ليلة هزمت الزمن.. (شريف منير) خلف الدرامز، وهشام عباس يعيد جيلًا كاملًا إلى الحياة

كتب: مروان محمد
في ليلة واحدة، قرر مهرجان القلعة أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء قليلًا.. ليس هروبًا من الحاضر، وإنما بحثًا عن ذلك الزمن الذي كانت فيه الأغنية تُحفظ، والتتر يتحول إلى جزء من الذاكرة، والموسيقى قادرة على أن تفتح فجأة أبوابًا أغلقناها منذ سنوات.. هكذا بدت ليلة (شريف منير، وهشام عباس) على مسرح المحكى ضمن فعاليات الدورة الـ34 من مهرجان القلعة الدولي للموسيقى والغناء.
ليلة لم يكن عنوانها الحقيقي مجرد (حفلين)، وإنما رحلة جماعية إلى زمن النوستالجيا.. كان صعود (شريف منير) إلى مسرح المحكى مختلفًا منذ اللحظة الأولى.. فالجمهور يعرفه ممثلًا، وصاحب أدوار صنعت حضورًا كبيرًا في الدراما والسينما، لكن شريف اختار هذه المرة أن يخلع عنه صورة النجم التمثيلي، ويعود إلى منطقة يعرفها جيدًا: الموسيقى.
جلس (شريف منير) خلف آلة الدرامز مع فرقته (نوستالجيا)، وكأنه يقول للجمهور: قبل أن تعرفوني ممثلًا.. كانت الموسيقى جزءًا أصيلًا مني، وهنا لم تكن الدرامز مجرد آلة موسيقية في الحفل، وإنما أصبحت بمثابة جسر بين شغف قديم وحاضر جديد.
قدم (شريف منير) وفرقته مجموعة من المؤلفات العربية والغربية، إلى جانب موسيقى تصويرية ارتبطت بأفلام وأعمال سينمائية شهيرة، بينها مقطوعات من (عريس من جهة أمنية، المليونيرات، صغيرة على الحب، حبيبي يا عاشق، سلطان الهوا، مامبو، سواي، إيرما لادوس، يا سلام على حبي وحبك، علموني عينيكي، كعب الغزال، سهر الليالي، يا ناسيني) وغيرها.
وهنا كانت اللعبة الأجمل.. فالموسيقى التصويرية لم تعد مجرد خلفية لأحداث شاهدها الجمهور قديمًا، وإنما صارت في تلك الليلة بطلة مستقلة تعيد المشاهد إلى الفيلم والشخصية واللحظة التي ارتبطت بها.

محاولة لاستعادة قيمة أغانٍ
وشارك في أداء عدد من الأعمال المغنون (محمد نادر، وماريز، وعلاء فراج، وسمر)، ليكتمل المشهد الموسيقي الذي جمع بين الحنين والاستعراض.
لماذا (نوستالجيا؟) ربما لأن الاسم وحده يشرح الفكرة، (شريف منير) لم يكتفِ بأن يقدم موسيقى، بل اختار اسمًا يعكس مشروعه: (نوستالجيا).. والنوستالجيا هنا ليست حنينًا فارغًا إلى الماضي، وإنما محاولة لاستعادة قيمة أغانٍ وموسيقى تربى عليها جيل كامل.
وفي زمن تزدحم فيه الساحة بألوان موسيقية متسارعة، تصبح العودة إلى الموسيقى التصويرية والألحان التي صنعت ذاكرة السينما نوعًا من الاستراحة الجميلة.. ثم جاء هشام عباس.. فبدأت قصة الجيل
بعد أن هدأت الدرامز، لم تهدأ الذكريات.. صعد هشام عباس إلى المسرح، ليكمل الحكاية بطريقة مختلفة؛ ليس بالموسيقى وحدها، ولكن بأغنيات تحمل معها سيرة جيل كامل.. هنا لم يعد الجمهور يستمع فقط.. بل صار يتذكر.
كل أغنية كانت تبدو كأنها صورة قديمة خرجت من ألبوم مغلق، وكل تتر تلفزيوني يعيد إلى الذاكرة مسلسلًا وشخصيات ووجوهًا وأيامًا كانت أبسط مما هي عليه الآن.
قدم هشام مجموعة من أبرز أغنياته وتترات المسلسلات التي صنعت جانبًا مهمًا من تاريخه، من بينها (متبطليش تحبي فيا، سيبها تحبك، لمتنا، قول عليا مجنون، شوفي)، وميدلي (حبيتها – حلال عليك – عيني – عينيها السود – تعالى).
إلى جانب (وأنا وأنا، السهر والانبساط، يتربى في عزو، عمال يحكيلي عنها، يا ليلة، مين اللي جوه في قلبي، ناري نارين، فينه) وغيرها.
من أكثر الأشياء التي ميزت فقرة هشام عباس أن جزءًا من البرنامج استعاد تترات أعمال درامية ارتبطت بوجدان الجمهور، وهنا ظهرت قيمة التتر القديم.. فالتتر لم يكن مجرد أغنية تسبق الحلقة أو تختمها، وإنما كان قادرًا على أن يعيش وحده، وأن يصبح بعد سنوات جزءًا من هوية العمل نفسه.
ولهذا، عندما يغني هشام تترًا قديمًا، لا يستعيد الأغنية فقط، بل يستعيد معها زمنًا كاملًا.. وهذه القدرة هي سر استمرار بعض أغنيات تلك المرحلة حتى اليوم.
المفارقة الجميلة أن كل هذا الحنين حدث في مكان تاريخي، فمسرح المحكى نفسه يحمل طبقة من الذاكرة، وعندما تلتقي جدران القلعة القديمة مع موسيقى وأغنيات ارتبطت بأجيال مختلفة، يصبح المكان كأنه شريك في الحكاية.. ولهذا بدت السهرة كأنها لقاء بين تاريخ القاهرة وتاريخ الأغنية.. حاضر يقف فوق المسرح، وماضٍ يعيش في أذن الجمهور.

قيمة المهرجان لا تكمن في الأسماء
هذه الليلة جاءت ضمن فعاليات الدورة الـ 34 من مهرجان القلعة الدولي للموسيقى والغناء، المقام برعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، وشريف فتحي، وزير السياحة والآثار، وتنظيم دار الأوبرا المصرية برئاسة الدكتور رضا الوكيل، بالتعاون مع هيئة تنشيط السياحة، وإدارة المهندس ياسر شعلان رئيس البيت الفني للموسيقى والأوبرا والباليه.
لكن قيمة المهرجان لا تكمن فقط في الأسماء التي يصعد بها إلى المسرح، وإنما في قدرته على جمع أنماط وأجيال مختلفة في مكان واحد.
وشريف منير وهشام عباس قدما في تلك الليلة نموذجًا واضحًا لهذه المعادلة.. الأول أعاد اكتشاف نفسه أمام الجمهور كموسيقي.. والثاني أعاد اكتشاف الجمهور لنفسه من خلال أغنيات عمرها سنوات.
وفي النهاية.. لم تكن ليلة المحكى مجرد سهرة موسيقية ناجحة.. كانت أشبه بجلسة جماعية لاسترجاع الذاكرة.. شريف منير قال عبر الدرامز إن الفنان الحقيقي يمكن أن يحمل أكثر من موهبة واحدة.. وهشام عباس قال عبر أغنياته إن بعض الأصوات لا تكبر، لأن ذكراها تكبر معنا.
أما جمهور القلعة، فكان هو البطل الحقيقي؛ لأنه أثبت أن هناك أغنيات لا تحتاج إلى ترند كي تعيش، ولا إلى مؤثرات ضخمة كي تحرك المشاعر.. يكفي أن تبدأ النغمة الأولى.. وفجأة، يعود الجميع إلى هناك.. إلى زمن أحبوا فيه، وحلموا فيه، وغنوا فيه.
وهكذا نجح (المحكى) في أن يجعل الماضي يغني من جديد، لكن هذه المرة بصوت الحاضر.