محمود عطية يكتب: (الافتكاسات) الفنية الاقتصادية!

بقلم المستشار: محمود عطية*
بما أن (الافتكاسات) الاقتصادية أصبحت تنافس الأفكار العلمية في بلدنا، وبما أن مجرد التفكير في بيع قناة السويس أو مبادلة أصولها أو نقل تبعيتها أصبح أمرًا قابلًا للنقاش، وكأننا نتحدث عن كشك سجائر في ناصية شارع، وليس عن شريان استراتيجي للدولة المصرية، وعن مرفق ارتبط بتاريخ مصر وسيادتها واقتصادها، فقد قلت لنفسي: لماذا لا أشارك أنا أيضًا بافتكاسة من العيار الثقيل؟!
فطالما أن باب (الافتكاسات) قد فُتح على مصراعيه، فلا مانع من أن ندخل من الباب نفسه، ولكن هذه المرة من باب السخرية، وربما تكون السخرية أحيانًا أكثر عقلانية من بعض الأفكار التي تقدم لنا في ثوب الحلول الاقتصادية العبقرية، وبدلًا من أن نمد أيدينا إلى قناة السويس، وهي ملك لمصر وشعبها وتاريخها ومستقبلها، دعونا نفكر في شيء آخر تمامًا.
لماذا لا نبدأ بما أصبح أقرب إلى الحنين إلى الماضي، عندما كان المواطن يشعر بسعادة حقيقية وهو يمسك بالصحيفة الورقية في يده، ويشم رائحة الورق والحبر، ويتصفح صفحاتها صباحًا قبل أن يذهب إلى عمله؟
لماذا لا نعرض جميع المؤسسات الصحفية القومية للبيع، بكل أصولها ومبانيها وممتلكاتها وإصداراتها ومجلاتها؟.. الأهرام والأخبار والجمهورية، وجميع المؤسسات الصحفية القومية، وما يصدر عنها من صحف ومجلات وإصدارات، وكل ما تملكه من مبانٍ وأراضٍ ومطابع وأصول وممتلكات.
نعم، جميعها دفعة واحدة، وعلى بعضها، كما يقول أهل المزادات الشعبية عندما يريدون التخلص من بضاعة راكدة، وربما نضع لافتة ضخمة على كل مؤسسة تقول: للبيع بسبب انتهاء عصر الصحافة الورقية.. وشكرًا لحسن تعاون القراء طوال العقود الماضية.
وإذا كان هذا الكلام يبدو غريبًا أو صادمًا، فأنا أسأل فقط من باب (الافتكاسات): لماذا يكون التفكير في أصول الدولة أمرًا مقبولًا عندما يتعلق الأمر بمرفق استراتيجي مثل قناة السويس، ثم يصبح السؤال عن أصول أخرى نوعًا من المحرمات؟

مراجعة اقتصادية شاملة
ولماذا لا نبدأ أولًا بالأصول التي تحتاج بالفعل إلى مراجعة اقتصادية شاملة، لمعرفة هل ما زالت تحقق الغرض الذي أنشئت من أجله، أم أصبحت عبئًا ماليًا يحتاج إلى حلول مختلفة، فالقارئ المصري نفسه قال كلمته منذ سنوات، وانتقل إلى الإنترنت، وأصبح يستطيع أن يعرف الخبر لحظة وقوعه، وقبل أن تصل الصحيفة إلى بائع الجرائد.
بل إن بعض المواطنين أصبحوا يستيقظون على الهاتف المحمول قبل أن يستيقظوا على صوت المنبه. الأخبار تأتيه إلى سريره وهو لم يغسل وجهه بعد، ومع ذلك، ما زلنا نتصرف أحيانًا وكأن التكنولوجيا لم تصل إلينا، وأن القارئ ما زال ينتظر الجريدة تحت باب المنزل، كما كان يحدث منذ عشرات السنين.. وهنا تأتي (الافتكاسات) العظمى.
لماذا لا نتحول بالكامل إلى الصحافة الإلكترونية، ونوفر تكلفة الورق والطباعة والأحبار والمطابع والتوزيع والنقل والمخازن والمباني الضخمة والمصروفات الإدارية التي تحتاجها المؤسسات التقليدية؟
الصحفي يكتب من منزله، والمحرر يراجع من منزله، والمصور يصور بهاتفه، ورئيس التحرير يدير غرفة الأخبار من جهاز الكمبيوتر، وربما يتم عقد اجتماع التحرير عبر تطبيق إلكتروني، بدلًا من الاجتماع حول مائدة طويلة يتوسطها إبريق الشاي وأكواب القهوة.
وهكذا نكون قد دخلنا عصر التحول الرقمي من أوسع أبوابه، وربما يصبح لدينا لأول مرة نموذج صحفي لا يحتاج إلى مبنى يساوي ثمنه ثروة، ولا إلى مطبعة تحتاج إلى مدينة صغيرة لإدارتها، ولا إلى أسطول سيارات كي تحمل الأخبار من مكان إلى آخر.
أما العاملون في المؤسسات الصحفية القومية، وهم النقطة الأهم في هذه الافتكاسة، فلا يجوز أن يكون الحل هو التشريد أو الاستغناء عنهم.. بالعكس، يمكن الحفاظ على العمالة والاستفادة من خبراتها، وتحويل المؤسسات كلها إلى منصات رقمية حقيقية.
الصحفي يعمل من منزله، والمحرر يعمل من منزله، والمصمم يعمل من منزله، والمصور يتحرك في الشارع، ورئيس التحرير يدير المنظومة إلكترونيًا، وتصبح غرفة الأخبار في النهاية شبكة إلكترونية ضخمة، وربما مجموعة (واتساب) واحدة، ولكن على مستوى قومي!

العمل الصحفي تغيرت قواعده
وقد يجلس رئيس التحرير في منزله، وفي يده الهاتف، ويقول للمحرر: (أرسل العنوان)، فيرد عليه المحرر: (حاضر يا فندم)، وبعدها تنطلق الصحيفة إلى ملايين القراء في ثوانٍ، وهنا نكون قد وفرنا المال، وحافظنا على العاملين، وانتقلنا إلى المستقبل، بدلًا من أن ندفع أموالًا طائلة للحفاظ على شكل من أشكال العمل الصحفي الذي تغيرت قواعده بالكامل.
وإذا كانت بعض المؤسسات الصحفية القومية تعاني خسائر أو مديونيات أو التزامات مالية تجاه الدولة، فهنا يجب أن يكون السؤال الحقيقي واضحًا وصريحًا: لماذا لا تتم مراجعة النموذج الاقتصادي لهذه المؤسسات؟
ولماذا لا تكون هناك دراسة جادة لأصولها ومصروفاتها وإيراداتها وحجم العمالة بها ومصادر الخسائر وطرق العلاج، بدلًا من ترك الأمور تتراكم عامًا بعد عام، حتى يصبح الإصلاح أكثر صعوبة وكلفة؟
وأنا هنا لا أقدم نفسي خبيرًا اقتصاديًا، ولا أزعم أن بيع المؤسسات الصحفية هو الحل، بل أقولها بوضوح: إنها مجرد افتكاسة ساخرة هدفها أن نطرح سؤالًا بسيطًا للغاية.. إذا كنا نبحث عن تعظيم موارد الدولة، فلماذا لا ننظر إلى كل الأصول بعين واحدة وبمعايير اقتصادية واحدة؟
لماذا نبحث عن حلول صادمة في مكان، ونغض الطرف عن أماكن أخرى تحتاج إلى إعادة هيكلة وتطوير؟.. ولماذا لا نبدأ بالأصول التي تغيرت وظيفتها أو تراجع نموذجها الاقتصادي، قبل أن نقترب من أصول ترتبط بسيادة الدولة وأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية؟
إن قناة السويس ليست مجرد أصل مالي يوضع في ميزان المدفوعات، ثم نبحث له عن مشترٍ أو مستثمر أو شريك.. قناة السويس قضية أكبر من الحسابات التجارية الضيقة؛ لأنها جزء من الجغرافيا والتاريخ والسيادة المصرية.. ومن هنا، فإن مجرد طرح فكرة بيعها أو مبادلة أصولها أو نقل تبعيتها يحتاج إلى ألف علامة استفهام قبل أن يحتاج إلى آلة حاسبة.
أما المؤسسات الصحفية القومية، فيمكن، على الأقل، أن نناقش مستقبلها الاقتصادي والإداري بمنتهى الصراحة؛ لأن الصحافة نفسها تغيرت، والعالم كله انتقل من الورق إلى الشاشة، ومن المطبعة إلى الهاتف، ومن بائع الجرائد إلى محرك البحث، ومن انتظار الطبعة الصباحية إلى الخبر الفوري.

الجري في الاتجاه المعاكس
وليس عيبًا أن تتغير المؤسسات بتغير الزمن، فالعيب أن يظل الزمن يجري ونحن نصر على الجري في الاتجاه المعاكس، والأكثر طرافة أن بعض الناس يتعاملون مع المبنى الصحفي وكأنه جزء من العقيدة المهنية، وكأن الصحفي إذا لم يجلس خلف مكتب خشبي داخل مبنى ضخم، فقد فقد صفته الصحفية.
يا سادة: الصحافة في عقل الصحفي، وفي قلمه، وفي قدرته على الوصول إلى الحقيقة، وليست في عدد أدوار المبنى، ولا في مساحة المكاتب، ولا في عدد المصاعد، وإذا كان الهاتف المحمول اليوم يستطيع أن يحمل صحيفة كاملة، ومكتبة كاملة، وأرشيفًا كاملًا، وأن يوصل الخبر إلى القارئ في لحظة، فلماذا نصر على أن يحمل المواطن أطنانًا من الورق كي يعرف ماذا حدث؟
ثم إن التكنولوجيا لم تلغِ الصحافة، وإنما غيرت شكلها وأعادت تعريف أدواتها، ولذلك فإن المطلوب ليس قتل الصحافة القومية، وإنما إنقاذها من الجمود، وإعادة تقديمها بصورة تناسب العصر وتحافظ على دورها المهني والوطني.
ويمكن أن تتحول كل مؤسسة إلى كيان إعلامي رقمي ضخم يمتلك مواقع إخبارية، ومنصات مرئية ومسموعة، وتطبيقات إلكترونية، ومراكز بحثية، وأرشيفًا رقميًا مدفوعًا، وخدمات إعلامية مختلفة، بدلًا من أن تبقى المعركة كلها حول عدد النسخ الورقية التي تم بيعها.
ويمكن أن يصبح الأرشيف الصحفي نفسه ثروة إذا تم رقمنته وإتاحته بطريقة اقتصادية محترمة، ويمكن للمؤسسات أن تحقق إيرادات جديدة من المحتوى والخدمات والإعلانات والمنصات الرقمية، بدلًا من الاعتماد على نموذج اقتصادي تجاوزه الزمن.
وهذه ليست دعوة لإلغاء الصحافة الورقية، فربما يظل لها جمهورها ومكانتها، ولكن الفكرة هي ألا نبني اقتصاد مؤسسة كاملة على منتج يتراجع الطلب عليه عامًا بعد عام، ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا تتزايد الخسائر؟
وفي النهاية، أكرر أنني لا أبيع ولا أشتري، ولا أملك شركة مزادات، ولا أبحث عن مستثمر لشراء الأهرام أو الأخبار أو الجمهورية، ولا أملك حتى ترابيزة صغيرة أضع عليها لافتة (للبيع).
أنا فقط أمارس حقي الدستوري في (الافتكاسات)، وأحاول أن أقول إن من الغريب أن يصبح التفكير في التصرف في أصل استراتيجي بحجم قناة السويس أمرًا مطروحًا، ثم نتعامل مع إعادة هيكلة مؤسسات أخرى وكأنها جريمة.
ولذلك فإن افتكاستي بسيطة جدًا: إذا كانت هناك ضرورة للبحث عن موارد للدولة، فليكن البحث شاملًا وعادلًا ومدروسًا، وليبدأ من الملفات التي تحتاج إلى إصلاح اقتصادي حقيقي، لا من الأصول التي تمثل جزءًا من سيادة الدولة.
أما قناة السويس، فليست للبيع، ولا للمبادلة، ولا للتجريب، ولا ينبغي أن تتحول إلى ورقة في دفتر الافتكاسات الاقتصادية، وهذه ليست خطة، ولا مشروعًا، ولا اقتراحًا اقتصاديًا، وإنما هي فقط افتكاسة مني من ضمن الافتكاسات، ولكن المشكلة الحقيقية أن بعض الافتكاسات، عندما تخرج من أفواه أصحاب القرار، تصبح أخطر بكثير من أن تكون مجرد نكتة.
ولذلك ربما يكون أفضل شعار للمرحلة هو: اتركوا قناة السويس بعيدًا عن (الافتكاسات).. وابدأوا أولًا بمراجعة الافتكاسة نفسها!
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع