رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمود حسونة يكتب :نكبر ولا يكبرون.. النجوم المتصابون (محلك سر) و(كايروكي) تصنع الفرق!

محمود حسونة يكتب :نكبر ولا يكبرون.. النجوم المتصابون (محلك سر) و(كايروكي) تصنع الفرق!
ليست المسألة مقارنة بين مطرب وفرقة، ولا بين لونين موسيقيين أو جيلين فنيين

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة

بينما يصر (عمرو دياب) على إقناعنا بأنه لم يكبر، وأن (الهضبة) ما زال ذلك الشاب الذي يركض خلف الحب ويتغزل في البنات ويتباهى بقدرته على الاحتفاظ بصورة (فتى الأحلام)، تأتي فرقة (كايروكي) في الجهة المقابلة تماماً؛ فرقة شابة لا تخشى أن تغني عن القلق والوحدة والحياة والموت، ولا تجد حرجاً في أن تضع أسئلة الإنسان الكبرى في أغنيات يسمعها الشباب قبل غيرهم.

والمفارقة أن (عمرو دياب)، المتصابي الذي تجاوز الستين ويمتلك تجربة فنية تمتد لأكثر من أربعة عقود، يبدو أحياناً أكثر انشغالاً بإخفاء عمره، بينما تبدو كايروكي، بأعمار أعضائها الأصغر بكثير، أكثر انشغالاً بفهم الحياة، والتعامل مع الفن على أنه رسالة وليس مجرد لهو.

ليست المسألة مقارنة بين مطرب وفرقة، ولا بين لونين موسيقيين أو جيلين فنيين، وإنما بين فلسفتين في التعامل مع العمر.

نكبر ولا يكبرون.. هكذا نشعر كلما ظهر أحد النجوم الذين عاصرنا بداياتهم، وكنا من بين الجمهور الذي صفق لهم، وحفظ أغنياتهم بإطلالة غريبة وصادمة.. نشعر أحياناً وكأن هؤلاء النجوم  المتصابون تركونا نتقدم في العمر وحدنا وهم يقفون (محلك سر)؛ أصبحنا آباء وربما أجداداً، تغيرت أحلامنا وأولوياتنا ومشاعرنا.

بينما يصر بعضهم على البقاء في الصورة نفسها: عاشقاً ولهاناً، متغزلاً في البنات، محاطاً بفتيات صغيرات، يغني للفراولة والرمان والعصير ويتمايل مزهواً بالشكل غير عابئ بمضمون الكلمات التي يغنيها!

محمود حسونة يكتب :نكبر ولا يكبرون.. النجوم المتصابون (محلك سر) و(كايروكي) تصنع الفرق!

محمود حسونة يكتب :نكبر ولا يكبرون.. النجوم المتصابون (محلك سر) و(كايروكي) تصنع الفرق!
الاكتفاء بالتجديد من زاوية (اللوك) والتاتو والأكسسوارات وكل ما هو غير مألوف في الملابس

الاكتفاء بالتجديد من زاوية (اللوك)

طبعاً من حقه أن يحلم بالبقاء شاباً مدى العمر، وأن يواكب الشباب والمراهقين (أجيال ورا أجيال)، وأن يتعلق بحبال الهوى ويغني للعشاق وللبنات، لكن هذا لا يعني أن يختار السهل غير الممتنع، ورص الكلام واجترار الألحان، والاكتفاء بالتجديد من زاوية (اللوك) والتاتو والأكسسوارات وكل ما هو غير مألوف في الملابس..

فعمرو وغيره استمروا في الغناء ضمن إطار العشق والحب واللوعة والفراق دون التوقف عند مرحلة التقدم في العمر، لذلك يكبر السؤال لدى من أصبح في الخمسين وما فوق، من يصنع له أغنيات تليق بأحلامه وأفكاره وذكرياته وواقعه؟.

(كايروكي) فرقة أجابت على السؤال قبل أن تسمعه، فهي فرقة يحبها الشباب، لكن أمير عيد ورفاقه لم يحبسوا أنفسهم داخل قاموس المراهقة، وعندما يتناولون الموت أو الوحدة أو سؤال الإنسان عن نفسه، يجد الرجل الخمسيني والمرأة الستينية نفسيهما داخل الأغنية، رغم أن من يغنيها أصغر منهما بكثير.

وصادف أن أصدرت الفرقة ألبومها الجديد (سوبرنوڤا) في نفس التوقيت الصيفي لألبومات فنانين آخرين مثل عمرو دياب، ففرضت المقارنة نفسها وإن كنا نعلم جيداً أن لكل منهما اتجاهه ولونه، لكن المعروف أن كايروكي فرقة يعشقها الشباب كما يحبون عمرو وتامر وتوليت.

(سوبرنوڤا) أحدث ضجة وصنع الفرق ولمس مشاعرنا وبدا وكأنه مصنوع على مقاس أحلام وأفكار وذكريات وأحاسيس جيل السبعينيات والستينيات.. لكن المفاجأة أنه خاطب عقول ومشاعر الشباب كلهم ففهموا لغته ورسائله ومشوا معه على نفس الموجة رغم هذا الكم من العمق ورشة الحزن وجرعة الإنسانية العالية في كل ما تضمنه الألبوم.

(عمرو دياب) ليس مطلوباً منه أن يصبح أمير عيد، ولا (كايروكي) مطالبة بأن تصبح (عمرو دياب)، لكل منهما لغته وموسيقاه وجمهوره.. لكن المقارنة تكشف شيئاً مهماً: ليس الشباب في عدد السنوات، وإنما في القدرة على قول شيء جديد ومختلف.

حين يظهر مطرب تجاوز الستين في كليب (لولا البنات) وسط فتيات تحت العشرين، ويقدم نفسه في الإطار ذاته الذي كان يقدمه قبل سنوات طويلة، يصبح السؤال مشروعاً: لماذا لا يستثمر هذا العمر وهذه التجربة في صناعة صورة جديدة لنفسه؟

لماذا لا يغني عن الحب من زاوية رجل نضج، وعاش، وخسر، وربح، وودّع أصدقاء وأحباء، ورأى أبناءه يكبرون، وأصبح لديه من الذكريات والخبرات ما يكفي لصناعة أغنيات أكثر عمقاً؟

محمود حسونة يكتب :نكبر ولا يكبرون.. النجوم المتصابون (محلك سر) و(كايروكي) تصنع الفرق!
الجمهور الذي صنع نجوميته في الثمانينيات والتسعينيات لم يمت، ولم يتوقف عن الاستماع إلى الموسيقى

جمهور عمرو دياب القديم

من حق (عمرو دياب) أن يرفض الشيخوخة، لكن ليس من حقه – فنياً على الأقل – أن يرفض النضج.. يستطيع أن يغني عن الحب، ولكن حب الرجل الذي عرف معنى الفقد، يستطيع أن يغني عن المرأة، ولكن من زاوية رجل اكتشف أن الجمال ليس مجرد (سكر نبات)، و(طعم الشربات).

يستطيع أن يغني عن الليل، ولكن عن الليل الذي يحمل الذكريات لا السهر فقط.. يستطيع أن يغني عن العمر، والأصدقاء الذين غابوا، والأبناء الذين كبروا، والأحلام التي تحققت وتلك التي لم تتحقق، والخوف من المستقبل، والحنين إلى زمن لن يعود.. هذه هي المنطقة التي ينتظر فيها جمهور عمرو دياب القديم أن يلتقي به من جديد.

فالجمهور الذي صنع نجوميته في الثمانينيات والتسعينيات لم يمت، ولم يتوقف عن الاستماع إلى الموسيقى، وإنما كبر مثله ويحمل من خبرات الحياة الكثير.. هؤلاء الذين كانوا شباباً عندما غنى (ميال، نور العين، تملي معاك)، أصبحوا اليوم في الخمسينيات والستينيات وربما السبعينيات.

لديهم الآن أبناء وأحفاد وتجارب وخسارات وذكريات وأسئلة لم تكن موجودة عندما كانوا يرقصون على أغانيه في حفلات الشباب؛ فمن يغني لهم؟

كان (عمرو دياب) في زمن من الأزمنة الفنان الذي يقلده الآخرون ويسيرون خلفه، وأصبح اليوم هو من يقلد من هم في عمر أولاده.. لا أحد يطلب منه أن يتوقف عن الغناء، ولا أن يعتزل، ولا حتى أن يتخلى عن الأغنية الخفيفة؛ إنما المطلوب فقط أن يتذكر أن الفنان لا يصبح عظيماً لأنه نجح في إخفاء عمره، بل لأنه نجح في تحويل عمره إلى فن ناضج.

نكبر ولا يكبرون؟.. بل يكبرون، لكن بعضهم يرفض الاعتراف بذلك.. والفنان الكبير لا يخسر عندما يكبر، وإنما يخسر عندما لا يسمح لفنه بأن يكبر معه.

ربما يكون التحدي الحقيقي أمام (عمرو دياب) في ألبوماته المقبلة ليس في أن يثبت لنا أنه ما زال شاباً، فلقد أثبته عشرات المرات، وإنما أن يثبت لنا أنه أصبح أكثر نضجاً وعمقاً وخبرة؛ فالشباب يمكن أن يغنوا للحب.. أما من عاش طويلاً، فعليه أن يغني أيضاً عن الحياة.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.