

كتب: مروان محمد
هناك فنانون يصنعون نجوميتهم من خلال الأضواء، وهناك آخرون تصنعهم خشبة المسرح في الظل، بعيدًا عن صخب الشهرة وبريقها.. والفنانة (عايدة فهمي) تنتمي بوضوح إلى النوع الثاني.
فهي واحدة من الفنانات اللواتي اخترن الطريق الأصعب، وقررن أن يضعن الفن أولًا، حتى لو كان الثمن سنوات طويلة بعيدًا عن البطولة المطلقة أو الأدوار التي تصنع النجومية السريعة.
لكن بعد مشوار طويل، يبدو أن (عايدة فهمي) قررت أن تفتح صفحات من كتاب حياتها الفنية، وأن تتحدث بصراحة عن أشياء كثيرة ظلت لسنوات حبيسة الكواليس.
وخلال حلولها ضيفة على برنامج (ورقة بيضا) الذي تقدمه الإعلامية يمنى بدراوي عبر قناة النهار، كشفت (عايدة فهمي) عن رؤيتها لمشوارها الفني، وعلاقتها بالمسرح، وأسباب ابتعادها عن مناطق الشهرة، كما تحدثت عن مصطفى شعبان وأحمد العوضي ومسرح مصر، ووجهت رسالة إلى أشرف زكي.
لكن أكثر تصريحاتها إثارة كان اعترافها الصريح: لم آخذ حقي الفني حتى الآن!.. جملة قد تبدو للوهلة الأولى شكوى من الوسط الفني، لكن (عايدة فهمي) سرعان ما وضعت الأمور في نصابها، مؤكدة أنها لا تلوم أحدًا على عدم حصولها على المكانة التي كانت تستحقها.
وقالت بوضوح: (لم آخذ حقي الفني حتى الآن، لكن لا ألوم أحدًا، أنا التي اخترت أن أبتعد سنوات طويلة عن مناطق الشهرة والفلوس وأتفرغ للمسرح).
وهنا تبدو الحكاية أكثر تعقيدًا.. فالفنانة التي كان يمكن أن تسلك طريق الشهرة السريعة، اختارت أن تنحاز إلى المسرح، ذلك العالم الذي لا يمنح صاحبه بالضرورة نجومية جماهيرية واسعة، لكنه يمنحه شيئًا آخر أكثر عمقًا: الخبرة والانضباط والقدرة على الوقوف أمام الجمهور الحقيقي.

(عايدة فهمي) التي يعرفها الجمهور
ولهذا تقول (عايدة فهمي): (المسرح رباني قبل أن يعلمني التمثيل!).. فالمسرح بالنسبة إليها لم يكن مجرد مكان لتقديم العروض، وإنما مدرسة للحياة، علمها الالتزام واحترام الجمهور والكلمة، وصقل أدواتها كممثلة.
ورغم أنها تعترف اليوم بأنها لو عاد بها الزمن ربما كانت ستبحث عن توازن أكبر بين المسرح والتلفزيون، فإنها لا تبدو نادمة على السنوات التي منحتها لخشبة المسرح.. بل ربما ترى أن تلك السنوات هى التي صنعت (عايدة فهمي) التي يعرفها الجمهور اليوم.
ومن المسرح إلى الدراما، توقفت (عايدة فهمي) عند تجربتها مع الفنان مصطفى شعبان في مسلسل (درش)، كاشفة عن سر نجاح الشخصية التي قدمتها، من وجهة نظرها.
لم تضع السر في السيناريو وحده.. ولا في الإخراج.. ولا حتى في الأداء الفردي.. بل تحدثت عن (الكيمياء الإنسانية) التي نشأت بينها وبين مصطفى شعبان خلف الكاميرا.
وقالت: (سر نجاح الشخصية كان الكيمياء بيني وبين مصطفى شعبان، والحالة الجميلة اللي كانت بينا في الكواليس وصلت للجمهور).
ثم ذهبت أبعد من ذلك، عندما وصفت مصطفى شعبان بأنه (نجم بكل المقاييس)، مشيدة بثقافته وطريقة تفكيره، مؤكدة أن الحديث معه في الكواليس يحمل قيمة وفكرًا، وليس مجرد كلام عابر.
وهنا تكشف عايدة عن واحدة من أهم أسرار التمثيل.. فالكيمياء بين الممثلين لا تُصنع دائمًا أمام الكاميرا، وإنما تبدأ في الكواليس، من طريقة التعامل والانسجام الإنساني، ثم تنتقل إلى الشاشة دون أن يشعر الجمهور كيف حدث ذلك.
أما الفنان أحمد العوضي، فكان له نصيب من رسائل (عايدة فهمي)، لكنها هذه المرة حملت نصيحة فنية واضحة.. فهي ترى أن العوضي يمتلك قدرات تمثيلية أكبر من المنطقة التي أصبح الجمهور يعتاد رؤيته فيها.
وقالت: (أحمد العوضي ممثل مهم، وأتمنى يخرج من منطقة البطل الشعبي ويقدم شخصيات مختلفة، لأنه يملك إمكانات أكبر من حصره في لون واحد).. رسالة تبدو في ظاهرها نصيحة، لكنها في جوهرها شهادة من فنانة صاحبة خبرة طويلة، ترى أن النجم الحقيقي لا يجب أن يصبح أسيرًا للصورة التي نجح بها.
فالجمهور قد يحب البطل الشعبي.. لكن الممثل الحقيقي، في رأي عايدة، هو من يستطيع أن يفاجئ جمهوره بشخصية لم يتوقعها.

المسرح الذي تؤمن به
وعندما جاء الحديث عن تجربة (مسرح مصر)، لم تنكر (عايدة فهمي) نجاح التجربة أو قدرتها على جذب الجمهور، لكنها في الوقت نفسه فرقت بين المسرح الذي يحقق الترفيه والمسرح الذي تؤمن به.
وقالت إن (مسرح مصر) تجربة ترفيهية ناجحة أسعدت الجمهور، لكنها لا تمثل المسرح الذي تؤمن به، مؤكدة أن المسرح بالنسبة إليها يجب أن يجمع بين الترفيه والرسالة.
وهنا يظهر الفارق بين رؤيتين.. مسرح يريد أن يضحك الجمهور فقط.. ومسرح يريد أن يضحكه، ثم يترك داخله سؤالًا أو فكرة.
و(عايدة فهمي)، التي تربت فنيًا على خشبة المسرح، تبدو أقرب إلى النوع الثاني.
رفضت الجرأة.. رغم أهمية الأدوار.. ومن أكثر الملفات حساسية التي تحدثت عنها (عايدة فهمي) ، موقفها من بعض الأدوار الجريئة التي عرضت عليها وقررت الاعتذار عنها، لكنها لم تقدم الأمر باعتباره موقفًا أخلاقيًا من الآخرين، بل باعتباره قرارًا شخصيًا يخصها وحدها.
وقالت:(رفضت أدوارًا مهمة لأنها لم تكن تشبهني، وكان عندي التزام داخلي تربيت عليه، ولم أستطع أن أقدم شيئًا لا أقتنع به).
وهنا تؤكد عايدة أن الفنان قد يربح دورًا، لكنه قد يخسر نفسه إذا قدم شخصية لا تشبه قناعاته.. وربما لهذا السبب اختارت أن تدفع ثمنًا مهنيًا، وأن تبتعد عن بعض الفرص، لكنها في المقابل حافظت على صورتها أمام نفسها قبل الجمهور.
وعندما وصلت إلى ظاهرة (نمبر وان) لم تتردد (عايدة فهمي) في إعلان موقفها.. هى ببساطة لا تؤمن بأن الفن يمكن أن يكون له رقم واحد فقط، وترى أن الساحة الفنية تتسع للجميع، وأن النجومية الحقيقية لا تُمنح بالألقاب ولا تُفرض عبر الدعاية، وإنما يصنعها الجمهور.
وقالت: (لا أؤمن بفكرة نمبر وان، لأن الفن مليء بالنجوم، والنجاح الحقيقي هو الذي يمنحه الجمهور).. كلمات تختصر فلسفة فنانة عاشت سنوات طويلة في الوسط الفني، ورأت نجومًا يصعدون وآخرين يختفون، لكنها تؤمن أن ما يبقى في النهاية ليس اللقب، وإنما الأثر.

رسالة إلى أشرف زكي
وفي نهاية اللقاء، لم تنسَ (عايدة فهمي) أن توجه رسالة إلى الدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، أشادت خلالها بدوره الإنساني مع الفنانين.
وقالت: (أوصي الدكتور أشرف زكي أن يهتم بنفسه ويخفف من أعبائه، لأنه يقدم إنسانيات كبيرة للفنانين ولغيرهم، وربنا يحفظه ويخليه لنا).
وبين اعتراف مؤلم بأنها لم تحصل على حقها الفني، وفخرها بالمسرح، وإشادتها بمصطفى شعبان، ونصيحتها لأحمد العوضي، وموقفها من الجرأة و(نمبر وان)، بدت (عايدة فهمي) في هذا اللقاء وكأنها تفتح بابًا واسعًا على رحلة فنانة اختارت أن تمشي في طريقها الخاص.
طريق ربما لم يمنحها كل ما تستحقه من شهرة.. لكنه منحها شيئًا آخر.. احترام الجمهور.. واحترامها لنفسها.
وربما كانت رسالتها الأهم، من بين كل ما قالته، هى: (أن الفن ليس سباقًا على لقب، ولا مجرد أرقام، ولا طريقًا إلى الشهرة والمال فقط.. الفن، كما يبدو من حكاية (عايدة فهمي) هو أن تظل قادرًا على النظر إلى المرآة بعد كل هذه السنوات.. وتقول لنفسك: (قد لا أكون أخذت كل حقي.. لكنني لم أخسر نفسي).