رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

من القاهرة لتل أبيب (جدعون ليفي) ليس استثناء وسيناء خط أحمر !

من القاهرة لتل أبيب (جدعون ليفي) ليس استثناء وسيناء خط أحمر !
محاولة لإضفاء قدر من الاعتيادية على حضور شخصيات إسرائيلية في الإعلام المصري
من القاهرة لتل أبيب (جدعون ليفي) ليس استثناء وسيناء خط أحمر !
أحمد الغريب

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد الغريب

لم تكن الأزمة التي أثارتها استضافة الصحفي الإسرائيلي (جدعون ليفي) في برنامج للإعلامي (إيهاب قاسم) على قناة (القاهرة والناس) مجرد خلاف حول أداء إعلامي أو خطأ مهني في إدارة حوار تلفزيوني، بل تحولت في غضون ساعات إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش داخل مصر.

تصاعدت موجة الغضب بسرعة البرق عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأعقبها حذف القناة لمداخلة (جدعون ليفي)، ثم تدخل نقابة الإعلاميين بإيقاف مقدم البرنامج وإحالته إلى التحقيق، بينما انتقلت أصداء الأزمة إلى الإعلام الإسرائيلي والعربي.

لتصبح نموذجًا جديدًا للفجوة العميقة بين الموقف الشعبي المصري من إسرائيل وبين أي محاولة لإضفاء قدر من الاعتيادية على حضور شخصيات إسرائيلية في الإعلام المصري.

الأزمة التي بدأت مع استضافة (جدعون ليفي) في مداخلة هاتفية تناولت الحرب في غزة والأوضاع داخل إسرائيل، اعقبها حالة من الذي لم يتوقف عند مجرد الاستضافة، وإنما انفجر عقب تصريح قال فيه (إن هناك إسرائيليين لا ينظرون إلى سيناء باعتبارها أرضًا مصرية، وإنما يرونها أرضًا لا تتبع أحدًا).

ربما مرت تصريحات (جدعون ليفي) دون تفنيد مباشر من مقدم البرنامج، لكن الجمهور المصري رفض وبشدة ترك هذه الرواية دون رد يمثل تقصيرًا مهنيًا، خاصة أن القضية تتعلق بالسيادة المصرية على جزء عزيز من أراضي الدولة.

لذلك لم يكن مستغربًا أن تتحول الواقعة سريعًا إلى قضية رأي عام تجاوزت حدود البرنامج نفسه لتطرح أسئلة أوسع حول حدود استضافة الشخصيات الإسرائيلية في الإعلام المصري.

من القاهرة لتل أبيب (جدعون ليفي) ليس استثناء وسيناء خط أحمر !

من القاهرة لتل أبيب (جدعون ليفي) ليس استثناء وسيناء خط أحمر !
لم يتراجع (جدعون ليفي) عن مواقفه المعروفة في انتقاد الحكومة الإسرائيلية وسياساتها تجاه الفلسطينيين

ما وراء حديث ليفي؟

منذ اندلاع الأزمة، حاول الإعلام الإسرائيلي من جانبه تقديمها باعتبارها دليلًا على حساسية المجتمع المصري تجاه أي ظهور لشخصية إسرائيلية، وأبرزت تقاريره أن الأزمة انتهت بحذف المقابلة وفتح تحقيق مع مقدم البرنامج.

وفي الوقت ذاته، لم يتراجع (جدعون ليفي) عن مواقفه المعروفة في انتقاد الحكومة الإسرائيلية وسياساتها تجاه الفلسطينيين، وهى المواقف التي جعلته يحظى بحضور واسع في وسائل إعلام عربية وأجنبية خلال السنوات الماضية.

إلا أن ذلك لم يمنع أن تصريحه المتعلق بسيناء كان كافيًا لإعادة توجيه الأنظار إلى طبيعة بعض التصورات الموجودة داخل قطاعات من المجتمع الإسرائيلي تجاه الأراضي العربية، وهو ما زاد من حدة الغضب داخل مصر، لأن القضية لم تعد مرتبطة فقط باستضافة صحفي إسرائيلي، بل بمساس مباشر برمزية السيادة الوطنية المصرية.

يُعد (جدعون ليفي) واحدًا من أشهر الصحفيين الإسرائيليين وأكثرهم إثارة للجدل داخل إسرائيل. فمنذ انضمامه إلى صحيفة “هآرتس” في ثمانينيات القرن الماضي، كرّس جزءًا كبيرًا من عمله لتوثيق الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة، ووجّه انتقادات متكررة للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

كما عارض الاستيطان والحروب على غزة، ووصف إسرائيل في أكثر من مناسبة بأنها تمارس نظامًا قائمًا على الفصل العنصري، ودعا إلى إنهاء الاحتلال وإقامة دولة ديمقراطية تكفل المساواة بين الجميع.

دفع (جدعون ليفي) ثمن هذه المواقف بتعرضه لهجوم واسع من التيارات اليمينية داخل إسرائيل التي وصفته بالخائن والداعم للإرهاب، بينما ينظر إليه آخرون باعتباره أحد أبرز الأصوات الإسرائيلية المعارضة للسياسات الرسمية.

كل هذه الخلفية لم تكن كافية لتغيير نظرة الرأي العام المصري إلى استضافته. فالمشكلة بالنسبة إلى كثيرين لم تكن في تصنيف الرجل داخل إسرائيل، وإنما في كونه يحمل الجنسية الإسرائيلية ويتحدث من منطلق رؤيته الخاصة لقضايا تمس الأمن القومي المصري والعربي.

ولذلك لم يجد كثير من المصريين مبررًا للتمييز بين إسرائيلي (معارض) وآخر (مؤيد)، طالما أن المنصة الإعلامية المصرية تُمنح لشخصية إسرائيلية في توقيت تشهد فيه المنطقة واحدة من أكثر الحروب دموية على قطاع غزة.

محاولة احتواء الأزمة

من القاهرة لتل أبيب (جدعون ليفي) ليس استثناء وسيناء خط أحمر !
جاء بيان (القاهرة والناس) في محاولة واضحة لاحتواء الأزمة وامتصاص الغضب الشعبي

مغالطات تستوجب التصويب

أمام تصاعد الغضب، سارعت قناة (القاهرة والناس) إلى سحب الفقرة من شاشتها ومن جميع منصاتها الرقمية، مؤكدة أن القرار جاء التزامًا بالمعايير المهنية والثوابت الوطنية، وأنها ستراجع جميع الجوانب المتعلقة بإعداد الفقرة وآليات عرضها.

كما شددت على احترامها الكامل لآراء جمهورها وحرصها على أن تعكس رسالتها الإعلامية وجدان المجتمع المصري وقيمه، وجاء هذا البيان في محاولة واضحة لاحتواء الأزمة وامتصاص الغضب الشعبي، خصوصًا بعد أن تجاوزت القضية نطاق وسائل التواصل الاجتماعي لتصبح محل متابعة إعلامية وسياسية واسعة.

كذلك اتخذت نقابة الإعلاميين قرارًا بمنع ظهور مقدم البرنامج وإحالته إلى التحقيق، معتبرة أن مسؤولية إدارة الحوار تقع على عاتق المذيع، خاصة عندما تتضمن تصريحات الضيف مغالطات تستوجب التصويب أو الرد، وقد عكس هذا القرار رغبة المؤسسات المهنية في التأكيد على أهمية الالتزام بالضوابط الإعلامية عند تناول الملفات المرتبطة بالأمن القومي والسيادة الوطنية.

تكشف ردود الفعل الواسعة أن الأزمة لم تكن مرتبطة بعبارة عن سيناء وحدها، وإنما جاءت امتدادًا لمناخ سياسي وشعبي يتسم بقدر كبير من الحساسية تجاه إسرائيل في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة وما خلفته من أعداد كبيرة من الضحايا والدمار، ففي مثل هذا السياق، يصبح أي ظهور لشخصية إسرائيلية على شاشة مصرية محل تدقيق شديد، حتى لو كانت هذه الشخصية معروفة بانتقادها للحكومة الإسرائيلية.

كما أبرزت الأزمة حقيقة أن الرأي العام المصري لا ينظر إلى التطبيع باعتباره مجرد علاقة رسمية تنظمها الاتفاقيات بين الدول، وإنما يميز بوضوح بين المستوى الرسمي والمستوى الشعبي. فبينما تستمر العلاقات الدبلوماسية وفق الأطر القانونية القائمة، لا يزال قطاع واسع من المصريين يرفض أي مظهر من مظاهر التطبيع الثقافي أو الإعلامي.

ويرى أن منح منابر إعلامية لشخصيات إسرائيلية لا ينسجم مع المزاج الشعبي، خصوصًا في ظل استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

من القاهرة لتل أبيب (جدعون ليفي) ليس استثناء وسيناء خط أحمر !
أثبتت أزمة (جدعون ليفي) أن المواقف الفردية للصحفيين الإسرائيليين، لا تكفي لتغيير المزاج الشعبي المصري 

التطبيع.. جدار شعبي لا يسقط

أعادت هذه الواقعة التأكيد على أن التطبيع الشعبي في مصر لا يزال يواجه رفضًا واسعًا، وأن هذا الرفض لا يتوقف عند الانتماءات السياسية أو الفكرية للشخصية الإسرائيلية المستضافة.

فـ (جدعون ليفي)، رغم مواقفه الناقدة للحكومات الإسرائيلية و- دفاعه عن حقوق الفلسطينيين-، لم ينجح في تجاوز هذا الحاجز النفسي والسياسي، لأن القضية بالنسبة إلى قطاع كبير من المصريين تتعلق بطبيعة الانتماء قبل المواقف الفردية.

ولعل الرسالة الأهم التي كشفتها الأزمة هي أن الرأي العام المصري يفرق بين الحوار الذي يخدم المصلحة الوطنية ويقوم على المواجهة والتفنيد، وبين الحوار الذي قد يُفهم باعتباره إتاحة مساحة لتمرير روايات أو تصورات إسرائيلية دون مساءلة كافية.

ومن هنا جاءت حدة ردود الفعل، ليس دفاعًا عن موقف سياسي عابر، وإنما تعبيرًا عن حساسية راسخة تجاه قضايا السيادة الوطنية والقضية الفلسطينية.

أخيراً .. أثبتت أزمة (جدعون ليفي) أن المواقف الفردية للصحفيين الإسرائيليين، مهما بدت ناقدة لحكومتهم، لا تكفي لتغيير المزاج الشعبي المصري الرافض للتطبيع الثقافي والإعلامي.

كما أكدت  مجدداً أن قضايا السيادة الوطنية، وفي مقدمتها سيناء، تظل خطًا أحمر لا يقبل أي تشكيك أو تأويل.. كما سيظل الرفض الشعبي المصري لأي شكل من أشكال التطبيع حاضرًا بقوة، باعتباره تعبيرًا عن موقف سياسي وأخلاقي راسخ، لا يرتبط بالأشخاص بقدر ما يرتبط بطبيعة الصراع القائم، وللحديث بقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.