

بقلم الفنان التشكيلي الكبير: حسين نوح
(أشياء صغيرة كهذه).. فيلم عبقري كامل المفردات، لمخرج يعرف جيدًا ما قدمته القصة العبقرية، فقدم مجهودًا واضحًا ليقدمها بما يليق، بل تفوق على القصة الأصلية للأحداث، عن رواية الكاتبة الأيرلندية (كلير كيجان)، وأخرجها للسينما (الواعي) تيم ميلانتس.
فمنذ أول مشهد، والكاميرا من داخل مكتب مترب بغبار الفحم، بعد تترات تستعرض بوعي مقصود التركيز على الكنائس والمباني العتيقة والجو البارد.. (أشياء صغيرة كهذه) يكشف من خلال راهبات كاثوليكيات أُسندت إليهن في بعض الملاجئ المجدلية مهمة إعادة تأهيل فتيات تم تصنيفهن كمنبوذات، منهن من عملن بالبغاء، فيظهر لنا المخرج الماتع في مناخ معتم شتوي تسيطر عليه الأسلاك وتقاطعات فروع الأشجار في الخريف الجاف، إلا من بقايا ثلج يلتصق بالفروع.
المشهد الأول من داخل مكتب (بيل) تاجر الفحم، (كيليان ميرفي)، بعد حصوله على الأوسكار عن فيلم (أوبنهايمر).. (بيل) يتابع العمال في مركز توزيع الفحم، ويقود العربة لتوزيعه، والكاميرا تتابع خلفية العربة لتستعرض شوارع إحدى مدن بولندا في أوائل القرن العشرين، والفحم هو الطاقة، والبطل بيل داخل العربة ولا نراه، وكأنه في خصام معنا نحن المشاهدين أو مع أحداث العمل، وتلك قيمة مضافة في دلالات الصورة يعرفها رجال التصوير والمخرجون.


كيانات دينية تلتحف برداء ديني
تدور الأحداث ببطء مقصود وروتين لأب لخمس بنات وزوجة مشغولة.. قدم (أشياء صغيرة كهذه) العلاقة بين المظهر الديني وسيطرته، والواقع المر الظالم القاسي داخل كيانات تمثل كيانات دينية تلتحف برداء ومظهر ديني، ولكن بداخلها قسوة وقلة إنسانية، منها يدخل البعض كبطل الفيلم الذي يعمل في توزيع الفحم الأسود والسواد، ويغتسل دائمًا في أكثر من مشهد.
فهو الواقع النظيف والأبيض قلبًا، عكس الدير والمظاهر التي تبدو بيضاء، كمناخ المدينة والثلج وأصوات أجراس الكنائس، ولكن لدينا غربان سوداء وضعها المخرج في بعض الكادرات، ودائمًا يصور لنا الإوز الأبيض مجتمعًا يجري بجوار الدير الذي تعاني فيه الفتيات في المغسلة.
نتابع دائمًا (بيل) الأب وتصرفاته القلقة، ومنها الاستيقاظ فجرًا والجلوس أمام النافذة، يعاني الأرق.. ويتذكر طفولته وأمه التي ماتت، والتي يحمل اسمها، وحرمانه وهو صغير، وتجاهل متطلباته لضيق ذات اليد.
تسير الحياة والجلسات مع الزوجة أيلين (إلين والش) المهمومة بشؤون المنزل، والتي تتمنى شراء حذاء فلديها شنطة تناسبه. بالصدفة، إحدى المرات، يسلم (بيل) الفحم للمؤسسة المجدلية لرعاية الفتيات، يقابل الفتاة التي تطالبه أن يخرجها من هذا المكان وما به من معاناة، ويفشل في إخراجها، ويحاول مع الأم كبيرة الدير والمسؤولة، ويفشل، ويدرك أن الفتاة تعاني، ويحاول التوصل مع رئيسة الدير، الأخت ماري (إميلي واتسون).
ولكنها تحاول رشوته، بل تجعل صاحبه البار الذي يجتمع فيه عمال الفحم يحاول إقناعه أن يبعد عن الدير وصاحبته، فلديها من العلاقات والمال ما يدمره وأسرته وبناته، وعليه أن يبتعد عن المشاكل. بيل قليل الكلام، ومن ماضيه بداخله إنسان، وشعر بحنان وقرر إنقاذ البنت، بل ويأخذها معه لمنزله.
البرد، الفحم، الغربان، الكنيسة، القضبان، وبيل الإنسان لا يعرف من أباه، يكتشف الفساد ومعاناة النساء في الدير، ويزداد الأرق والتفكير العنيف، ويحاول أن يغتسل.. الكل يحتفل بعيد الميلاد، والرجال مغيبون يشربون الخمر، صاحبه في البار ينصحه بالبعد عن الراهبات؛ يقدمن خدمات للبلدة.. الضياع والبحث عن الحقيقة يلازم بيل، يصبح في لونج صغير الحجم، يشتري حذاء لزوجته، ومزج لوجهه.
الاحتفالات بالكريسماس، الصالون للحلاقة، ويتذكر طفولته واللعب مع والده على الثلج، وموت أمه، لونج وهو تائه. دلالات الصورة لتأكيد واقع وعوار الأحداث، ويتجه للدير وقطع على الإوز الأبيض، تأكيدًا لنزاهة وبياض قلب (بيل).


الخروج من واقع أليم
يبحث عن الفتاة وجحيم ما تعيشه، يتقرب من الفتاة ويخبرها أنه سيخرجها من تلك المعاناة، ويمشي بها وعلى يمينه البلد التي تعيش بين مظاهر باسم الدين والفقر والبارات، ويحملها على كتفه ويتجه صاعدًا في دلالة عن الخروج من واقع أليم.
يأخذها منزله، وقد وضع على كتفيها الجاكت الخاص به لتدفئتها.. المنزل مزين بجماليات الكريسماس والاحتفال الديني، يقدمها لزوجته وبناته، اليد في كلوز تأخذها.. فقد عانت العذاب والمعاناة.> نهاية مفتوحة يشارك فيها المشاهد ويفكر: ماذا سيحدث لبيل والفتاة والأبناء والزوجة؟
وهنا أتذكر مقولة كافكا: الرواية التي لا تصدمك وتجعلك تفكر لا تستحق القراءة.. أراد الكاتب واستوعب المخرج العبقري أن يصل بنا إلى أن نفكر حين نشاهد تلك التحفة الفنية، فنعرف أن بياض النفس البشرية قد يختبئ تحت سواد المظهر الخارجي، وسواد القلوب وقلة الإنسانية قد يختبئ تحت رداء ديني كمظهر.
لعبت الموسيقى لـ (سينيان جانسن) دورًا رائعًا في تغليف الأحداث، باستخدام تيمات إضافية للعمل، شجن ملائم للأحداث والدراما، وكذلك كان التصوير للمبدع (فرانك فان دن إيدن)، أما القيمة المضافة للفيلم فهي تأكيد أن الإنسانية قبل الأديان.. مصر تنطلق وتستحق.