رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

حارس الوجوه والمهن: قصة (أحمد عبد الله) من الكلمات إلى صناعة الأفلام

حارس الوجوه والمهن: قصة (أحمد عبد الله) من الكلمات إلى صناعة الأفلام

حارس الوجوه والمهن: قصة (أحمد عبد الله) من الكلمات إلى صناعة الأفلام
كان يشعر أن هناك جزءاً من روح مصر يذوب ببطء مع رحيل كبار الحرفيين

كتبت: سما أحمد

في أزقة القاهرة القديمة، حيث تفوح رائحة التاريخ من جدران الحارات وتتشابك خيوط الشمس مع غبار الورش الصغيرة، بدأت حكاية مختلفة تماماً عن سياق العصر الصاخب حكاية بطلها (أحمد عبد الله) الذي لم يختر أن يجري خلف (الترند) أو يبحث عن الشهرة السريعة، بل اختار أن ينصت لضربات المطارق وحفيف الأخشاب.

كان (أحمد عبد الله) يعيش في عالم الكلمات كشاعر غنائي، كان ينسج المشاعر في أبيات يغنيها نجوم الفن في مصر والوطن العربي، لكن ورغم جمال الكلمات، كان هناك لحن آخر يشغله؛ لحن يخرج من أنامل البسطاء، وقصص إنسانية مدفونة في ورش ضيقة لا يلتفت إليها أحد.. كان يشعر أن هناك جزءاً من روح مصر يذوب ببطء مع رحيل كبار الحرفيين.

ثم جاءت جائحة كورونا، وتوقف العالم عن الدوران.. في تلك العزلة الإجبارية، لم يستسلم (أحمد عبد الله) للهدوء، بل قرر أن يجد لنفسه عيناً جديدة يرى بها العالم.. جلس أمام شاشته، وتعلم التصوير وصناعة الأفلام عبر الإنترنت، خطوة بخطوة، حتى تحولت الهواية الجديدة إلى (مشروع حياة).

حمل (أحمد عبد الله) كاميرته، ونزل بها إلى قلب التاريخ: الجمالية، الدرب الأحمر، باب الشعرية، والموسكي.. لم يكن يدخل الورش كـ (بلوجر) يبحث عن لقطة سريعة، بل كان يدخل كصديق وتلميذ.. يجلس مع شيخ الصيادين، وصانع الأرابيسك، ومطرق النحاس لساعات طويلة.. يتحدث معهم، يفهم أسرار صنعتهم، ويغوص في تفاصيل حياتهم قبل أن يضغط على زر التسجيل.

حارس الوجوه والمهن: قصة (أحمد عبد الله) من الكلمات إلى صناعة الأفلام

حارس الوجوه والمهن: قصة (أحمد عبد الله) من الكلمات إلى صناعة الأفلام
لم يمر وقت طويل حتى أصبحت قناته منبراً عربياً هائلاً لتوثيق التراث

هوية توشك على الاندثار

لم تكن الكاميرا بالنسبة له أداة تصوير، بل كانت (طوق نجاة) لتوثيق هوية توشك على الاندثار.. وعندما بدأت أفلامه تخرج للنور، لم تكن مجرد فيديوهات تسويقية لمنتجات يدويّة، بل كانت لوحات سينمائية ساحرة.. الإضاءة الدافئة، الموسيقى التي تلمس الروح، والسرد البصري العميق، جعلت ملايين المشاهدين خلف الشاشات يشتمون رائحة الخشب المحروق، ويشعرون ببرودة النحاس، وكأنهم يعيشون داخل الورشة مع الحرفيين.

لم يمر وقت طويل حتى أصبحت قناته منبراً عربياً هائلاً لتوثيق التراث.. والجميل في الحكاية أن الأثر لم يقف عند حدود الشاشات؛ فقد بدأ الحرفيون يتحدثون بامتنان عن وجوه جديدة تزور ورشهم، وعن انتعاش لحرف كادت أن تموت مثل الصدف والأقمشة اليدوية، بعد أن فتحت فيديوهات (أحمد عبد الله) أبواباً لرزق جديد وعملاء من كل مكان.

تحول الشاعر الذي كان يكتب الأغنيات بالورقة والقلم، إلى حارس للتراث يكتب التاريخ بالضوء والعدسة.. أثبت (أحمد عبد الله) برحلته أن الصدق في الرسالة أقوى من أي (ترند)، وأن خلف كل منتج يدوي مصري، يداً تستحق أن تُروى قصتها بكثير من الحب والاحترام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.