رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

رسمي فتح الله يكتب: وما (الحياة) إلا مزحة ثقيلة.. نضحك عليها كى لا تبكينا

رسمي فتح الله يكتب: وما (الحياة) إلا مزحة ثقيلة.. نضحك عليها كى لا تبكينا
ستون عامًا كانت كافية لأدرك أن (الحياة) لا تمنح أحدًا الحقيقة كاملة، بل تكشفها لنا على مهل

بقلم الكاتب الصحفي: رسمى فتح الله

بداية أستميحكم عذرا للكتابة عن نفسي هذه المرة بعيد عن الفن وأهله والإعلام ورواده، وأنا أكتب هذه السطور، وقد بلغت اليوم عامى الستين، لا أقف عند رقم فى سجل العمر، وإنما أقف أمام رحلة طويلة في (الحياة)، اختلطت فيها الأحلام بالحقائق، والانتصارات بالانكسارات، والضحكات بالدموع التى تعلمت مع الوقت أن أخفيها خلف ابتسامة هادئة.

ستون عامًا كانت كافية لأدرك أن (الحياة) لا تمنح أحدًا الحقيقة كاملة، بل تكشفها لنا على مهل، مع كل تجربة، وكل خسارة، وكل لقاء، وكل وداع.

وما بين الشاب الذى كنت، والرجل الذى أصبحت، لم يتغير شىء بقدر ما تغيرت نظرتى إلى كل شىء؛ لذلك لم أكتب هذا المقال لأحتفل بمرور السنوات، وإنما لأشارك خلاصة رحلة علمتنى أن العمر لا يقاس بعدد أعوامه، بل بما تركته الأيام فى الروح من حكمة، وفى القلب من سلام.

لا أعرف متى بدأت أفهم (الحياة)، لكننى أعرف يقينًا أننى كلما ظننت أننى فهمتها، اكتشفت أنها كانت تبتسم فى سخرية، وكأنها تقول لى: (لم يبدأ الدرس بعد).

فى شبابى كنت أعتقد أن الطريق مستقيم، وأن الإنسان إذا اجتهد وصل، وإذا أحب وجد من يبادله الحب، وإذا صدق كوفئ على صدقه.

كانت معادلاتى بسيطة.. بسيطة إلى حد السذاجة؛ ثم خرجت إلى الحياة، فاكتشفت أن لها قوانين لا تدرَّس فى المدارس، ولا تكتب فى الكتب، بل نجدها فى تجاربنا اليومية.

تعلمت أن بعض الناس يغيبون وهم إلى جوارك، وأن بعض الغرباء يمنحونك دفئًا لا يمنحه أقرب المقربين.

رسمي فتح الله يكتب: وما (الحياة) إلا مزحة ثقيلة.. نضحك عليها كى لا تبكينا
(الحياة) ليست التى نخوضها مع الآخرين، بل تلك التى تدور داخلنا كل ليلة

عندما نراجع حسابات العمر

وتعلمت أن أكثر المعارك ضجيجًا في (الحياة) ليست التى نخوضها مع الآخرين، بل تلك التى تدور داخلنا كل ليلة، عندما نضع رؤوسنا على الوسادة، ونراجع حسابات العمر.

سألنى أحدهم ذات مرة: لماذا تضحك كثيرًا؟

ابتسمت ولم أجب؛ كيف أشرح له أن الضحك ليس دائمًا ابن الفرح؟.. أحيانًا يكون الابن الشرعى للحزن، وأن الإنسان كلما ازدادت جراحه، ازدادت حاجته إلى أن يبتسم، لا ليقنع الناس بأنه بخير، بل ليقنع نفسه أولا بأنه ما زال قادرًا على العيش.

لقد تصالحت مع فكرة غريبة.. أن (الحياة) لا تدين لأحد بشىء.. لا لأنها قاسية، بل لأنها عادلة بطريقتها الخاصة، إنها تمنحنا الفرصة، لكنها لا تعدنا بالنتيجة؛ تعطينا الأمل، ثم تختبر قدرتنا على الانتظار، وتفتح لنا بابًا، ثم تتركنا نكتشف وحدنا إن كان يؤدى إلى حديقة.. أم إلى جدار.

لم أعد أندم كثيرًا؛ فالندم نوع من الاعتراض المتأخر على ما لن يعود، ولم أعد ألهث خلف الأشياء كما كنت أفعل؛ الأشياء التى كنا نطاردها فى الأمس، أصبحت اليوم تطارد غيرنا، وغدًا ستبحث عن غيرهم.

أما العمر، فهو الشىء الوحيد الذى إذا غادر، لا يلتفت خلفه.

وأجمل ما تعلمته أن الإنسان لا يقاس بما جمع، بل بما احتمل.

فهناك من عاش طويلًا ولم يعش يومًا واحدًا بصدق، وهناك من أثقلته الأيام حتى انحنى ظهره، لكنه ظل واقفًا من الداخل.

لهذا لم أعد أغضب من مفاجآت (الحياة).. لقد أصبحت أعرف أنها بارعة فى تغيير السيناريو فى اللحظة الأخيرة.

كل ما أفعله الآن أن أبتسم، وأقول لها فى هدوء: (حسنًا… فلنر ماذا أعددت لى هذه المرة).

ربما لهذا أبدو هادئًا أكثر مما ينبغى.

رسمي فتح الله يكتب: وما (الحياة) إلا مزحة ثقيلة.. نضحك عليها كى لا تبكينا
الحكمة ليست أن تنتصر على الحياة، فهذا مستحيل، وإنما أن تعبرها بأقل قدر من الخسائر

الحياة لم تكن يومًا عدوة

ليس لأننى لم أعد أشعر، بل لأننى تعبت من مقاومة الأشياء التى لا تتغير، واكتشفت أن الحكمة ليست أن تنتصر على الحياة، فهذا مستحيل، وإنما أن تعبرها بأقل قدر من الخسائر، وبأكبر قدر من الكرامة.

وفى نهاية كل يوم، أصل إلى النتيجة نفسها.. أن (الحياة) لم تكن يومًا عدوة لى، ولم تكن صديقة أيضًا.

كانت مجرد معلمة صارمة، تعطى دروسها بلا رحمة، ثم تتركنا نكتشف بعد سنوات أن كل ألم كان يحمل فى داخله معنى.

لهذا أضحك..

ليس لأن (الحياة) خفيفة..

بل لأنها مزحة ثقيلة، ولو بكيت من كل مفارقاتها، لما بقى فى العمر متسع لابتسامة واحدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.