رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

وائل شفيق يكتب: مهرجان كان).. السينما ليست ترفًا، بل أداة للحرية الفنية

وائل شفيق يكتب: مهرجان كان).. السينما ليست ترفًا، بل أداة للحرية الفنية
الفنان الكبير (حسين فهمي) في افتتاح الجناح المصري في (مهرجان كان)
وائل شفيق يكتب: مهرجان كان).. السينما ليست ترفًا، بل أداة للحرية الفنية
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

وُلد (مهرجان كان) من لحظة سياسية واضحة.. ففي آواخر الثلاثينيات اتُّهم مهرجان البندقية السينمائي بالخضوع لتأثير الأنظمة الفاشية، فكانت الحاجة إلى منصة حرة ومستقلة.. وُلدت الفكرة سنة 1938، وتأجلت بسبب الحرب، حتى انطلق (مهرجان كان) عام 1946 برسالة واحدة: السينما ليست ترفًا، بل أداة للحرية الفنية والحوار بين الشعوب.

والفرق أن الفكرة لم تبقَ شعارًا.. فمنذ بداياته كان للمهرجان اختيار فني جريء.. في الستينيات والسبعينيات احتضن الموجة الجديدة الفرنسية، وقدّم أفلامًا لمخرجين شكّلوا ذاكرة السينما العالمية. وفي الثمانينيات فتح الباب لأصوات جديدة غيّرت شكل السرد البصري.. فصار مرآةً لتحولات العالم، لا مجرد عرضٍ للشكل.

ولأن الرؤية كانت واضحة، تحوّل (مهرجان كان) وسجادته الحمراء إلى اقتصاد وتأثير.. سوق الفيلم وحده استقبل 15 ألف مشارك من 140 دولة، وعرض 4 آلاف مشروع في 2025.

والمهرجان كله يحرّك أكثر من مليار دولار سنويًا، وتأثيره السياحي يتجاوز المليار يورو.. وكل ذلك لأن النظام كان صارمًا: عروض عالمية أولى، منافسة حقيقية، جوائز صارت معيارًا، ومساحات مخصصة لاكتشاف المواهب الجديدة.

أما نحن، فنملك السجادة الحمراء ونفتقد المعادلة.. عندنا فعاليات، وعندنا أسماء، وعندنا حضور إعلامي.. لكن غياب الرؤية الشاملة يجعل كل طرف يعمل في جزيرة معزولة.. فتخرج النتيجة استعراضًا بلا أثر يُذكر، ولا قيمة اقتصادية ولا ثقافية تبقى بعد انطفاء الأضواء.

وائل شفيق يكتب: مهرجان كان).. السينما ليست ترفًا، بل أداة للحرية الفنية
ارتبط اللون الأحمر بمقام الملوك والكنيسة، فصار رمزًا للهيبة والاحتفاء

الأحمر.. رمزًا للهيبة والاحتفاء

في الموروث الثقافي الغربي ارتبط اللون الأحمر بمقام الملوك والكنيسة، فصار رمزًا للهيبة والاحتفاء.. أما عندنا، فيجب أن ترتبط حمرة السجادة بلون أرضنا التي خُضّبت بدماء شهداء معارك الاستقلال والتحرر.

سجادة حمراء تُذكّر الدنيا بقول أمير الشعراء (وَلِلْحُرِّيَةِ الحَمْرَاءِ بَابٌ، بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ)، وأن الفن إذا نطق، فليكن صوته امتدادًا لصوت من دفع الثمن.. عندها تتحول السجادة من استعراض عابر إلى شهادة، ومن تقليد مستورد إلى توقيع حضاري لا يشبه إلا صاحبه.

ولا بد من وجود رسالة نحملها إلى العالم من على سجادتنا.. رسالة تقول بصراحة: كفى استغلالًا سياسيًا بملفات حقوق الإنسان.. كفى إشعالًا للحروب لبيع السلاح تحت شعارات الحرية والديمقراطية.

كفى تعاملًا مع مواطن العالم الثالث كمواطن من الدرجة الثانية. ولن تصل هذه الرسالة بالبيانات، بل بأعمال فنية تفضح التناقض، وتكشف الأثر الإنساني لهذه السياسات، وتعيد تعريف علاقتنا بالعالم على أساس الندية والاحترام.

وحين تتوفر هذه الرؤية، تكتمل المعادلة.. اختيار فني جريء، استقلالية في القرار، منصة تفتح الباب للإبداع، وسوق حقيقي يحرّك المال والمواهب. حينها تتحول سجادتنا من تقليد أعمى إلى واجهة تأثير. فيصبح كل فنان وكل مثقف جزءًا من لوحة واحدة، يكمل ما قبله ويمهد لما بعده.

فإن أردنا مكانًا على الخريطة الثقافية، فلنبدأ برسم اللوحة كاملة.. فالثقافة بلا رؤية تبقى صورة معلقة على الحائط، جميلة للعين لكنها صامتة عن المعنى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.