من بغداد إلى العالم.. السيمفونية الوطنية العراقية تستعيد (بوليرو) بعد 41 عامًا

كتبت: صبا أحمد
لم تكن ليلة الخميس 10 سبتمبر مجرد أمسية موسيقية عابرة على خشبة المسرح الوطني العراقي، فبغداد فتحت أبوابها من جديد أمام روائع الموسيقى العالمية، فيما حملت الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية جمهورها نغمات (بوليرو) في رحلة بين فيردي ورافيل وسميتانا وخاتشاتوريان وليست، في مشهد يؤكد أن الموسيقى قادرة على اختصار المسافات بين الشعوب والثقافات.
وبقيادة المايسترو محمد أمين عزت، أحيت الفرقة أمسية استثنائية ضمن برنامجها لشهر سبتمبر، بحضور وزيرة الثقافة والسياحة والآثار سروة عبد الواحد، ووكيل الوزارة للشؤون الثقافية الدكتور فاضل البدراني، وعدد من النواب وأعضاء البعثات الدبلوماسية والأجنبية والشخصيات الثقافية والفنية، إلى جانب جمهور من محبي الموسيقى العالمية.
وقبل أن تنطلق نغمات (بوليرو)، توقفت القاعة للحظات أمام ذكرى المايسترو عبد الرزاق العزاوي، حيث استُهلت الأمسية بالوقوف دقيقة صمت ترحمًا على روحه، ثم تبدل المشهد تمامًا، وتحولت الخشبة إلى مساحة مفتوحة على الموسيقى العالمية، لتقدم الفرقة مجموعة من الأعمال التي رسخت مكانتها في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية.
وكان الموعد مع (قوة القدر) لجوزيبي فيردي، و(بوليرو) لموريس رافيل، و(رقصة المهرجين)، و(فلتافا المولداف) لبيدريش سميتانا، إلى جانب (أداجيو من باليه سبارتاكوس وفريجيا) لآرام خاتشاتوريان، و(تشارداس)لفيتوريو مونتي، و(الرابسودية المجرية رقم 2) لفرانز ليست.

(بوليرو) تعود بعد 41 عامًا
لكن بين كل هذه الأعمال، كانت هناك لحظة تحمل مذاقًا خاصًا، فبعد نحو 41 عامًا، عادت (بوليرو) إلى خشبة الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية، ولكن هذه المرة حملت العودة معها ذاكرة فنية وإنسانية أيضًا.
فقد شارك عازف الإيقاع الفنان عبد العظيم صبري في أداء المقطوعة، بعدما سبق له المشاركة في تقديمها قبل أكثر من أربعة عقود، لتصبح الأمسية بمثابة لقاء نادر بين الماضي والحاضر.
ولم تكتفِ الفرقة بإعادة تقديم العمل، وإنما حرصت على تكريم عبد العظيم صبري تقديرًا لمسيرته الفنية، في لفتة تختصر قيمة الذاكرة الموسيقية وأهمية الاحتفاء بمن ساهموا في صناعة تاريخ الفرقة، كما شارك عازف الكمان غسان محمد في مرافقة الفرقة، ليكتمل المشهد الموسيقي الذي جمع أجيالًا وتجارب مختلفة فوق خشبة واحدة.
الأمسية لم تكن مجرد استعراض لقدرات الفرقة الفنية، وإنما حملت رسالة ثقافية واضحة، وأكد الوكيل الثقافي لوزارة الثقافة أن الموسيقى والفنون تؤدي دورًا مهمًا في تعزيز قيم السلام والاستقرار، معتبرًا أن إقامة مثل هذه الفعاليات تمثل رسالة ثقافية وحضارية تؤكد انفتاح العراق على العالم، ودعم الوزارة للأنشطة التي ترسخ ثقافة الجمال والتعايش والسلام.
وهنا تبدو الموسيقى أكبر من مجرد نغمات تُعزف على المسرح؛ فهي لغة لا تحتاج إلى ترجمة، تستطيع أن تجمع المختلفين حول إحساس واحد، وأن تقدم صورة أخرى عن العراق، صورة الثقافة والفن والجمال.
أما المايسترو محمد أمين عزت، قائد الأمسية، فرأى أن الحفل يمثل محطة فنية مميزة ضمن برنامج الفرقة لشهر أيلول، مشيرًا إلى خصوصية إعادة تقديم (بوليرو)، بمشاركة الفنان عبد العظيم صبري.
ولعل هذه المشاركة كانت واحدة من أكثر لحظات الأمسية دلالة، لأنها لم تستعد عملًا موسيقيًا قديمًا فقط، وإنما استدعت معه ذاكرة فنان وذاكرة فرقة وذاكرة جمهور، فما حدث على المسرح لم يكن مجرد إعادة عزف لمقطوعة شهيرة، وإنما محاولة لربط ما كان بما هو كائن، وإثبات أن الذاكرة الفنية يمكن أن تعود إلى الحياة متى وجدت من يحفظها ويعيد تقديمها.

روح عراقية في الموسيقى العالمية
من جانبه، أشاد مدير عام دائرة الفنون الموسيقية الدكتور فائز طه سالم العبيدي بالمستوى الفني للأمسية، مؤكدًا أن الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية تواصل، بما تمتلكه من تاريخ فني عريق، تقديم روائع الموسيقى العالمية بروح عراقية.
وهذه الروح تحديدًا هي ما يمنح التجربة خصوصيتها؛ فالعراق لا يكتفي باستقبال الموسيقى العالمية، وإنما يقدمها من خلال مؤسساته وفنانيه وجمهوره، لتصبح بغداد نقطة لقاء بين تراث موسيقي عالمي وجمهور عراقي يعرف قيمة الفن.
في النهاية، كانت أمسية السيمفونية الوطنية العراقية أكثر من حفلة موسيقية.. كانت رسالة تقول إن بغداد، التي ارتبط اسمها بتاريخ طويل من الثقافة والفنون، لا تزال قادرة على أن تجعل المسرح مساحة للقاء الحضارات.
ومن (قوة القدر) إلى (بوليرو)، ومن سميتانا إلى ليست، عاشت القاعة ليلة تداخل فيها عبق الموسيقى العالمية مع الذاكرة العراقية، أما عودة (بوليرو) بعد 41 عامًا، فكانت بمثابة القلب النابض للأمسية؛ لحظة أعادت الزمن إلى الوراء قليلًا، ثم أعادته إلى الحاضر من جديد.
وهكذا، عزفت السيمفونية الوطنية العراقية من بغداد.. لكن صدى موسيقاها كان أبعد من حدود المكان.. فحين تعزف بغداد، لا تتحدث الموسيقى عن الماضي وحده.. وإنما تفتح نافذة جديدة للعراق على العالم.