
بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
إذا كان (للعدالة وجه آخر) فإن (للحقيقة وجوه متعددة)، وليس مبالغة القول بأن في حياة كل منا حقيقة يخفيها سواء لإخفاء نقاط ضعف فيه أو مواطن سوء لا يريد أن يعرفها من حوله؛ ولعل مؤلف ومخرج مسلسل (للعدالة وجه آخر) أرادا أن يؤكدا ذلك من خلال دراما تشويقية بوليسية
تتمحور حول جريمة تم اتخاذها كوسيلة لكشف أن الحقيقة تتوارى دائماً عندما يرتكب الإنسان فعلاً مخزياً أو جريمة سواءً كانت مجتمعية أو جنائية.. لا فرق، وأن مهنة الإعلام تكون مهنة البحث عن الحقيقة طالما كانت هذه الحقيقة بعيدة عن صناع ونجوم الإعلام ولكنها تتحول لمهنة تزييف الحقيقة بل وتضليل المجتمع والعدالة إذا تعلق الأمر بهم أو بأي من ذويهم.
أهم ما يميز مسلسل (للعدالة وجه آخر) الذي تقع أحداثه في 15 حلقة أن الحس الدرامي فيه عال، فرغم إيقاعه البطيء إلا أن كل حلقة فيه تحمل جديداً، يكشف مستوراً في النفس البشرية الهشة، ويفضح شخصية دنيئة في جوهرها عظيمة في مظهرها.
وأهم ما فيه أنه يحمل إدانة لجيل يشوه جيلاً بل ويقتله جسدياً ونفسياً، ابتداء من أم (ميرنا) المغدورة التي تترك لها الحبل على الغارب وتتجاهل تأخرها بل وبياتها خارج البيت، ومروراً بالإعلامي الكبير وزوجته، فهو مليء بالعقد النفسية وزوجته أستاذة الجامعة لم تدخر جهداً في معايرته وتضخيم مساحة الدونية فيه.
وهو ما دفعه لأن يقيم علاقة مع حبيبة ابنه، والتي تم قتلها واتهام ابنه بالجريمة، وعندما يكتشف الابن (يوسف) حقيقة أمه وعلاقة أبيه بمحبوبته يتدمر نفسياً، وذات الأمر ينطبق على والد صديقه ووالدة صديقتهما واللذين يُتهمان أيضاً في جريمة القتل.

من يقتل الحقيقة؟
مسلسل (للعدالة وجه آخر) جعل الجريمة مجرد وسيلة لطرح سؤال أخلاقي بالغ الخطورة: من يقتل الحقيقة؟ وهل يصبح الإعلام، وهو المفترض أن يكون عين المجتمع ولسانه، شريكاً في اغتيال العدالة عندما ينتقي من الوقائع ما يخدم مصالحه أو نجوميته؟
السيناريست (عمرو الدالي) أراد أيضاً تأكيد أن الحقيقة ليست دائماً ما يقال على الشاشات أو يتصدر العناوين، بل قد تكون الضحية الأولى لسطوة الإعلام ورغبة البعض في صناعة رأي عام يضلل به رجال المباحث وبالتالي رجال القضاء.
ولعل شخصية (فؤاد السرجاني) ليست مجرد إعلامي ناجح، بل نموذج للإنسان الذي تدفعه أنانيته إلى الاعتقاد بأن نجاحه يمنحه الحق في تجاوز الحدود الأخلاقية، فقراره الزواج من فتاة يعلم أن ابنه يحبها ليس مجرد حدث درامي، بل تعبير عن شخصية ترى أن رغباتها تسبق مشاعر الآخرين.
وأن السلطة تمنح صاحبها حق الاستحواذ حتى على ما يخص أقرب الناس إليه، ومن يعتد على حقوق ابنه لن يتردد في الاعتداء على حق المجتمع ويزيف له الحقيقة ويمده بما يريد من معلومات ويستغل مكانته المهنية في التزييف والتضليل، ومن يحتكر الحب يمكنه أيضاً أن يحتكر الرواية.
يكشف العمل أيضاً كيف يمكن أن تصبح برامج التوك شو أحياناً بديلاً عن التحقيقات والأدلة، إنها رسالة شديدة الواقعية في زمن أصبحت فيه بعض المنصات الإعلامية ومنصات التواصل تصدر الأحكام قبل النيابة والقضاء.
المخرج (محمد يحيى) مورو كان من أبرز نقاط قوة المسلسل، حيث أحسن استخدام زوايا التصوير والإضاءة من أجل خلق حالة من التوتر النفسي، وجعل الكاميرا شريكاً في كشف الشخصيات لا مجرد ناقل للأحداث.
(ياسر جلال) لم يكن في أفضل حالاته في هذا المسلسل رغم أن طبيعة الدور منحته مساحة لتغيير جلده وإظهار مدى قوته على التعبير النفسي اللازم لشخصية فؤاد السرجاني التائه بين بريق الإعلامي الناجح، وهشاشة الإنسان الذي تقوده أنانيته إلى خسارة أسرته ومكانته، وهي شخصية لا تستدعي التعاطف الكامل ولا الكراهية المطلقة.
(أروى جودة)، قدمت أداءً نمطياً في دور الزوجة، ولم تجد التعبير عن امرأة تعيش صراعاً بين الحفاظ على تماسك الأسرة ومواجهة انهيارها الأخلاقي.



محمد علاء بعيدا عن النمطية
يحسب لـ (محمد علاء) أنه قدم ضابط الشرطة بعيداً عن الصورة النمطية، فجاء أداؤه هادئاً ومقنعاً، معتمداً على العقل والتحقيق أكثر من الاستعراض، وهو ما منح الشخصية مصداقية وجعلها أحد أعمدة الصراع الدرامي.
الثلاثي الأفضل أداءً في المسلسل هم المخضرمة (سما إبراهيم) في دور أم الفتاة المغدورة والتي تعيش صدمة أم تمنعها من محاولات البحث عن دليل تعرف من خلاله قاتل ابنتها، وندم مكتوم على منحها مساحة غير محدودة من الحرية كانت سبباً في انحرافها ثم مقتلها.
و(نور إيهاب) في دور الفتاة الجميلة المدللة، رغم فقر والديها والتي يتنافس على قلبها (يوسف وزميله مصطفى)، وهما لا يدركان أن الإعلامي الشهير سبقهما واستحوذ على قلبها وجسدها، ومينا نبيل في شخصية (يوسف) ابن الإعلامي الشهير وأستاذة الجامعة الأرستقراطية واللذان يوفران له حياة باذخة الثراء ولكنها معدومة الأحاسيس والمشاعر.
في النهاية، لا تكمن أهمية (للعدالة وجه آخر) في كشف هوية القاتل، بل في كشف القاتل الأخطر: الإعلام الذي يختار أن يسبق الحقيقة بدلاً من أن يبحث عنها؛ فالعمل يوجه رسالة شديدة الجرأة إلى كل إعلامي يظن أن امتلاك المنصة يمنحه حق صياغة الوقائع وفق هواه.
مؤكداً أن أخطر الجرائم ليست تلك التي تُرتكب بالسلاح، بل تلك التي تُرتكب بالكلمة، لأنها لا تقتل إنساناً واحداً، بل قد تقتل ثقة مجتمع بأكمله في العدالة والحقيقة.