رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(نهاد فتوح) ابنة (سعاد محمد) التى ورثت جمال الصوت، وقلة الحظ تعثرت في (صدقوني)

(نهاد فتوح) ابنة (سعاد محمد) التى ورثت جمال الصوت، وقلة الحظ تعثرت في (صدقوني)
شعاد محمد
(نهاد فتوح) ابنة (سعاد محمد) التى ورثت جمال الصوت، وقلة الحظ تعثرت في (صدقوني)
خطت (نهاد فتوح) أولى خطواتها الجادة من خلال برنامج (ستوديو الفن)

كتب: أحمد السماحي

في عالم الغناء، لا تكفي الموهبة وحدها لصناعة النجمة، ولا يكفي أن تولد وفي حنجرتك ميراث صوت كبير، فقد يملك الفنان كل المقومات التي تؤهله للنجاح، ثم تأتي الظروف لتكتب له حكاية مختلفة تمامًا، وهذه هي الحكاية التي تبدو أقرب إلى (قصة حظ عاثر) للمطربة اللبنانية (نهاد فتوح)، ابنة الشاعر محمد علي فتوح والمطربة الكبيرة سعاد محمد.

(نهاد فتوح) لم تكن مجرد ابنة لأسرة فنية عريقة، وإنما كانت تحمل في صوتها شيئًا من عبق والدتها، تلك المطربة التي عُرفت بقوة صوتها وإحساسها وقدرتها على أداء الألحان الصعبة، فكان من الطبيعي أن تترقب الأوساط الفنية أن تواصل الابنة المسيرة، وأن تجد لنفسها مكانًا بين نجمات الغناء اللبناني والعربي.

 وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي، وبالتحديد عام 1974 خطت (نهاد فتوح) أولى خطواتها الجادة من خلال برنامج (ستوديو الفن)، أحد أهم البرامج التي قدمت للمشهد الغنائي العربي مجموعة كبيرة من المواهب والأصوات التي أصبحت فيما بعد أسماء لامعة.

كانت الفرصة موجودة، والصوت موجودًا، والخلفية الفنية موجودة أيضًا، خاصة بعد أن نالت الميدالية الذهبية عن فئة الطرب لكن شيئًا ما لم يكتمل!.. ففي الوقت الذي استطاع فيه عدد من أبناء جيلها أن يحولوا موهبتهم إلى مشروع نجومية حقيقية، وفي مقدمتهم النجم العربي (وليد توفيق)، بقيت (نهاد فتوح) في منطقة فنية لم تمنحها الانتشار الذي كانت تستحقه.

قدمت خلال مشوارها عددًا محدودًا من الألبومات والأعمال الغنائية، يمكن عدّها على أصابع اليد الواحدة، لكنها لم تحقق من خلالها النجاح الجماهيري الذي كان مأمولًا، ولم تتحول أغنياتها إلى علامات راسخة في ذاكرة الجمهور، رغم امتلاكها صوتًا عذبًا وموهبة واضحة.

(نهاد فتوح) ابنة (سعاد محمد) التى ورثت جمال الصوت، وقلة الحظ تعثرت في (صدقوني)
لم تستطع أن تصنع لنفسها المساحة الجماهيرية التي صنعتها أصوات أخرى ظهرت في الفترة نفسها

المفارقة المؤلمة في تجربتها

وهنا تبدو المفارقة المؤلمة في تجربتها، فالفنانة التي كان يفترض أن تستفيد من اسم والدتها الكبير، ومن تجربة وموهبة والدها الشعرية، وجمال صوتها، لم تستطع أن تصنع لنفسها المساحة الجماهيرية التي صنعتها أصوات أخرى ظهرت في الفترة نفسها.

وربما كانت مشكلة (نهاد فتوح) أن الزمن الذي ظهرت فيه لم يكن رحيمًا بالأصوات وحدها، فالنجومية تحتاج إلى منظومة كاملة من شركات إنتاج، وألحان قوية، وكلمات تعلق في الذاكرة، وإدارة فنية تعرف كيف تقدم المطرب للجمهور وتحافظ على حضوره.

وكل هذا لم يكن موجودا عند (نهاد فتوح)، وأيضا لأنها لم يكن لديها طموحات فنية، ومع تراجع فرصها وعدم تحقيق أعمالها للانتشار المنتظر، بدأت (نهاد) تبتعد شيئًا فشيئًا عن المشهد، حتى اختفت تقريبًا عن الأضواء، وأعتزلت الغناء وتحجبت، وكأن الستارة أسدلت مبكرًا على تجربة فنية كان من الممكن أن يكون لها فصل أطول وأكثر حضورًا.

واللافت أن ابتعادها لا يلغي حقيقة امتلاكها لصوت جميل، بل ربما يجعل قصتها أكثر إثارة للتأمل، فكم من أصوات موهوبة مرت في تاريخ الغناء العربي دون أن تحصل على فرصتها كاملة؟ وكم من مطرب أو مطربة كان يمكن أن يصبح اسمًا كبيرًا لو صادفته أغنية واحدة ناجحة، أو ملحن كبير، أو شركة إنتاج تعرف كيف تستثمر موهبته؟

(نهاد فتوح) واحدة من تلك الأسماء التي تذكرنا بأن الفن لا يمنح جوائزه دائمًا للأكثر موهبة، وإنما كثيرًا ما تتدخل الظروف والتوقيت والفرص في تحديد من يبقى ومن يختفي.

وإذا كانت ابنة (سعاد محمد) قد ورثت عن أمها شيئًا من جمال الصوت وعذوبته، فإنها لم ترث بالقدر نفسه ذلك الحضور الجماهيري الذي جعل اسم والدتها واحدًا من الأسماء البارزة في تاريخ الغناء العربي.

ربما لم تكن المشكلة في صوت (نهاد فتوح) وحده، وإنما في أن الحظ الذي لم يفتح لها الباب بالقدر الكافي.. وهكذا بقيت (نهاد فتوح)، رغم تاريخها القصير وأعمالها المحدودة، واحدة من تلك الأصوات التي تستحق أن يعاد اكتشافها، لا باعتبارها ابنة (سعاد محمد) فقط، وإنما باعتبارها مطربة كان لديها صوتها الخاص، وحلمها الخاص، لكن قطار النجومية مر من أمامها سريعًا، ولم ينتظرها طويلًا.

(نهاد فتوح) ابنة (سعاد محمد) التى ورثت جمال الصوت، وقلة الحظ تعثرت في (صدقوني)
هناك محطات فنية كان يمكن لها أن تكون أكثر بريقًا

صاحبة الصوت العذب

في مشوار المطربة اللبنانية (نهاد فتوح)، صاحبة الصوت العذب الذي يحمل كثيرًا من ملامح صوت والدتها الكبيرة (سعاد محمد)، هناك محطات فنية كان يمكن لها أن تكون أكثر بريقًا، لو حالفها الحظ في اختيار الأغنيات التي تليق بهذا الصوت.

ومن بين هذه المحطات نتوقف هذا الأسبوع، في باب (غلاف ألبوم)، عند أحد ألبوماتها التي صدرت عام 1993، وهو ألبوم (صدقوني)، الذي أنتجته شركة (صوت بيروت)، وضم خمس أغنيات، تعاونت فيها (نهاد فتوح)، مع مجموعة من كبار شعراء وملحني مصر.

الألبوم حمل في بدايته أغنية (صدقوني)، من كلمات الشاعر (محمد الشهاوي)، وألحان الموسيقار (فاروق سلامة)، ثم جاءت أغنية (جاني حبيبي جاني)، كلمات (سمير الطائر)، وألحان (خالد الأمير).

أما الأغنية الثالثة فكانت (مشوار الحب)، وهي من كلمات الشاعر الكبير (حسين السيد)، وألحان (فتحي حجازي)، بينما حملت الأغنية الرابعة عنوان (بتفكر في إيه)، من كلمات سمير الطائر وألحان الموسيقار (حلمي بكر)، واختتم الألبوم بأغنية (يا عيني على الحبايب)، كلمات (مصطفى الضمراني) وألحان (فاروق سلامة).

وبمجرد النظر إلى أسماء المشاركين في الألبوم، قد يتوقع المستمع أنه أمام عمل غنائي استثنائي، فماذا تريد (نهاد فتوح) أكثر من كلمات حسين السيد، وألحان حلمي بكر وفاروق سلامة وخالد الأمير وفتحي حجازي؟.. لكن المفارقة أن الأسماء الكبيرة وحدها لا تصنع بالضرورة أغنية كبيرة!، فالحقيقة أن معظم هؤلاء الكبار لم يكونوا، في هذا الألبوم تحديدًا، في أفضل حالاتهم الإبداعية.

جاءت الكلمات في معظمها عادية، ولم تحمل تلك الجملة الشعرية التي تخطف الأذن وتسكن الذاكرة، وبالتالي جاءت الألحان في حدود هذه الكلمات، فلم نجد اللحن الذي ينطلق بصوت (نهاد فتوح) إلى منطقة أخرى، أو يستخرج من حنجرتها كل ما تختزنه من جمال وإحساس.

(نهاد فتوح) ابنة (سعاد محمد) التى ورثت جمال الصوت، وقلة الحظ تعثرت في (صدقوني)
نهاد فتوح بعد الاعتزال

مر ألبوم (صدقوني) مرورًا هادئًا

وهنا تحديدًا تكمن المشكلة (نهاد فتوح) كانت تمتلك صوتًا أكبر من الأغنيات التي قُدمت لهافي (صدقوني)، كان صوتها يحتاج إلى مشروع غنائي يعرف كيف يستثمر مساحاته، ويختار له الكلمات التي تشبهه، والألحان التي تفتح أمامه أبوابًا جديدة، لا مجرد اجتماع مجموعة من الأسماء الكبيرة على غلاف واحد.

وربما لهذا السبب مر ألبوم (صدقوني) مرورًا هادئًا، رغم كل هذه الأسماء اللامعة، فلم تستطع أي أغنية من أغنياته الخمس أن تتحول إلى علامة فارقة في مسيرة (نهاد فتوح)، أو أن تحتل مكانًا حقيقيًا في الذاكرة والوجدان الشعبي.

وهذا يعيدنا إلى مقولة طالما رددناها، موهبة الاختيار عند المطرب لا تقل أهمية عن موهبة الصوت نفسه، فكم من أصوات جميلة ضاعت بين أغنيات لا تشبهها، وكم من مطربين امتلكوا حناجر مميزة، لكنهم لم يمتلكوا في المقابل البوصلة التي تقودهم إلى الأغنية المناسبة!

فالمطرب لا يحتاج فقط إلى أن يسأل هل أستطيع أن أغني هذه الأغنية؟، وإنما عليه أن يسأل أيضًا: هل هذه الأغنية تستحق صوتي؟ وهل تشبهني؟ وهل يمكن أن تصبح جزءًا من ذاكرتي وذاكرة الناس؟!.

وربما لو امتلكت (نهاد فتوح) في تلك المرحلة مستشارًا فنيًا يملك حس الاختيار نفسه الذي كانت تملكه هي من جمال الصوت، لكان لألبوم (صدقوني) حكاية أخرى، ولكان صوتها الرائع قد ترك في الذاكرة أثرًا أكبر بكثير مما تركه هذا الألبوم.

👀 Views: …

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.