رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(سارة بركة).. موهبة لا تكتفي بأن تمثل الشخصية بل تبحث عن روحها!

(سارة بركة).. موهبة لا تكتفي بأن تمثل الشخصية بل تبحث عن روحها!

(سارة بركة).. موهبة لا تكتفي بأن تمثل الشخصية بل تبحث عن روحها!
العين عند (سارة بركة) تسبق الكلام في كثير من اللحظات
(سارة بركة).. موهبة لا تكتفي بأن تمثل الشخصية بل تبحث عن روحها!
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

ليس كل من وقف أمام الكاميرا ممثلًا، وليس كل من حفظ الحوار قادرًا على صناعة شخصية تعيش في ذاكرة الجمهور. فالتمثيل في جوهره ليس مجرد نطق للكلمات أو تنفيذ لتعليمات المخرج، وإنما موهبة مركبة تحتاج إلى إحساس وذكاء ووعي وقدرة على فهم الإنسان قبل القدرة على تجسيده، وهذا تحديدًا ما أراه في (سارة بركة).

(سارة بركة) ممثلة شابة لا تتعامل مع الشخصية باعتبارها مجموعة من الجمل التي ينبغي حفظها، وإنما تحاول أن تعرف ما وراء هذه الجمل؛ لماذا قالت الشخصية هذه الكلمة؟.. ماذا تخفي؟.. ماذا تريد؟ وما الذي لا تستطيع قوله؟

وهنا تبدأ المسافة الحقيقية بين ممثل يؤدي دورًا، وفنان يجعل المشاهد يصدق أن الإنسان الذي يراه أمامه موجود بالفعل.. حين يصبح الإحساس أهم من الدموع، أما أهم ما يلفتني في موهبة (سارة بركة) هو الإحساس.

قد يمتلك الممثل صوتًا قويًا، وحضورًا لافتًا، وملامح مناسبة للكاميرا، لكنه إذا افتقد الإحساس الداخلي، ظلت الشخصية مجرد أداء خارجي مهما بدا متقنًا.. أما (سارة بركة)، فمن خلال متابعتي لأدوارها، أجد أن لديها قدرة واضحة على عيش اللحظة بدلًا من استعراضها.

في مشهد الحزن مثلًا، لا تحتاج بالضرورة إلى البكاء حتى تقنعك بأنها موجوعة.. يكفي أحيانًا أن تتغير نبرة صوتها أو تتسع عيناها أو تتردد لحظة قبل النطق بالكلمة، وقد تكون نظرة صامتة أبلغ من صفحة كاملة من الحوار، وقد يكون ارتباك بسيط في حركة اليد أكثر تأثيرًا من صرخة مصطنعة.

وهذه واحدة من أهم علامات الممثل الذي يفهم أن التمثيل ليس مسابقة في كمية الانفعالات، وإنما بحث عن الانفعال الصحيح في اللحظة الصحيحة.. الممثل المسرحي يستطيع أن يستفيد من المساحة والصوت والحركة، لكن الكاميرا أكثر قسوة؛ لأنها تقترب من الوجه، وتلتقط التفاصيل الصغيرة، وتفضح أي زيف في الإحساس، ولهذا فإن العين عند (سارة بركة) تسبق الكلام في كثير من اللحظات.

(سارة بركة).. موهبة لا تكتفي بأن تمثل الشخصية بل تبحث عن روحها!

(سارة بركة).. موهبة لا تكتفي بأن تمثل الشخصية بل تبحث عن روحها!
فمن الأشياء التي تحسب لـ (سارة بركة) قدرتها على الانتقال بين الشخصيات والبيئات المختلفة

قدرتها على الانتقال بين الشخصيات

هى تعرف أن الشخصية يمكن أن تقول شيئًا، بينما تقول عيناها شيئًا آخر تمامًا، وهنا يصبح الصمت جزءًا من الحوار، وتصبح النظرة جملة كاملة، ويصبح التردد فعلًا دراميًا وليس فراغًا بين جملتين.

لا تخاف من اللهجات والبيئات المختلفة.. لذا فمن الأشياء التي تحسب لـ (سارة بركة) قدرتها على الانتقال بين الشخصيات والبيئات المختلفة، فالممثل الحقيقي لا ينبغي أن يكون نسخة واحدة من نفسه في كل عمل، وإنما عليه أن يختفي خلف الشخصية، حتى يكاد المشاهد ينسى الفنان ويكتفي برؤية الإنسان الذي أمامه.

وهذا ما تسعى إليه (سارة بركة) من خلال تنوع أدوارها، سواء في الدراما السورية أو المصرية، وفي الشخصيات الاجتماعية والإنسانية والمركبة.. الموهبة هنا لا تعني أن يكون الممثل قادرًا على البكاء أو الضحك فقط، وإنما أن يستطيع تغيير صوته وحركته وطريقة تفكيره وإيقاعه وفقًا للشخصية.

أرى أن (سارة بركة) تتعامل مع التمثيل باعتباره، كما وصفته هى (لعبة صدق صغيرة نؤديها أمام العالم)، والتعبير في حد ذاته يلخص جزءًا مهمًا من فلسفتها في الأداء؛ فالتمثيل، في النهاية، يقوم على أن يصدق الممثل الشخصية أولًا حتى يصدقه الجمهور ثانيًا.

وهذا يقترب من جوهر منهج (قسطنطين ستانسلافسكي) الذي أعطى أهمية كبيرة للصدق الداخلي والدافع النفسي، كما يلتقي مع ما ارتبط باسم لورانس أوليفييه من الجمع بين الموهبة والتقنية، فالموهبة وحدها قد تفتح الباب، لكنها لا تكفي للعبور إلى الصفوف الأولى، ولهذا فإن التدريب والثقافة والمشاهدة والعمل على الأدوات، كلها عناصر تحتاج إليها أي موهبة تريد أن تستمر.

ولدت سارة بركة في دمشق عام 1998، ونشأت في بيئة ثقافية جعلتها تنجذب مبكرًا إلى الفن وخشبة المسرح، قبل أن يتحول هذا الشغف إلى اختيار مهني واضح.. التحقت بالمعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، وتخرجت عام 2022، بعد دراسة أكاديمية منحت موهبتها الطبيعية أدوات أكثر وعيًا.

ولم يكن الطريق خاليًا من التحديات، فقد واجهت في البداية معارضة عائلية لفكرة دخول المجال الفني، لكنها تمسكت بحلمها، واختارت أن تخوض التجربة بدلًا من أن تظل مجرد أمنية مؤجلة، ومن، المسرح بدأت خطواتها الأولى، فشاركت في أعمال من بينها (بهلول والملك لير) قبل أن تنتقل تدريجيًا إلى الدراما والسينما.

(سارة بركة).. موهبة لا تكتفي بأن تمثل الشخصية بل تبحث عن روحها!
تحت سابع أرض
(سارة بركة).. موهبة لا تكتفي بأن تمثل الشخصية بل تبحث عن روحها!
مع وقف التنفيد
(سارة بركة).. موهبة لا تكتفي بأن تمثل الشخصية بل تبحث عن روحها!
سوق الحرامية
(سارة بركة).. موهبة لا تكتفي بأن تمثل الشخصية بل تبحث عن روحها!
العربجي
(سارة بركة).. موهبة لا تكتفي بأن تمثل الشخصية بل تبحث عن روحها!
علي كلاي

أحد أدوارها البارزة

في عام 2022 قدمت (سارة بركة) أحد أدوارها البارزة في مسلسل (مع وقف التنفيذ) من خلال شخصية (رولا)، وهي تجربة ساعدتها على تثبيت حضورها ولفت الأنظار إلى موهبة شابة تمتلك أدوات قابلة للتطور، ثم توالت مشاركاتها، فشاركت في (العربجي 2) بشخصية (لين)، وظهرت في (نظرة حب) بشخصية (دانا)، لتواصل البحث عن مساحات مختلفة في الأداء.

لكن إحدى المحطات اللافتة في مسيرتها جاءت مع مسلسل (تحت سابع أرض)، حيث قدمت شخصية أثارت تفاعلًا واسعًا، ووجدت نفسها أمام ردود فعل متباينة من الجمهور على مواقع التواصل الاجتماعي، وهنا تحديدًا يمكن النظر إلى الجدل من زاوية فنية؛ فالشخصية التي تترك أثرًا وتستفز مشاعر الجمهور، سواء بالقبول أو الرفض، تكون قد نجحت على الأقل في الخروج من منطقة اللامبالاة.

وفي 2026، ظهرت سارة في مسلسل (سوق الحرامية) من خلال شخصية (سمر الكفيفة)، وهي شخصية احتاجت إلى حساسية خاصة في التعامل مع التفاصيل والانفعالات، كما شاركت في (علي كلاي) بشخصية (حياة)، ورغم محدودية مساحة الدور، استطاعت أن تترك بصمة واضحة داخل الأحداث، وهو أمر لا يرتبط دائمًا بحجم الدور، وإنما بقدرة الممثل على استثمار اللحظة التي تمنح له.

وهنا أعود إلى قاعدة أؤمن بها دائمًا: (الممثل الجيد لا يقيس قيمة دوره بعدد مشاهده، وإنما بما يستطيع أن يتركه داخل هذه المشاهد).

وفي الدراما المصرية، جاءت مشاركتها في مسلسل (مملكة الحرير)، من خلال شخصية «فيروز»، في تجربة تحمل مزيجًا من الأكشن والحب والصراع على السلطة والمغامرة، العمل قدم عالمًا مختلفًا، تدور أحداثه حول شقيقين متباعدين يجدان نفسيهما في مواجهة بعضهما البعض للسيطرة على مملكة الحرير، بعد مقتل والدهما على يد عمهما.

ومثل هذه التجارب تمنح الممثل فرصة للخروج من المنطقة الآمنة، خصوصًا عندما تكون الشخصية مطالبة بالتعامل مع أكثر من مستوى درامي.. فالموهبة التي لا تريد أن تتكرر، ولهذا ربما تكون أهم ميزة لدى (سارة بركة) أنها لا تبدو راغبة في الاستقرار طويلًا داخل صورة واحدة، فهي تحاول الانتقال بين الشخصيات، وبين اللهجات والبيئات، وبين الدراما الاجتماعية والإنسانية والشخصيات الأكثر تركيبًا.

(سارة بركة).. موهبة لا تكتفي بأن تمثل الشخصية بل تبحث عن روحها!
تخوض سارة بركة تجربة جديدة في السينما المصرية من خلال فيلم (مطلوب عائليًا)

فنانة تمتلك مشروعًا واضحًا

وفي زمن أصبح فيه التشابه بين الوجوه والأدوار مشكلة حقيقية، فإن قدرة الممثل على صناعة اختلافه تصبح قيمة أساسية، لكن الطريق أمامها ما زال طويلًا، وهذه ليست ملاحظة سلبية، بل هى طبيعة أي تجربة فنية في بدايتها.

الموهبة تحتاج إلى اختبارات أصعب، والأدوار القادمة هى التي ستكشف إلى أي مدى تستطيع (سارة بركة) أن تطور أدواتها، وأن تنتقل من مرحلة الممثلة الواعدة إلى مرحلة الفنانة التي تمتلك مشروعًا واضحًا في الأداء.

وتخوض سارة بركة أيضًا تجربة جديدة في السينما المصرية من خلال فيلم (مطلوب عائليًا)، إلى جانب كريم عبد العزيز وياسمين صبري، كما تواصل العمل على فيلم (حين يكتب الحب)، وهنا تصبح السينما اختبارًا مختلفًا؛ فالكاميرا السينمائية تحتاج إلى قدر كبير من التحكم، لأن التفاصيل الصغيرة يمكن أن تصبح هي المشهد كله.

وإذا استطاعت سارة أن تحمل أدواتها المسرحية والتليفزيونية إلى الشاشة الكبيرة دون أن تفقد عفويتها، فقد تكون أمام مساحة جديدة لاكتشاف جوانب أخرى من موهبتها.

الموهبة وحدها لا تصنع النجمة، في النهاية، لا أعتقد أن (سارة بركة) تحتاج الآن إلى لقب كبير بقدر ما تحتاج إلى أدوار أكبر، فالموهبة موجودة، والحضور موجود، والدراسة موجودة، والرغبة في التطور واضحة، لكن الفن لا يمنح شهاداته مبكرًا.

كل دور جديد هو امتحان لـ (سارة بركة)، وكل شخصية مختلفة هي فرصة لإثبات أن النجاح السابق لم يكن صدفة، وما يلفتني في (سارة بركة) أنها لا تبدو وكأنها تريد أن تكون مجرد وجه جديد يمر سريعًا على شاشة الدراما، وإنما ممثلة تبحث عن مكانها الحقيقي بين الموهوبات.

وربما يكون أجمل ما يمكن أن يقال عن موهبة شابة في بدايات طريقها أنها لم تصل بعد إلى نهايتها، فـ (سارة بركة) ليست نجمة مكتملة الأدوات بعد، وهذا تحديدًا ما يجعل رحلتها جديرة بالمتابعة؛ لأن أمامها مساحة واسعة للتجريب والنضج والمغامرة، وربما لأن أفضل ما في الموهبة ليس ما قدمته حتى الآن، وإنما ما تستطيع أن تكشف عنه عندما تأتي اللحظة التي تجد فيها الدور الذي يشبهها.. ثم يغيرها.

👀 Views: …

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.