300 عمل لا تكفي.. (أحمد بدير) يعود إلى الفيلم القصير جدًا من بوابة التكريم!

كتبت: سما أحمد
أحيانًا لا يكون التكريم مجرد درع يُسلَّم على خشبة المسرح، ولا صورة تلتقط أمام عدسات الكاميرات، وإنما يصبح محاولة لاستعادة عمر كامل من الحكايات، وهكذا يبدو المشهد مع الفنان الكبير (أحمد بدير)، الذي يستعد للوقوف في افتتاح الدورة الثالثة من مهرجان VS-FILM للأفلام القصيرة جدًا.
المهرجان تقرر إقامته يوم 28 أكتوبر المقبل بمحافظة السويس، بعدما قررت إدارته المهرجان تكريم الفنان الكبير (أحمد بدير) احتفاءً بمسيرة فنية تجاوزت خمسة عقود، قدم خلالها أكثر من 300 عمل في السينما والمسرح والتليفزيون والإذاعة.
لكن السؤال هنا ليس: لماذا يُكرَّم أحمد بدير؟.. السؤال الأكثر إثارة هو: كيف يمكن اختصار مشوار فنان امتد لأكثر من 55 عامًا في ليلة واحدة؟.. من (لقطة) إلى تاريخ كامل
أحمد بدير لم يكن يومًا فنان القالب الواحد.. فمنذ بداياته في سبعينيات القرن الماضي، ظل ينتقل بين الشخصيات والألوان الفنية، يقترب من الكوميديا دون أن يصبح أسيرًا لها، ويذهب إلى التراجيديا والميلودراما والدراما دون أن يفقد بصمته الخاصة.. وفي كل محطة كان يترك شيئًا منه داخل الشخصية، وهذه تحديدًا واحدة من أهم مفاتيح تجربة (أحمد بدير)؛ فالقيمة لم تكن في حجم الدور بقدر ما كانت في قدرته على أن يجعل الشخصية قابلة للتذكر.
قد تكون الشخصية رئيسية أو ثانوية، ساخرة أو مأساوية، هادئة أو صاخبة، لكن (أحمد بدير) يمتلك تلك القدرة النادرة على منحها ملامحها الخاصة، حتى تبقى في ذاكرة المشاهد بعد انتهاء العمل.

300 عمل.. ولكن الحكاية أكبر من الرقم
أكثر من 300 عمل فني رقم ضخم، لكنه لا يكفي وحده لشرح تجربة أحمد بدير، فالرجل الذي بدأ رحلته منذ عقود لم يكتفِ بالوجود أمام الكاميرا، وإنما خاض رحلة طويلة بين المسرح والسينما والتليفزيون والإذاعة، واختبر خلالها مدارس وأساليب وشخصيات متعددة.
ولهذا فإن تكريمه في مهرجان متخصص في الأفلام القصيرة جدًا يحمل مفارقة فنية لافتة؛ فصاحب المسيرة الطويلة يجد نفسه اليوم في قلب مهرجان يحتفي بفن يقوم على الاختزال، وعلى قدرة صانع الفيلم على قول الكثير في وقت قليل.
المفارقة لا تتوقف هنا.. فأحمد بدير لم يكن غريبًا عن عالم الأفلام القصيرة، بل خاض بالفعل أكثر من تجربة في هذا المجال، ويحتفظ بخصوصية كبيرة لتجربته في فيلم (موعد حياة)، الذي حصل من خلاله على جائزة أفضل ممثل من المهرجان السينمائي الأورو إفريقي بمدينة تزنيت في المغرب قبل نحو ثلاثة أعوام.
وهنا تصبح علاقة (أحمد بدير) بالمهرجان أكثر منطقية؛ فالفنان صاحب التجربة الممتدة لم يكتفِ بالمسافات الطويلة في مشواره، وإنما دخل أيضًا إلى منطقة الفيلم القصير، حيث لا توجد مساحة كبيرة للمراوغة.. هناك، في دقائق معدودة، يصبح على الممثل أن يقول الكثير بالقليل.
من جانبه، أعرب (أحمد بدير) عن اعتزازه بتكريم مهرجان VS-FILM له، مؤكدًا تقديره لإدارة المهرجان لاختياره ضمن مكرمي الدورة الثالثة، وأكد أن ما يمنح التكريم قيمة خاصة بالنسبة له هو صدوره عن مهرجان متخصص في الأفلام القصيرة جدًا، وإقامته على أرض محافظة السويس الباسلة.
كما أشار إلى أنه خاض أكثر من تجربة في الأفلام القصيرة، مؤكدًا اعتزازه بتجربة (موعد حياة)، التي حصل من خلالها على جائزة أفضل ممثل في المهرجان السينمائي الأورو إفريقي بمدينة تزنيت.
المفاجأة ليست في التكريم.. وإنما فيما سيحدث بعده.. ربما يكون أجمل ما في تكريم أحمد بدير أن المهرجان لا يريده مجرد اسم كبير على قائمة المكرمين، فبرنامج الدورة يتضمن لقاءً مفتوحًا مع الفنان، يلتقي خلاله بشباب وصناع الأفلام المشاركين، للحديث عن تجربته الطويلة وما تعلمه طوال أكثر من خمسة عقود من العمل في السينما والمسرح والدراما والإذاعة.
وهنا يتحول التكريم من احتفاء بالماضي إلى حوار مع المستقبل.. فالشباب الذين يقفون اليوم في بداية الطريق سيجلسون أمام فنان قطع الطريق كله تقريبًا، وعاش تفاصيل المهنة من الداخل، وعرف كيف تتغير الأذواق، وكيف تتبدل الشخصيات، وكيف يستطيع الفنان أن يستمر دون أن يفقد هويته.

قيمة فنية ثرية
وأكد الدكتور أسامة أبو نار، رئيس المهرجان، أن إدارة VS-FILM تحرص على تكريم القامات الفنية التي أسهمت في إثراء الحركة الفنية المصرية والعربية، وتركت أعمالًا وشخصيات لا تزال حاضرة في وجدان الجمهور.
وقال إن المهرجان يفخر بتكريم أحمد بدير، لما يمتلكه من قيمة فنية ثرية، مشيرًا إلى تنوع أعماله بين السينما والتليفزيون والمسرح والإذاعة، واستمرار حضوره عبر أجيال متعاقبة، وأضاف أن التكريم يأتي أيضًا في إطار اهتمام المهرجان بالتجارب التي تجمع بين التنوع والاستمرارية، وإتاحة الفرصة أمام الأجيال الجديدة للتعرف على مسيرة كبار الفنانين والاستفادة من خبراتهم.
وأكد زياد باسمير، المدير التنفيذي للمهرجان، أن برنامج تكريمات الدورة الثالثة يضم أسماء فنية كبيرة أسهمت في تشكيل الوجدان العربي من المحيط إلى الخليج، وأوضح أن المهرجان يسعى إلى تقديم نماذج فنية صاحبة تجارب ثرية للأجيال الجديدة من صناع السينما، مشيرًا إلى أن تكريم أحمد بدير يأتي تقديرًا لمسيرة فنان حافظ طوال مشواره على التنوع، وقدم تجربة امتدت عبر أجيال، ولفت إلى أن وجوده بين شباب المهرجان يمثل فرصة مهمة للتواصل بين الأجيال ونقل الخبرة الفنية.
في النهاية، قد يكون من الصعب اختصار (أحمد بدير) في لقب (فنان كبير)، لأن هذه العبارة وحدها لا تكفي أمام مسيرة بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي وما زالت مستمرة، فهذا الفنان لم يعش مرحلة واحدة من الفن المصري، وإنما عبر مراحل وتحولات متعددة، من زمن المسرح الذي كان يصنع النجوم، إلى السينما والتليفزيون، وصولًا إلى التجارب الجديدة التي تمنح الفيلم القصير جدًا مساحة أكبر للحضور.
ولهذا، عندما يصعد أحمد بدير إلى منصة مهرجان VS-FILM في السويس، لن يكون المشهد مجرد تكريم لنجم عن سنوات مضت.. سيكون احتفالًا بذاكرة فنية تمشي على قدمين.. تقف أمام شباب ما زالوا يكتبون السطر الأول من حكاياتهم، بينما يحمل هو في ذاكرته أكثر من نصف قرن من الحكايات.
وربما هنا تحديدًا تكمن (الضربة) الحقيقية: الفنان الذي قدم مئات الشخصيات، أصبح هو نفسه اليوم.. شخصية من أهم شخصيات ذاكرة الفن المصري.