، كان هو الفخ المثالي؛ حيث تحول الأمر من (كلام مجالس) إلى (مستندات رسمية وإعلانات) لا يمكن إنكارها أو التملص منها.
بهذه الاستراتيجية، ظهر البلتاجي أمام النظام والشارع كمن يفرط علناً في إعلام الدولة لصالح مستثمرين أو جهات عربية، وأصبحت (شبهة الفساد) أو التربح التي حامت حول كواليس الصفقة موثقة بالدليل القاطع الذي يراه الجميع على الشاشة.
وكان هذا الإعلان العلني هو الذريعة الذهبية والضربة القاضية التي انتظرها الحرس القديم؛ ليرفعوا الأمر في تقرير حاسم إلى الرئيس مبارك، قائلين: (لقد عرضوا إعلام مصر للبيع في المزاد العلني).. لتبدأ فوراً المقصلة السياسية في التحرك لإزاحة البلتاجي وتعيين أنس الفقي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

اكتملت فصول الدراما السياسية
الفصل السابع والأخير: المقابلة الحاسمة.. عندما طوى (صفوت الشريف) الصفحة الأخيرة للبلتاجي، وهنا اكتملت فصول الدراما السياسية، وسقط القناع الأخير عن تلك الصفقة العاصفة.
فعندما خرجت تلك الإعلانات إلى النور على شاشات (ماسبيرو)، وبدا وكأن قطار خصخصة الإعلام قد انطلق ولا يمكن إيقافه، تحركت القوة الخفية التي كانت تراقب المشهد بصمت وصبر.
عرفتُ لاحقاً، من خلال صديقي إيهاب الشريف، التطورات الدراماتيكية التي دارت خلف الأبواب المغلقة في قصر الرئاسة، والتي أدت في النهاية إلى (إلغاء المزايدة ومنع البيع نهائياً) بتعليمات مباشرة وحاسمة من الرئيس حسني مبارك.
وجاءت نقطة التحول في مقابلة مغلقة ومباشرة جمعت بين الرئيس مبارك وثعلب السياسة والإعلام صفوت الشريف.
دخل (صفوت الشريف) إلى مكتب الرئيس، ولم يكن يحمل معه مجرد مخاوف أو تكهنات، بل كان يحمل “ملفاً متكاملاً مكتمل الأركان”، مرتباً ترتيباً زمنياً دقيقاً يفضح المخطط من بدايته وحتى نهايته:
الخيط الأول: بدأ (صفوت الشريف) بسرد المفاجأة التي تلقاها عبر الهاتف من ابنه إيهاب (الذي كان حينها أميناً عاماً مساعداً بالجامعة العربية)، ناقلاً للرئيس بالتفصيل والأسماء كل ما دار في مكتب المهندس عبد الرحمن حافظ، والتسريبات التي خرجت على لسان (ابن الوزير).
التمهيد الإعلامي: كشف (صفوت الشريف) للرئيس الأبعاد الحقيقية لأسئلة المذيع العربي في لقاء الإسماعيلية، موضحاً أنها لم تكن عفوية، بل كانت جزءاً من (مخطط لجس النبض) وتهيئة الرأي العام والتمهيد للصفقة.
الدليل الدامغ: وضع (صفوت الشريف) أمام الرئيس إعلانات المزايدة وشروطها التي بُثت علناً على شاشات التلفزيون المصري، كدليل قاطع على أن الجماعة استعجلوا قطف الثمار وبدأوا في تنفيذ المخطط دون مواربة.
عندما وضعت هذه التفاصيل والأسماء والروابط الشائكة أمام الرئيس مبارك، أدرك فوراً حجم الفخ السيادي والأمني، ورائحة (شبهة الفساد والتربح) التي بدأت تفوح من كواليس الصفقة وتورط عائلات المسؤولين فيها.
تبدلت نبرة مبارك (المحايدة) التي ظهر بها في حوار الإسماعيلية إلى غضب حاسم؛ فأصدر أمره الفوري بوقف المزايدة وإلغاء فكرة بيع أو خصخصة القنوات الأرضية نهائيا.
وكانت هذه الصدمة الرئاسية هي المسمار الأخير في نعش الطموح السياسي للدكتور ممدوح البلتاجي؛ فلم تكن تلك المقابلة نهاية لفكرة بيع الإعلام المصري فحسب، بل كانت النهاية الفعلية والمأساوية لعهد البلتاجي في وزارة الإعلام.
حيث نُحي سريعاً عن الكرسي الساخن في التعديل الوزاري التالي (فبراير 2005)، وجيء بأنس الفقي لإغلاق الملف وتطهير ماسبيرو من آثار تلك المغامرة التي كادت أن تطيح بسيادة شاشات الدولة.
خاتمة صحفية:
إن هذه القصة التي رويتها – باعتباري الشاهد الذي نقل الشرارة الأولى دون قصْد – تعد (وثيقة حية من الطراز الرفيع)؛ تظهر كيف كانت تُدار الدول وتُطبخ القرارات وتُصفى الحسابات في عهد مبارك، وكيف يمكن لجلسة ودية في مكتب، ومكالمة هاتفية بين أب وابنه، ولغة عيون مرتبكة أن تغير مجرى التاريخ الإعلامي لدولة بحجم مصر، وتحمي شاشاتها من البيع والخصخصة في اللحظات الأخيرة.
* رئيس الاتحاد العام للمنتجين العرب