
* الثقافة المصرية.. من موردٍ للقوة الناعمة إلى موردٍ للقوة الاقتصادية
بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد
تناثرت أقوال من بعض وزراء (الثقافة) – وبالتحديد من جاؤوا بعد 2018 – حول تحويل وزارة الثقافة من وزارة خدمات إلى وزارة منتجة، دون أن يقولوا لنا كيف؟.. فلقد ظن البعض منهم أن مهمتهم هي تحويل أنشطة الوزارة من أنشطة مجانية إلى أنشطة بمقابل، أو ربما كانت توجيهات حكومية لهم، وتلك كانت كارثة.
فهؤلاء لم يفهموا الفرق بين النظر إلى (الثقافة) باعتبارها نشاطًا يستهلك من الموازنة العامة، وبين النظر إليها باعتبارها نشاطًا يمكن أن يكون مصدرًا للقوة الاقتصادية، وهو ما نصت عليه رؤية 2030 في مجال الثقافة.
فالمسرحية، مثلًا، ليست مجرد نص يكتبه مؤلف، وممثل يقف على خشبة، وجمهور يجلس في الظلام ساعتين ثم ينصرف.. وراء المسرحية صناعة كاملة تبدأ من الكتابة والإنتاج، وتمر بالإخراج والتمثيل والموسيقى والديكور والإضاءة والصوت والتقنيات المسرحية والتسويق والتوزيع وإدارة المسارح، ثم تمتد إلى النشر والتوثيق والتسجيل والمنصات الرقمية وحقوق الملكية الفكرية.
وكل حلقة من هذه السلسلة تخلق عملًا، وكل عمل يخلق قيمة، وكل قيمة يمكن أن تتحول إلى عائد اقتصادي، وحين ننظر إلى المسرحية بهذه الصورة، نكتشف أننا لا نتحدث عن عرض فني فحسب، وإنما عن سلسلة اقتصادية كاملة تبدأ بالإبداع ولا تنتهي بانتهاء العرض.
وهذا هو الفارق بين أن تكون (الثقافة) نشاطًا وبين أن تصبح صناعة، ففي الحالة الأولى تنفق الدولة على إنتاج عمل ثم ينتهي أثره بانتهاء الموسم، أما في الحالة الثانية فإن المنتج الثقافي يمكن أن يعيش أكثر من حياة، فالمسرحية التي تعرض على الخشبة يمكن تسجيلها وإتاحتها رقميًا، ويمكن أن تنتقل إلى محافظات أخرى.

باب جديد من أبواب الإنفاق
ويمكن ترجمتها وعرضها خارج مصر، ويمكن نشر نصها، ويمكن استثمار موسيقاها وحقوقها، ويمكن أن تتحول إلى مادة تعليمية أو محتوى رقمي، والكتاب لا يتوقف عند النسخة الورقية، والتراث لا يتوقف عند قطعة محفوظة في متحف، والفيلم لا تنتهي حياته بانتهاء عرضه الأول.
هنا فقط تصبح الثقافة اقتصادًا، وهنا فقط يصبح حديث الدولة عن الصناعات الثقافية حديثًا عن مورد يمكن أن ينمو، لا عن باب جديد من أبواب الإنفاق.
ومصر، في هذا المجال، لا تبدأ من الصفر، فهي تمتلك ما يمكن أن تسميه الدول الأخرى رأس مال ثقافيًا متراكمًا: تاريخًا وتراثًا، ومؤسسات ثقافية، ومدارس فنية، وكتابًا ومبدعين، وموسيقيين وممثلين ومخرجين، وسوقًا عربية واسعة تتحدث اللغة نفسها، واسمًا ثقافيًا ظل لعقود عنصرًا من عناصر القوة الناعمة المصرية.
ولكن امتلاك رأس المال الثقافي لا يعني تلقائيًا امتلاك الصناعة الثقافية، فالثروة التي لا تستثمر تظل ثروة كامنة، والموهبة التي لا تجد سوقًا قد تتحول إلى طاقة مهدرة، والتراث الذي لا يتحول إلى منتج قابل للحياة قد يبقى محفوظًا في الذاكرة، بينما تتحول قيمته الاقتصادية إلى فرصة ضائعة.
ليس المطلوب بالطبع أن تتحول المؤسسات الثقافية الحكومية إلى شركات تجارية، ولا أن تقاس قيمتها بالأرباح وحدها، فهذا يتناقض مع وظيفتها الاجتماعية، لكن المطلوب أن تتعلم كيف تدير أصولها الثقافية بكفاءة.
فالمسرح الذي لا يعمل إلا بضع ليالٍ في الشهر أصل معطل، والمبنى الثقافي الذي يستهلك رواتب وصيانة دون نشاط مؤثر يحتاج إلى مراجعة، والفرقة التي تنتج عرضًا واحدًا ثم تتوقف تحتاج إلى نموذج تشغيل مختلف، والمتحف الذي يحفظ مقتنياته ولا يصل إليها الجمهور يخسر جزءًا من وظيفته.. فالثقافة العامة لا يجب أن تتحول إلى تجارة، لكنها أيضًا لا يجب أن تتحول إلى اقتصاد بلا حساب.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس أن تنتج الدولة مزيدًا من الأعمال فقط، وإنما أن تبني البيئة التي تجعل العمل الثقافي قابلًا لإعادة الإنتاج والاستثمار والانتشار. وهذا يعني أن ننظر إلى المسرح، والسينما، والموسيقى، والنشر، والمتاحف، والحرف التراثية، والمحتوى الرقمي، بوصفها قطاعات اقتصادية لها احتياجاتها الخاصة، وليس مجرد أنشطة متفرقة داخل موازنة وزارة الثقافة.
فالمؤسسة الثقافية التي لا تعرف جمهورها، ولا تملك بيانات عن سلوكه، ولا تعرف تكلفة المنتج، ولا تقيس العائد، ولا تملك خطة لتوزيعه، لا تستطيع أن تتحدث عن صناعة.


الرؤية المصرية (2030)
لقد جاءت التكنولوجيا لتفتح بابًا جديدًا يمكن أن يغير المعادلة كلها، فالمشكلة القديمة للمسرح كانت أن عدد الجمهور لا يمكن أن يتجاوز عدد المقاعد، أما اليوم فقد يستطيع العرض نفسه أن يتجاوز جدران المسرح إلى جمهور لا تحده سعة القاعة.
والرؤية المصرية (2030) تحدثت صراحة عن التحول إلى الثقافة الرقمية واستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في رفع الوعي الثقافي. وهذا يعني أن الرقمنة ليست مجرد إضافة تقنية، وإنما يمكن أن تكون جزءًا من النموذج الاقتصادي للثقافة.
يمكن للعرض المسرحي أن يعيش رقميًا بعد انتهاء موسمه، ويمكن للمتحف أن يفتح أبوابه افتراضيًا لمن لا يستطيع زيارته، ويمكن للكتاب أن يصل إلكترونيًا إلى قارئ خارج مصر، ويمكن للتراث أن يتحول إلى محتوى تعليمي وسياحي، ويمكن للموسيقى المصرية أن تصل إلى أسواق عربية وأفريقية وعالمية لم تكن تستطيع الوصول إليها بالوسائل التقليدية.
وهنا تتحول التكنولوجيا من وسيلة لتوزيع الثقافة إلى وسيلة لتوسيع السوق الثقافية نفسها، لكن هذا كله يحتاج إلى عقل مختلف في الإدارة.
نحن في حاجة إلى أن نسأل عن العائد الثقافي والاقتصادي لكل مشروع، لا بمعنى اختزال (الثقافة) في المال، وإنما بمعنى معرفة ما الذي أنفقناه وما الذي حصلنا عليه.. كم شخصًا وصل إليه المشروع؟ كم محافظة استفادت منه؟ كم شابًا عمل فيه؟ كم إيرادًا حققه؟ هل يمكن إعادة استخدام المنتج؟
هل يمكن تصديره؟ هل يمكن تحويله إلى محتوى رقمي؟ هل أضاف شيئًا إلى السياحة؟ هل ساهم في نشر المعرفة؟ وهل وصل إلى الفئات التي تقول الرؤية إن العدالة الثقافية تستهدفها؟ هذه الأسئلة ليست تجارية، إنها أسئلة إدارة حديثة للثقافة.
وهذا يقودنا إلى نقطة أخرى شديدة الأهمية: أن الصناعات الثقافية لا تنمو بالتمويل الحكومي وحده.
ولهذا حديث آخر…