رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

د. محمد الطربيلي يكتب: حين يصبح (الصخب) فنًّا.. والساحل مرآة لوجع المجتمع

د. محمد الطربيلي يكتب: حين يصبح (الصخب) فنًّا.. والساحل مرآة لوجع المجتمع

د. محمد الطربيلي يكتب: حين يصبح (الصخب) فنًّا.. والساحل مرآة لوجع المجتمع
في بعض حفلات الساحل، يبدو الأمر وكأننا أمام سباق محموم: من الأكثر إثارة؟ من الأكثر جرأة؟
د. محمد الطربيلي يكتب: حين يصبح (الصخب) فنًّا.. والساحل مرآة لوجع المجتمع
د. محمد الطربيلي

بقلم الدكتور: محمد الطربيلي

هناك شيء ما يحدث في الساحل الشمالي يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا، لا باعتباره مجرد حفلات صيفية عابرة، ولا باعتباره (حرية شخصية) تنتهي بانتهاء السهرة، على جناح (الصخب)، وإنما باعتباره مشهدًا كاشفًا لحالة أعمق أصابت ذوقنا العام، وغيّرت تعريفنا للفن، وأربكت البوصلة بين الحرية والانفلات، وبين الترفيه والإسفاف.

المشكلة ليست في أن يغني الناس أو يفرحوا أو يستمتعوا بوقتهم؛ فالفن الحقيقي فرح، والموسيقى لغة إنسانية عظيمة، والغناء جزء أصيل من تاريخ مصر، بعيدا عن (الصخب)، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أي فن هذا الذي نحتفل به؟ وأي فرح هذا الذي يحتاج إلى كل هذا الضجيج والاستعراض حتى نشعر أننا سعداء؟

في بعض حفلات الساحل، يبدو الأمر وكأننا أمام سباق محموم: من الأكثر إثارة؟ من الأكثر جرأة؟ من يستطيع أن يحطم حاجزًا جديدًا من المألوف؟ ومن يستطيع أن يحول الحفل إلى (ترند) تتناقله مواقع التواصل؟

محمد رمضان وأحمد سعد وشيرين عبد الوهاب وغيرهم أصبحوا جزءًا من مشهد فني وجماهيري واسع على إيقاع (الصخب)، مع اختلاف التجارب والأشكال الفنية لكل واحد منهم. وليس المقصود محاكمة فنان بعينه، وإنما السؤال عن المنظومة كلها: ماذا نقدم للجمهور؟ وماذا يريد الجمهور أن يرى؟ ومن الذي يقود الآخر؟

محمد رمضان، مثلًا، نجح في صناعة حالة جماهيرية تعتمد بدرجة كبيرة على الصورة والاستعراض والحضور الطاغي، بينما أصبحت حفلات أحمد سعد حديثًا متكررًا بسبب أجوائها الاستعراضية، وتظل شيرين واحدة من الأصوات المصرية الكبيرة التي تمتلك تاريخًا فنيًا وجمهورًا واسعًا.

لكننا أمام سؤال أكبر من أسماء الفنانين: هل أصبح نجاح الحفل يقاس بعدد المشاهدات والترند، أم بقيمة ما يقدمه؟.. وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.

د. محمد الطربيلي يكتب: حين يصبح (الصخب) فنًّا.. والساحل مرآة لوجع المجتمع

د. محمد الطربيلي يكتب: حين يصبح (الصخب) فنًّا.. والساحل مرآة لوجع المجتمع
لم يعد المهم أن تسمع صوتًا جميلًا أو كلمات محترمة أو لحنًا يعيش في الوجدان

مستهلك للضجة و(الصخب)

فقد تحول بعض الجمهور من متلقٍ للفن إلى مستهلك للضجة و(الصخب)، لم يعد المهم أن تسمع صوتًا جميلًا أو كلمات محترمة أو لحنًا يعيش في الوجدان، بل أصبح المهم أن تصور نفسك وسط الزحام، وأن تظهر على الشاشة، وأن تقول للناس: (أنا كنت هناك).

وكأننا نعيش عصرًا أصبح فيه الترند أهم من الموهبة، والاستعراض أهم من الإبداع، والضجة و (الصخب) أهم من القيمة.. والأخطر من ذلك كله هو جنون أسعار التذاكر.. كيف يشعر أب محدود الدخل عندما يرى تذكرة حفلة بمبالغ تقترب من دخل شهور وربما سنوات لبعض الأسر؟

كيف يشعر شاب يقف أمام ارتفاع أسعار الطعام والمواصلات والإيجارات، ويحاول أن يدبر احتياجاته الأساسية، ثم يرى أرقامًا فلكية تُدفع في ليلة واحدة من أجل حفلة؟.. لا أحد يعترض على أن هناك حفلات خاصة لها جمهورها، أو أن الفنان من حقه أن يحدد أجره، أو أن منظمي الحفلات من حقهم تحقيق أرباح.

لكن القضية الأخلاقية والاجتماعية تبدأ عندما يتحول البذخ إلى استعراض مستفز أمام مجتمع يعاني فيه ملايين الناس من مجرد تدبير لقمة العيش.

المشكلة ليست أن هناك أغنياء ينفقون أموالهم، وإنما أن يتحول هذا الإنفاق إلى مادة للتفاخر وإشعار البسطاء بأنهم يعيشون في عالم آخر لا مكان لهم فيه.

يا سادة: هناك أم تحسب ثمن كيلو اللحمة قبل أن تشتريه، وهناك أب يؤجل شراء ملابس جديدة لابنه لأن راتبه بالكاد يكفي، وهناك شاب يذهب إلى عمله كل صباح، يكافح من أجل بضع مئات إضافية في نهاية الشهر، وفي الجهة الأخرى، هناك من يدفع عشرات الآلاف في ليلة واحدة كي يقف أمام مطرب أو مطربة، ثم ينشر صورته وكأنه حقق إنجازًا تاريخيًا!

المشكلة ليست في الحفلة… المشكلة في الفجوة التي أصبحت الحفلة تكشفها.. فمصر التي عرفت أم كلثوم وعبد الحليم وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب، لم تكن تعرف أن الفن يحتاج إلى كل هذا الصخب حتى يثبت وجوده.

كان الفنان يقف أمام الجمهور بصوته وموهبته، فتسكت القلوب قبل أن تصمت مكبرات الصوت.. كان الفن يرتقي بالذوق، لا يركض خلف الغرائز، وكان المطرب يخشى أن تسقط كلمة من أغنيته فيبتعد عنها الجمهور، لا أن يصبح كسر التابوهات هو الطريق الأسرع إلى الشهرة.

د. محمد الطربيلي يكتب: حين يصبح (الصخب) فنًّا.. والساحل مرآة لوجع المجتمع

د. محمد الطربيلي يكتب: حين يصبح (الصخب) فنًّا.. والساحل مرآة لوجع المجتمع
يبحث الجميع عن أكثر الأشياء قدرة على إشعال مواقع التواصل، حتى لو كانت فارغة من القيمة

إشعال مواقع التواصل

والجمهور أيضًا مسؤول.. نعم، الجمهور مسؤول.. لأن الفنان لا يستطيع أن يقدم ما لا يجد من يصفق له، والسوق لا ينتج إلا ما يجد عليه طلبًا.. فإذا أصبح الابتذال مطلوبًا، سيجد من يقدمه.. وإذا أصبح الاستعراض مطلوبًا، سيصبح الاستعراض صناعة.. وإذا أصبح الترند هو معيار النجاح، فسوف يبحث الجميع عن أكثر الأشياء قدرة على إشعال مواقع التواصل، حتى لو كانت فارغة من القيمة.

وهنا يجب أن نسأل أنفسنا بصدق: ماذا حدث لذوقنا؟.. هل نحن الذين تغيرنا؟ أم أن هناك من يعمل ليل نهار على تغيير ذوقنا؟. هل أصبحنا نبحث عن الصدمة بدلًا من الجمال؟.. وعن الإثارة بدلًا من الإبداع؟.. وعن الشهرة بدلًا من الموهبة؟

إن أخطر ما في المشهد ليس حفلة تنتهي في ساعات، وإنما أن يتحول ما كان استثناءً إلى (عادي) جراء (الصخب)، وأن يصبح ما كنا نرفضه بالأمس شيئًا نعتاد عليه اليوم، ثم ندافع عنه غدًا باعتباره حرية وفنًا وتطورًا.

أنا لست ضد الفرح.. ولست ضد الفن.. ولست ضد أن يستمتع الإنسان بوقته، لكنني ضد أن نبيع لأبنائنا فكرة أن الفن هو التعري من القيم، وأن النجاح هو امتلاك أغلى تذكرة، وأن السعادة هي القدرة على الاستعراض، وأن الشهرة أهم من الأخلاق.

يا جماعة الخير: مصر لا تحتاج مزيدًا من الضجيج، مصر تحتاج أن تستعيد صوتها.. تحتاج إلى فن يضحكنا دون أن يهين عقولنا.. وأغنية تفرحنا دون أن تخجل منها أسرنا.. وحفلات تحترم الجمهور بدلًا من أن تراهن على غرائزه، وتحتاج قبل كل ذلك إلى مجتمع لا يقيس الإنسان بما يرتديه، ولا بمكان جلوسه في الحفل، ولا بسعر التذكرة التي دفعها.

فمن حق الغني أن يستمتع بماله، ومن حق الفنان أن يكسب من فنه، ولكن من حق الفقير أيضًا ألا يشعر كل يوم أن بلده أصبحت تعرض أمام عينيه عالمًا لا يستطيع الاقتراب منه.

الساحل ليس المشكلة وحده… الساحل مجرد مرآة.. مرآة عكست لنا ما وصل إليه الذوق، وما وصلت إليه الفجوة الاجتماعية، وما وصل إليه هوس الشهرة، وما وصل إليه تحويل كل شيء إلى سلعة وترند.

والسؤال الذي يجب أن يظل معلقًا في الهواء: هل نحن أمام فن جديد فعلًا… أم أمام ضجيج مرتفع يحاول أن يقنعنا بأنه فن؟.. فالفن الحقيقي لا يحتاج أن يخلع ثوب الاحترام حتى يصفق له الناس.. والفنان الحقيقي لا يحتاج أن يصدم المجتمع حتى يثبت أنه موجود.

والجمهور الواعي لا يحتاج أن يدفع ثروة حتى يثبت أنه سعيد.. لأن الفن الذي يفقد احترامه يفقد قيمته، والمجتمع الذي يفقد ذوقه يبدأ في فقدان أشياء كثيرة دون أن يشعر.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.