(عفاف راضي) تعود من (الذكريات).. صوت من زمن العمالقة يفتح دفتر العمر من جديد!


* بعد غياب عن الساحة الغنائية.. صاحبة الصوت الملائكي تستعيد الحنين وتقول: (قطر الحياة مرّ وعدّى)
كتب: محمد حبوشة
هناك أصوات لا تغيب.. حتى عندما تبتعد عن الساحة، تظل حاضرة في الذاكرة، وكأن الزمن لا يملك القدرة على أن يمحو أثرها، ومن بين هذه الأصوات تأتي الفنانة القديرة (عفاف راضي)، التي قررت أن تعود من جديد إلى جمهورها، لكن ليس بأغنية عابرة، وإنما بعمل يحمل عنوانًا يبدو وكأنه يلخص جانبًا كبيرًا من رحلتها الإنسانية والفنية: (الذكريات).
بعد فترة من الغياب عن الساحة الغنائية، طرحت (عفاف راضي) أحدث أعمالها، لتعيد فتح الباب أمام صوتها الدافئ الذي ارتبط في وجدان الجمهور بالرومانسية والرقي والإحساس.
الأغنية أصبحت متاحة عبر موقع يوتيوب ومنصات الموسيقى المختلفة ومواقع التواصل الاجتماعي ومحطات الراديو، وهي من كلمات محمد حارس، وألحان وتوزيع أيمن مصطفى، مع توزيع وتريات إيهاب عبد السلام، ومن توزيع شركة Digital Sound.
لكن اختيار (عفاف راضي) لأغنية تحمل اسم (الذكريات) يبدو في حد ذاته اختيارًا يحمل الكثير من الدلالات.. فهي فنانة تمتلك رصيدًا ضخمًا من الذكريات مع جمهورها.. ذكريات أغنيات.. وذكريات حفلات.. وذكريات زمن كان للصوت فيه قيمة مختلفة، وللكلمة مكانة، وللحن قدرة على البقاء سنوات طويلة في وجدان الناس.. وكأن (عفاف راضي)، وهي تعود إلى الغناء، قررت أن تصطحب جمهورها معها في رحلة عبر الزمن.


حوار هادئ بين الإنسان وماضيه
رحلة تقول فيها: (ويا الصور بنعيش حكايات.. ساعات بفرحة ساعات آهات..(قطر الحياة).. عندما يصبح العمر أغنية.. تبدو كلمات (الذكريات) وكأنها حوار هادئ بين الإنسان وماضيه.
الحب الأول.. الغربة.. السنوات التي مرت سريعًا.. الأيام التي أخذتنا بعيدًا.. والصور التي بقيت شاهدة على كل ما مضى.. تقول الأغنية: (قطر الحياة مرّ وعدّى.. وبين محطاته ما هدى).. وهى جملة تلخص إحساسًا يعرفه الجميع، لكن (عفاف راضي) تمنحه بصوتها الخاص، ذلك الصوت الذي يمتلك قدرة نادرة على تحويل الكلمات البسيطة إلى حالة وجدانية كاملة.
ثم تأتي صورة أخرى أكثر قسوة: (وإما وقفنا في رحلتنا.. رسمت سنينا التجاعيد).. هنا لا تغني عفاف عن الزمن فقط.. بل تغني عن الإنسان الذي يكتشف فجأة أن السنوات مرت، وأن قطار الحياة لم يتوقف لأحد.. لكن رغم الحنين والحزن، لا تبدو الأغنية مستسلمة للماضي، بقدر ما تبدو محاولة للتصالح معه.. فالذكريات، مهما كانت مؤلمة، تظل جزءًا من الحكاية.
(عفاف راضي).. صوت لم يشبه أحدًا.. عودة (عفاف راضي) تعيد إلى الواجهة سيرة واحدة من أبرز الأصوات النسائية في تاريخ الغناء المصري والعربي.. فهي تنتمي إلى جيل استطاع أن يضع الأغنية المصرية في مساحة واسعة من التنوع، وأن يجمع بين الحس الشرقي والتكوين الموسيقي الأكاديمي.
وامتلكت (عفاف راضي) منذ بدايتها صوتًا استثنائيًا، يجمع بين القوة والرقة، وبين القدرة على الأداء الطربي والتعبير الرومانسي، وهو ما جعلها مختلفة عن كثير من الأصوات التي ظهرت في زمنها.
لم تكن مجرد مطربة تقدم أغنيات عاطفية.. بل كانت صاحبة مشروع فني له ملامحه الخاصة.. صوتها الأوبرالي المميز منحها قدرة على الانتقال بين المقامات والألوان الغنائية، بينما حافظت في الوقت نفسه على روح الأغنية المصرية وإحساسها.
من الأكاديمية إلى عالم الغناء.. رحلة عفاف راضي لم تكن تقليدية.. فهي درست الموسيقى، وتكونت فنيًا بصورة أكاديمية، وهو ما انعكس على أدائها الذي جمع بين العلم والإحساس.. ومنذ ظهورها، استطاعت أن تلفت الأنظار بموهبتها، وأن تجد لنفسها مكانًا بين كبار المطربين والملحنين في عصرها.
وكانت واحدة من الفنانات اللواتي استفدن من المناخ الموسيقي الذي صنعه كبار الملحنين، فتعاملت مع أسماء مهمة، وقدمت مجموعة من الأغنيات التي رسخت حضورها في ذاكرة الجمهور.


واحدة من العلامات المميزة
ومع مرور السنوات، أصبحت (عفاف راضي) واحدة من العلامات المميزة في الأغنية المصرية، خاصة في اللون الرومانسي، حيث امتلكت قدرة نادرة على تقديم المشاعر دون مبالغة، وعلى الوصول إلى القلب بصوت هادئ لكنه شديد التأثير.
بين الحب والوطن والطفولة.. رحلة عفاف راضي لم تتوقف عند الأغنية العاطفية.. فقد قدمت ألوانًا متنوعة من الغناء، ونجحت في الاقتراب من الأغنية الوطنية، كما قدمت أعمالًا موجهة للأطفال، وهو جانب مهم في تجربتها الفنية، إذ استطاعت أن تستخدم صوتها وإحساسها في تقديم أغنيات بقيت قريبة من أجيال مختلفة.
وهذا التنوع جعلها فنانة يصعب وضعها في قالب واحد.. فهي مطربة رومانسية.. ومؤدية تمتلك أدوات أكاديمية.. وفنانة قادرة على تقديم الأغنية الوطنية.. وصوت يعرف كيف يخاطب الطفل بالبساطة نفسها التي يخاطب بها العاشق.
حين غنت (عفاف راضي) للمسرح والشاشة.. ولم تكن الموسيقى وحدها ملعب عفاف راضي.. فقد خاضت أيضًا تجارب في التمثيل والغناء الدرامي، وظهرت في أعمال فنية جمعت بين الأداء التمثيلي والصوت الغنائي، لتثبت أن موهبتها لم تكن محصورة في الوقوف أمام ميكروفون.
لكن الغناء ظل دائمًا هو المساحة التي تشعر فيها بأنها في بيتها الحقيقي.. هناك.. حيث الكلمة واللحن والصوت.. العودة التي تحمل وعدًا جديدًا.. ربما لهذا السبب تبدو عودة عفاف راضي اليوم مختلفة.. فهى لا تعود لتقول إنها تريد منافسة أحد.. ولا لتثبت أنها ما زالت قادرة على الغناء.. هى تعود لأنها ببساطة لا تريد أن تطول المسافة بينها وبين جمهورها.
وقد أعربت عن سعادتها بالعودة إلى جمهورها في مصر والوطن العربي، مؤكدة أنها لا تريد الابتعاد عنه لفترات طويلة، وأنها ستعود من وقت لآخر بأعمال جديدة.. وهذا الوعد ربما يكون أجمل ما في الحكاية.. فالجمهور الذي أحب صوت عفاف راضي طوال سنوات طويلة، لا يريد منها أكثر من أن يسمعها.. حتى لو جاءت أغنية واحدة كل فترة.. المهم أن يظل الصوت حاضرًا.
(الذكريات).. أغنية تشبه صاحبتها.. اختارت عفاف راضي أن تعود بأغنية تتحدث عن الزمن.. عن الصور.. عن الحب الأول.. عن الغربة.. عن السنوات.. عن التجاعيد التي ترسمها الأيام.. وعن الحنين الذي يملأ الصمت.


ويا الصور بنعيش حكايات
وكأن الأغنية كتبت خصيصًا لفنانة عاشت عقودًا من الفن، وشاهدت أجيالًا كاملة تتغير، لكنها ظلت محتفظة بصوتها ومكانتها.. (ويا الصور بنعيش حكايات).. ربما هذه هي الحكاية كلها.. عفاف راضي اليوم تنظر إلى صور رحلتها، فتجد فيها الكثير من الحكايات.
أغنيات.. حفلات.. ملحنين كبار.. جمهورًا أحبها.. وأجيالًا كبرت وهي تسمع صوتها.. لكنها، رغم كل ذلك، لا تريد أن تكتفي بالماضي.. بل تقول لجمهورها إن القادم قد يحمل المزيد..؟.. فبعد أن غنت عن (الذكريات).. ربما يكون أجمل ما في الحكاية أن عفاف راضي نفسها قررت ألا تتحول إلى ذكرى.
هي تعود.. وتفتح دفتر الزمن من جديد.. وتثبت أن بعض الأصوات، مهما مرّ عليها العمر، لا يكبرها الزمن.. بل يمنحها مزيدًا من العمق.. وهكذا، يعود صوت عفاف راضي بأغنية (الذكريات).. لتقول لنا إن (قطر الحياة مرّ وعدّى) فعلًا.. لكن بعض الأصوات لا تنزل من القطار.. تبقى معنا.. في كل محطة.. وفي كل صورة.. وفي كل ذكرى جميلة.