
*وائل جسار في (نص الليل) يتسائل هل انتهى زمن الحب الكبير وبقيت مكالمات بلا رد؟
*كتب الأغنية (عبدالرحمن محمد) ببساطة موجعة، و(أحمد زعيم) لحن الوحدة، و(عمرو الخضري) غلّفها موسيقيًا، و(وائل جسار) حمل وجعها على كتفيه.

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
هناك أغانٍ تبدأ من فكرة، وأغانٍ تبدأ من جملة، لكن أغنية (نص الليل) للمطرب اللبناني (وائل جسار) تبدأ من حالة، حالة ذلك الإنسان الذي يأتي عليه الليل فتزداد وحدته، وتصبح الأشياء الصغيرة في النهار أسئلةً كبيرة لا يجد لها إجابة.
في منتصف الليل تحديدًا، حين تهدأ الدنيا ويصبح الإنسان وحيدًا مع أفكاره، لا يحتاج العاشق إلى قصيدة طويلة حتى يقول إنه موجوع، يكفيه هاتف لا يرد عليه أحد!
ومن هذه المنطقة شديدة الحساسية يدخل المطرب اللبناني (وائل جسار) إلى أحدث أغنياته المصورة (نص الليل)، من كلمات الشاعر المتميز (عبدالرحمن محمد)، وألحان المبدع (أحمد زعيم)، وتوزيع الرائع (عمرو الخضري)، في تجربة رومانسية تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تخبئ تحت بساطتها حالة نفسية شديدة القسوة.
وقد اختار الشاعر (عبد الرحمن محمد) عنوانًا شديد الذكاء، (نص الليل)، لأن منتصف الليل ليس مجرد توقيت في الأغنية، وإنما هو بطل خفي فيها، ففي هذه الساعة تحديدًا تتراجع مشاغل الحياة، ويجد العاشق نفسه وجهًا لوجه أمام اشتياقه وقلقه وأسئلته.

(نص الليل) ليست أغنية عن الحب
والحقيقة أن (نص الليل) ليست أغنية عن الحب بقدر ما هي أغنية عن (غياب الحب)! فمنذ الجملة الأولى:
في نص الليل بكلمها
وبسألها واشوف مالها
إيه بس اللي زعلها
ندخل مباشرة إلى علاقة مرتبكة، رجل لا يعرف لماذا غضبت حبيبته؟، ولا لماذا ابتعدت؟، ولا لماذا أصبح مضطرًا لأن يطارد إجابة لا تأتي؟!.. وهنا لا نرى عاشقًا يتحدث عن الحب بصورة مثالية أو شاعرية مبالغ فيها، وإنما نرى رجلًا قلقًا ومحتارًا، يريد أن يعرف لماذا تغيرت حبيبته، الجميل أن الأغنية لا تبدأ بإعلان الحب.
وإنما تبدأ بالسؤال، ماذا بها؟ ولماذا هي غاضبة؟، وكأن الخلاف الصغير هو الباب الذي تدخل منه الأغنية إلى عالم أكبر من الاشتياق.. وهنا تكمن جرأة (عبدالرحمن محمد)، فهو لا يقدم لنا عاشقًا منتصرًا أو واثقًا من مكانته، وإنما يقدم رجلًا معلقًا في منطقة الشك!.
ثم تأتي الضربة الأكثر وجعًا: (ألومها كتير،على التقصير إني مجتش على بالها)، يا لها من جملة بسيطة، لكنها تكشف أزمة كاملة! فالعاشق هنا لا يطالبها بأن تحبه أكثر، وإنما يطالبها فقط بأن تتذكره!.
وهنا يتحول الحب من حالة رومانسية إلى احتياج إنساني شديد البساطة: (لماذا لم آتِ على بالك؟

الوحدة مؤذية، هنا تبدأ الأغنية الحقيقية!
لكن (عبدالرحمن محمد) لا يكتفي بالعتاب، وإنما يتركنا أمام الجملة التي ربما تختصر الأغنية كلها:(في نص الليل يفيض بيا حقيقي الوحدة مؤذية)، هنا يتغير كل شيء!.
فالمشكلة لم تعد في الحبيبة وحدها، وإنما في الليل الذي يفتح أبواب الذاكرة، ويجعل الغائب حاضرًا أكثر من الحاضر نفسه.
ولعل أجمل ما في النص أن صاحبه لا يحاول اختراع صور شعرية متفلسفة، بل يتحدث بلغة الناس، وهذا تحديدًا ما يمنح الأغنية قدرتها على الاقتراب من المستمع.
ثم تأتي: (بشوف كل البنات هي)، ليصل العاشق إلى مرحلة يصبح فيها الحبيب معيار الجمال الوحيد، فلا يرى امرأة أخرى كما هي، وإنما يراها من خلال صورة المرأة الغائبة.
لكن الصدمة الأكبر: (وهي بعيد، وناسية أكيد، وأنا كل الوجع فيا)!، هنا تنكشف المعادلة القاسية، حبيبة غائبة، والحبيب يحمل كل الألم.

المفاجأة التي تقلب الأغنية رأسًا على عقب!
لو انتهت أغنية (نص الليل) عند هذا الحد، لكانت أغنية رومانسية حزينة أخرى عن الفراق والاشتياق، لكن النص يحتفظ بمفاجأته للنهاية.
فالعاشق يحاول أن يسترضيها قائلا : (وأفكرها إن هي الورد، أحلى الموجودين ع الأرض)، ثم يحاول أن يصل إليها:(هفرح لو تبطل عند، أفهمها وأكلمها).
ثم تأتي القاضية: (اتاري اتاري مافيش أساسًا حد، وهي ساكتة مش بترد)، وهنا نقول، مهلًا!، إذن كل هذا الحوار كان من طرف واحد!.
كل العتاب، وكل الغزل، وكل محاولات الإصلاح، وكل الأسئلة، لم تكن حوارًا حقيقيًا، وإنما كانت معركة يخوضها عاشق بمفرده!
وهذه أجمل مفارقات الأغنية، لأنها تنقلنا فجأة من الرومانسية إلى العبث العاطفي، رجل يتحدث، ويعاتب، ويبرر، ويغازل، بينما الطرف الآخر لا يقول شيئًا!

أحمد زعيم.. لم يزاحم الكلمة
أختار الملحن الموهوب (أحمد زعيم)، ألا يستعرض عضلاته اللحنية على حساب النص، وإنما بنى لحنًا من مقام (الكرد) وهو من المقامات العاطفية الرومانسية، التى يُعبر عن المشاعر العاطفية مثل الحب، والشجن، والرقّة، ليترك المساحة الأكبر للحالة ولصوت وائل جسار.
وهذا قرار مهم، لأن الأغنية لا تحتاج إلى لحن يستعرض نفسه، بقدر ما تحتاج إلى لحن يجعل المستمع يشعر بأنه يجلس وحده في منتصف الليل، يمسك هاتفه، وينتظر رسالة لن تأتي.
وهنا يأتي دورالموزع المتميز (عمرو الخضري) في التوزيع، الذي حافظ على الإطار الرومانسي للأغنية دون أن يطغى التوزيع على الحكاية الأساسية.
أما المطرب رائع الأحساس (وائل جسار)، فهو أمام منطقة يعرفها جيدًا،فهذا الصوت تحديدًا يمتلك قدرة نادرة على تقديم الأغنية العاطفية دون أن يحولها إلى صراخ أو مبالغة.
وفي (نص الليل) لا يغني (وائل جسار) عن رجل قوي يفرض نفسه على حبيبته، وإنما عن عاشق مكسور يحاول أن يفهم لماذا تُرك وحيدًا؟!
وهنا تبدو الجملة: (وأنا كل الوجع فيا)، وكأنها صُنعت خصيصًا لطريقة (وائل جسار) في الأداء، فهو لا يحتاج إلى أن يرفع صوته حتى يقول إنه متألم، يكفي أن يترك الجملة تستقر في صوته، ليصل الإحساس إلى المستمع.

الكليب.. عندما تصبح الوحدة صورة!
جاء الكليب جميل ومؤثر أضاف إلى الأغنية بعدًا بصريًا مهمًا، وارتدى من خلاله (وائل جسار) كل الملابس باللون الأسود، لأن فكرة (نص الليل) في حد ذاتها سينمائية، رجل، ليل، هاتف، انتظار، وامرأة غائبة، وهنا يصبح الكليب امتدادًا للحالة وليس مجرد صور مصاحبة للأغنية.
لكن يبقى السؤال الأكثر إثارة، هل نحن أمام قصة حب فعلية، أم أمام رجل صنع حبيبته داخل رأسه ثم جلس يحاسبها لأنها لا ترد؟! وهذه تحديدًا إحدى نقاط قوة النص، لأنه يترك مساحة للمستمع كي يفسر الحكاية بطريقته.
في النهاية، لا تقدم أغنية (نص الليل) فلسفة جديدة عن الحب، ولا تحاول أن تكون قصيدة عصية على الفهم، لكنها تفعل شيئًا ربما هو أصعب من ذلك كله، تلتقط لحظة ضعف يعرفها الجميع، لحظة يصبح فيها منتصف الليل أخطر من النهار، ويصبح الهاتف شاهدًا على الاشتياق، ويصبح الصمت إجابة أقسى من أي كلمة.
وهنا نجح (وائل جسار) في الإمساك بالخيط الرفيع بين الرومانسية والوجع، بينما نجح (عبدالرحمن محمد) في كتابة نص بسيط في مفرداته، عميق في حالته، ونجح (أحمد زعيم) في تحويل هذا الوجع إلى لحن قابل للعيش والبقاء في الذاكرة والوجدان، بينما جاء توزيع (عمرو الخضري) ليضع الإطار الموسيقي المناسب.
في النهاية (نص الليل) ليست أغنية عن امرأة لا ترد، إنها أغنية عن رجل يكتشف، في أسوأ ساعات الليل، أن أصعب أنواع الوحدة ليست أن تكون وحيدًا، وإنما أن يكون الشخص الذي تريده حاضرًا في كل شيء، إلا في حياتك!.