من (حمانا) إلى القلوب.. (بلقيس) تغني للأمهات في (زهر ليمون)

كتبت: سما أحمد
ليست كل الأغنيات التي تحقق النجاح هي تلك التي تعتمد على الإيقاعات الصاخبة أو الرقصات المبهرة، فهناك أعمال تنتصر للإنسان قبل أن تنتصر للأرقام، وهذا ما فعلته النجمة (بلقيس) في أحدث أعمالها المصورة (زهر ليمون) الذي جاء أقرب إلى فيلم سينمائي قصير منه إلى فيديو كليب تقليدي، حاملاً رسالة إنسانية مؤثرة عن أم تناضل من أجل مستقبل ابنها، في عمل يفيض بالمشاعر الصادقة.
منذ اللحظة الأولى، يكتشف المشاهد أنه أمام تجربة مختلفة، لا توجد مبالغة في الاستعراض، ولا مطاردة للترند، بل هناك حكاية تُروى بهدوء، وصورة تتحدث أكثر مما تقول الكلمات.. وقد نجح المخرج دان حداد في تحويل الأغنية إلى رحلة بصرية تعتمد على التفاصيل الصغيرة التي تصنع المشاعر الكبيرة، مستفيدًا من الطبيعة الساحرة في بلدة حمانا اللبنانية، التي تحولت إلى بطل خفي يشارك في السرد الدرامي.
(بلقيس) هنا لا تؤدي الأغنية فقط، بل تعيشها، فملامحها، ونظراتها، وطريقة حضورها أمام الكاميرا، جاءت منسجمة مع روح الحكاية، لتؤكد أنها أصبحت أكثر نضجًا في اختياراتها الفنية، وأكثر قدرة على توظيف الصورة لخدمة المعنى، وليس العكس.
ولعل ما يميز (زهر ليمون) أنه يعيد الاعتبار لفكرة الكليب السينمائي، الذي كان حاضرًا بقوة في سنوات سابقة، قبل أن تسيطر الأعمال السريعة التي تعتمد على الإبهار البصري وحده. هنا، لكل لقطة وظيفة، ولكل مشهد دلالة، ولكل حركة معنى، وهو ما منح العمل قيمة فنية تتجاوز حدود الأغنية نفسها.

البقاء داخل منطقة آمنة
ومن يتابع مسيرة (بلقيس) يدرك أن هذا التطور لم يأتِ من فراغ، فمنذ انطلاقتها، أثبتت أنها لا ترغب في البقاء داخل منطقة آمنة، بل تبحث دائمًا عن مشروع جديد يضيف إلى رصيدها الفني.
ولدت (بلقيس أحمد فتحي) في أسرة موسيقية، فهي ابنة الموسيقار اليمني الكبير أحمد فتحي، الذي كان له أثر واضح في تكوينها الفني، ومع ذلك، لم تعتمد يومًا على اسم والدها، بل اختارت أن تصنع شخصيتها الخاصة، معتمدة على صوتها وثقافتها الموسيقية وقدرتها على التنقل بين المدارس الغنائية الخليجية والعربية.
وخلال سنوات قليلة، استطاعت أن تصبح واحدة من أبرز الأصوات النسائية في العالم العربي، مقدمة عشرات الأغنيات التي حققت انتشارًا واسعًا، كما وقفت على أهم المسارح العربية والدولية، وشاركت في حفلات ومهرجانات كبرى، لتصبح اسمًا حاضرًا بقوة في المشهد الغنائي.
ولم تكتفِ (بلقيس) بالأغنية الخليجية، بل وسعت آفاقها لتقدم أعمالًا باللهجات المصرية واللبنانية والعراقية والمغربية، مؤكدة أن الفن الحقيقي لا يعترف بالحدود الجغرافية.

البحث عن الفكرة
ما يلفت الانتباه في مسيرة (بلقيس) أنها لا تختار أعمالها بعشوائية. ففي كل مرحلة تحاول أن تقدم فكرة مختلفة، سواء في الموسيقى أو الصورة أو الرسالة.
ولهذا يبدو (زهر ليمون) امتدادًا طبيعيًا لهذا النهج، فهو عمل يراهن على المشاعر الصادقة، ويعيد تسليط الضوء على قيمة الأم باعتبارها البطلة الحقيقية في حياة كل إنسان.
وقد نجح السيناريو البصري في تقديم نموذج إنساني بسيط لكنه شديد التأثير، حيث تتحول رحلة الأم اليومية إلى ملحمة صغيرة من التضحية، دون خطابات مباشرة أو افتعال للمشاعر، وهو ما منح الكليب صدقه وقوته.
لعب المخرج دان حداد دورًا محوريًا في نجاح العمل، إذ اختار أن يبتعد عن الزخارف البصرية المعتادة، ويركز على لغة الصورة، مستفيدًا من الإضاءة الطبيعية والطبيعة اللبنانية الخلابة، ليخلق حالة بصرية دافئة تتناغم مع روح الأغنية.
وجاءت الكاميرا هادئة، تراقب الشخصيات أكثر مما تستعرضها، لتمنح المشاهد فرصة للتفاعل مع التفاصيل الإنسانية التي تشكل جوهر العمل.
بلقيس.. مشروع فني يتجدد
خلال السنوات الأخيرة، أثبتت (بلقيس) أنها ليست مجرد مطربة تمتلك صوتًا جميلًا، بل مشروع فني متكامل يسعى إلى التطور باستمرار، فهي تدرك أن المنافسة لم تعد تقوم على عدد الأغنيات فقط، بل على جودة الفكرة، وقيمة الرسالة، وقدرة الفنان على تقديم نفسه بصورة مختلفة في كل مرة.
ولهذا تبدو (زهر ليمون) خطوة جديدة في رحلة فنانة تعرف جيدًا كيف توازن بين النجاح الجماهيري والاحترام الفني، لتؤكد أن الأغنية العربية لا تزال قادرة على تقديم أعمال تمس القلب والعقل معًا.
وفي زمن أصبحت فيه السرعة عنوانًا للإنتاج الفني، اختارت بلقيس أن تتأنى، وأن تمنح جمهورها عملاً يحمل روحًا وقصة ورسالة، وربما لهذا السبب سيبقى (زهر ليمون) واحدًا من الأعمال التي لا تُشاهد مرة واحدة فقط، بل يعود إليها الجمهور كلما أراد أن يتذكر أن الفن الحقيقي يبدأ من الإنسان.. وينتهي إليه.