رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(النسوية الحديثة) اليوم.. لا يُسألن وهم يُسألون!

(النسوية الحديثة) اليوم.. لا يُسألن وهم يُسألون!
يتكشف ما يخفيه الخطاب المضلل الذي حوّل الشريك إلى عقل مدبر وحده
(النسوية الحديثة) اليوم.. لا يُسألن وهم يُسألون!
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

متى ينهار العدل في أمة؟ حين يُعفى أحد الأطراف من الحساب، ويُجلد الطرف الآخر وحده. هذا ما تفعله (النسوية الحديثة) اليوم.. هدفها المعلن حقوق المرأة، وهدفها الخفي إسقاط الواجب عنها.. تقول للمرأة: أنتِ معفاة؛ لا تُسألين، ولا تُلامين، ولا تُحاسبين. وكل خطئك سببه رجل شيطان، أو مجتمع قاسٍ، أو ظروف خارجة عن إرادتك.

صارت هذه الدعوى روايةً جاهزة تُكتب بعد كل حادث. آخرها بعد تنفيذ حكم الإعدام في قضية قتل أم على يد ابنتها.. القضاء نطق بحكم بات: ابنة بالغة عاقلة في العشرين قتلت أمها عمداً مع سبق الإصرار، وبعد تنفيذ الحكم مباشرة خرجت محامية المُدانة بخطاب نسوي هدفه خلق حالة تعاطف معها؛ فقلبت المشهد إعلامياً، وصار الشريك القاصر العقل المدبر الوحيد، وصارت الفتاة البالغة ضحية سلبية غُرر بها.

والحقائق في أوراق القضية لا تحتمل التأويل.. الأم فاجأت ابنتها في وضع مخل مع شاب قاصر، فخشيت الابنة الفضيحة وعزمت على التخلص منها.. هي فتحت الباب وأدخلت شريكها. وهي سخنت الماء، واختارت الأداة، وناولتها له. وهي همست: (نخلص من أمي؛ عشان هتفضحنا)، وهى سكبت الماء المغلي تأكداً من الموت، ثم دبرت التمويه وتلفيق الجريمة لشبح لا وجود له.

وهنا يتكشف ما يخفيه الخطاب المضلل الذي حوّل الشريك إلى عقل مدبر وحده.. الشريك لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره وقت ارتكاب الجريمة، وسنه دليل قاطع على نقص الإدراك والتمييز. من يستجيب لاستدراج فتاة بالغة عاقلة ويقبل أن يكون أداة في يدها، هو ضحية قبل أن يكون شريكاً.

فكانت المُدانة نقمةً وابتلاءً عليه وعلى أسرته، فدمرت مستقبله ومستقبلهم.. ومن يصفه بالشيطان المدبر الوحيد يتجاهل الحقيقة الواضحة، ويغمض عينيه عن ميزان العدل.

(النسوية الحديثة) اليوم.. لا يُسألن وهم يُسألون!
القضاء ميّز بين العقل البالغ والعقل القاصر، فطبق القانون بلا مجاملة

تزوير مكشوف وعمى عن الحق

القضاء ميّز بين العقل البالغ والعقل القاصر، فطبق القانون بلا مجاملة.. حكم على المُدانة بالإعدام شنقاً؛ لأن أهليتها الجنائية كاملة.. وأودع الشريك مؤسسة رعاية عقابية؛ تطبيقاً لقانون الطفل الذي يمنع إعدام من لم يبلغ الثامنة عشرة.. أما تحويله إلى عقل مدبر، ونزع الإرادة من البالغة، فتزوير مكشوف وعمى عن الحق.

والخطر أن هذا القلب للحقائق يتم بغطاء تمكين المرأة.. (النسوية الحديثة) لا تطلب مساواة في التكليف، بل إعفاء من المسؤولية.. تقول للمرأة: افعلي ما شئتِ ولن تُسألي.. فإذا قتلتِ فأنتِ ضحية الظروف، وإذا سرقتِ فأنتِ ضحية الحاجة، وإذا خنتِ فأنتِ ضحية القهر.. النتيجة: خرجت محامية المُدانة بعد تنفيذ الحكم توصفها بأنها (عروس الجنة، والشهيدة)، فتُنسى الضحية، ويتحول الجاني الحقيقي إلى ملاك لا يُسأل.

هذا هو الطريق المختصر لهدم المجتمعات.. حين يُستبدل ميزان العدل بميزان التعاطف مع النسوية الحديثة) تسقط كل الحواجز.. لا يعود المجرم يخشى القانون، بل يخشى فقط أن لا يجد له (مبرراً نسوياً) جاهزاً.. ساعتها لا نحاكم الأفعال، بل نحاكم الضحايا.. ولا نسأل عن الدم، بل نسأل عن جنس القاتل.

والنص الإلهي حاسم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. فالمساواة بدأت بالتكليف قبل الحقوق.. الإنسان مركب من ضعف وقوة، يخطئ ويصيب، وخيره من اعترف بزلته وحمل تبعة فعله.

(النسوية الحديثة) اليوم.. لا يُسألن وهم يُسألون!
إعفاء المرأة من المسؤولية ليس رحمة ولا تكريماً، بل انتقاص من عقلها وأهليتها

كيف تُصنع من القاتلة ضحية

وكشفت هذه القضية حجم التزييف؛ كيف تُصنع من القاتلة ضحية، وكيف يُغيب اسم الأم الضحية خلف ضجيج التعاطف والدموع.. ولما نفدت كل الحجج القانونية بعد الحكم البات، ساقت محامية المُدانة ورقة التعاطف الأخيرة: دموع الأب ومسامحته لابنته.

وتعاطف الأب مع فلذة كبده فطري لا يُنكر ولا يُلام عليه، لكنه استُخدم كأداة إعلامية لقلب المشهد. فهو لا يلغي حق الضحية في العدل، ولا يغير وصف الجريمة، ولا يسقط حكماً باتاً نطق به القضاء.

وإعفاء المرأة من المسؤولية ليس رحمة ولا تكريماً، بل انتقاص من عقلها وأهليتها.. فالرحمة أن نقول لها بصدق: أنتِ عاقلة مسؤولة تختارين، فتحاسبين إن أخطأتِ وتُكرمين إن أحسنتِ، كما يُحاسب الرجل بلا نقص ولا زيادة.

أناشد المسؤولين عن الإعلام، وعلى رأسهم المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أن يوقفوا هذا التضليل الممنهج حول (النسوية الحديثة) وأن يراقبوا المنصات والقنوات التي تبيع روايات الأعذار الجاهزة بعد كل حكم بات.. وأن يضعوا ميثاق شرف يمنع تمجيد الجناة وتحويلهم إلى ضحايا. فحماية الوعي العام أمانة، وترك الباب مفتوحاً أمام قلب الحقائق خيانة لهذا المجتمع.

العدل لا يُجزأ، والرحمة لا تكون على حساب دم الضحية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.