رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

في ذكرى (صلاح أبو سيف) الثلاثين.. (محمد خان) يحاور مخرج الواقعية الأول في السينما (1/2)

في ذكرى (صلاح أبو سيف) الثلاثين.. (محمد خان) يحاور مخرج الواقعية الأول في السينما (1/2)
المخرج (محمد خان) الذي أجرى الحوار مع (صلاح أبوسيف)

* السيناريو الجيد يمكنه أن يصنع فيلما جيدا، حتى وإن كان المخرج أقل جودة، ولا يمكن للسيناريو المتواضع أن يكون فيلما عظيما مهما تولى إخراجه فنانا متميزا

* عندما قرأت روايات (نجيب محفوظ) عام 1945، قبل أن أتعرف عليه، اكتشفت أن له مخيلة خصبة لصناعة الصورة السينمائية، فاقترحت عليه أن يعمل في كتابة السيناريو، وأتيت له بكتب حول هذا الأمر باللغة الإنجليزية

* تجربتي مع نجيب محفوظ ككاتب سيناريو، دفعتني لتأسيس معهد السيناريو، لتعليم جيل جديد كيفية الكتابة، وتعليم اللغة السينمائية

* المشاهد في حاجة إلى دراسة جيدة، وبهذه المناسبة فأنا أرى أن أهم عيب في السينما هو النقد، والنقد مسئولية

في ذكرى (صلاح أبو سيف) الثلاثين.. (محمد خان) يحاور مخرج الواقعية الأول في السينما (1/2)
كل فيلم من أفلامه يعتبر أيقونة من أيقونات السينما المصرية
في ذكرى (صلاح أبو سيف) الثلاثين.. (محمد خان) يحاور مخرج الواقعية الأول في السينما (1/2)
أحمد السماحي

أعاد نشر الحوار: أحمد السماحي

نحيي هذه الأيام الذكرى الثلاثون للمخرج الكبير (صلاح أبو سيف)، الذي كتب اسمه بحروف من ذهب في سجل السينما المصرية، من خلال مجموعة كبيرة من الروائع السينمائية التى لا تنسى مثل (الفتوة، الأسطى حسن، ريا وسكينة، القاهرة 30، الزوجة الثانية) وغيرها.

وكل فيلم من أفلامه يعتبر أيقونة من أيقونات السينما المصرية، فالجمال الفني عند (صلاح أبو سيف) تحقق بالتزامه الصدق الفني من ناحية، والإخلاص لرسالة الفن، وإرتباطه بالواقع من ناحية أخرى.

ولم يقتصر مجهوده على صنع روائع سينمائية يزيدها الزمن قيمة وجمالا، ولكنه نشر أيضا الثقافة السينمائية من خلال معهد السيناريو الذي أسسه، وكتبه السينمائية.

عام 1995، أجرى المخرج السينمائي المبدع (محمد خان) حوارا سينمائيا متميزا مع المخرج (صلاح أبو سيف) لمجلة (العربي) الكويتية، فإليكم نص الجزء الأول من الحوار، وغدا نستكمل الجزء الثاني.

في ذكرى (صلاح أبو سيف) الثلاثين.. (محمد خان) يحاور مخرج الواقعية الأول في السينما (1/2)
لاشك أن نجاح السينما يكمن في نجاح السيناريوهات المكتوبة

* في البداية يهمنا نتحدث عن السيناريو، فكنت أول من أحس بقيمة السيناريو في تكوين سينما عربية جديدة، ولذا قمت بتأسيس، أول معهد لتعليم السيناريو، بعد أن كانت كتابته مجرد إجتهادات من كتاب سواء كانوا موهوبين أو أقل كفاءة؟

** كان همي عندما توليت إدارة المؤسسة المصرية العامة للسينما في منتصف الستسينات هو إيجاد جيل جديد يكتب السيناريو الجيد، فلا شك أن نجاح السينما يكمن في نجاح السيناريوهات المكتوبة.

فالسيناريو الجيد يمكنه أن يصنع فيلما جيدا، حتى وإن كان المخرج أقل جودة، ولا يمكن للسيناريو المتواضع أن يكون فيلما عظيما مهما تولى إخراجه فنان متميز، ومن أجل هذا أنشأت معهد السيناريو.

 وعلى سبيل المثال عندما قرأت روايات (نجيب محفوظ) عام 1945، قبل أن أتعرف عليه، أكتشفت أن له مخيلة خصبة لصناعة الصورة السينمائية، فأقترحت عليه أن يعمل في كتابة السيناريو، وأتيت له بكتب حول هذا الأمر باللغة الإنجليزية، وكانت النتيجة أننا كسبنا مؤلفا كان من أحسن كتاب السيناريو العرب.

هذه التجربة دفعتني لتأسيس معهد السيناريو، لتعليم جيل جديد كيفية الكتابة، وتعليم اللغة السينمائية، وقد تخرج في هذا المعهد على سبيل المثال كل من (رأفت الميهي، وممدوح الليثي، ومصطفى محرم، ووفية خيري) وغيرهم، وهم من أهم كتاب السيناريو في مصر حاليا.

في ذكرى (صلاح أبو سيف) الثلاثين.. (محمد خان) يحاور مخرج الواقعية الأول في السينما (1/2)
صلاح أبوسيف في كواليس فيلمه حمام الملاطيلي

* من أين تجيئ أهمية السيناريو بالضبط، برغم أن الفيلم عبارة عن مجموعة من الفنون والتقنيات المترابطة؟

** أي عمل فني يحتاج إلى ثلاثة عناصر أساسية، أولا أن يكون لدى الكاتب أو المخرج فكر، أي يكون له رأي معين في الحياة، والسياسة، والأقتصاد، وما شابه.

فالسينما عمل فني له مقولة، وإذا لم يكن للمخرج، والسينمائي بشكل عام، رأيه أيا كانت اتجاهاته السياسية، فإنه يفتقد الكثير، وبالتالي يكون العمل غير ذى قيمة!.

وأنا أعرف بعض المخرجين من القدامى، والشباب، لديهم تقنيات فنية متميزة، لكن ليس لديهم فكر، ولاتوجد لهم هموم عامة، مما يفقد أعمالهم الروح الحقيقية للإتصال بالحياة.

أما العنصر الثاني، فهو اللغة السينمائية، وهذه يجب دراستها، والتعرف على أبجدياتها، مثل أي أخرى، فإذا أتقنين لغتك يمكنك أن تتفلسف بها، وأن تطورها، وعلى كل إنسان أن يفهم لغته، وبالتالي سوف يختار ألفاظه، وكذلك اللغة الفنية يجب إمتلاكها على أحسن ما يكون.

 والصنعة هى العنصر الثالث، فعلى السينمائي أن يفهم صنعته، وإلا بدا عمله سخيفا، فيمكن مثلا للمخرج غير الملم جيدا بتقنيات السينما أن يتعرض لمواقف غير لطيفة ممكن حوله، وأنا أعرف فنيين كم سخروا من المخرجين الذين يبدون أقل استيعابا لتقنيات السينما، وهذه العناصر الثلاثة يجب أن تكون متساوية ومتكافئة، وهذا هو الفارق بين مخرج وآخر.

في ذكرى (صلاح أبو سيف) الثلاثين.. (محمد خان) يحاور مخرج الواقعية الأول في السينما (1/2)
صلاح أبوسيف أثناء إخراجه أحد أول أفلامه شارع البهلوان

* عندما كان هناك معهد للسيناريو، انضم إليه أدباء متميزون، وتعلموا أدوات جديدة، ثم راحوا يطبقونها في أعمالهم الأدبية والسينمائية، الآن هناك قسم للسيناريو بمعهد السينما والملتحقون به يهوون أن يكونوا مخرجين، أي أن أغلب المشتغلين بالفروع السينمائية يضعون أعينهم على الإخراج، وكما أشعر بافتقاد أن يبقى كاتب السيناريو وفيا لعمله دون أن يتحول إلى مخرج، كما أن بعض المخرجين يكتبون السيناريو، وهناك مخرجون لديهم حرفية عالية جدا في الإخراج ولكنهم يفتقدون حرفية كتابة السيناريو ويكتبونه ما رأيك؟

** لاشك أن عدد كتاب السيناريو قليل في السينما العربية، لكن هناك كتاب سيناريو متميزين مثل وحيد حامد، يجب أن نخلق كتاب سيناريو جيدين، لديهم أفكار محددة لأن العدد الكبير الذي ننتجه من الأفلام يحتاج إلى كتاب جدد.

* ليس المهم فقط هو أن يكون لدينا كاتب، بل المهم أيضا الوسيلة التى نقدمه بها إلى الناس؟

** المهم هو أن يتعلم الكاتب، علينا أن نخلق معهد سيناريو جديدا، وأن نصنع أجواء جديدة من أجل المساهمة، والمساعدة في خلق إبداع جديد.

* هناك الكثير من الأدباء الذي يتساءلون : لماذا لا تتعاملون مع الأدب، لاشك أن هناك فجوة بين الأدب والسينما اليوم، فالأديب والسينمائي كل في واد، فأحدهما يتعالى على الآخر، برغم وجود الهم المشترك لدى كل منهما؟

** لاشك أن إخراج نص سينمائي عن رواية يعد مسئولية لا يستهان بها فلو أخرجت رواية لكاتب معروف فعلي أن أتفاهم معه، ومن الخطأ مثلما يفعل بعض المخرجين، إبعاد الرواية عن خطها العام.

ولذا فإن البعض قام بتسطيح الأحداث، ويجب أن يكون هناك تفاهم بين المخرج والمؤلف، كي يكون هناك إتفاق، فـ (نجيب محفوظ) الذي لا يتدخل في الأفلام المأخوذة عن رواياته مع المخرجين، كان يجدني أرجع إليه، وأستشيره، لأن رواياته مليئة بأحداث يجب معرفة تفاصيلها منه.

وذلك من أجل عدم تفريغ الرواية من قيمتها، فإذا نظرنا إلى فيلم (الطريق) إخراج حسام الدين مصطفى، المأخوذ عن رواية لـ (محفوظ) فإن بطل الرواية (صابر) يمر بمرحلة البحث عن المطلق، وهو يعتنق أفكارا من الصعب تحويلها إلى فيلم، ولكن عندما تحولت الرواية إلى فيلم مرتين، أخذت أبعادا أخرى!.

في ذكرى (صلاح أبو سيف) الثلاثين.. (محمد خان) يحاور مخرج الواقعية الأول في السينما (1/2)
سعاد حسني بطلة الزوجة الثانية والقاهرة 30 تداعب صلاح أبوسيف

* ربما لأنه ليست هناك وجه نظر؟

** نعم، لأنه ليس هناك إتفاق في وجهتي النظر.

* أشعر دائما أنك كمخرج كبير، لم تأخذ حقك، فعلى الرغم من أن لك تاريخا متدفقا في تاريخ السينما فإن أعمالك تستحق أن تحصل على أضعاف ما نالت من تقدير، على سبيل المثال، أنت فتحت نافذة أعمالك للإطلال على الفقر، فماذا كنت ستفعل لو كنت تعيش في بلاد غنية؟

** لقد ابتدأت حياتي طفلا فقيرا، وأكتشفت أن الفقر أساس جميع المشاكل، مثلما قال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، (لو كان الفقر رجلا لقتلته).

ومادام الإنسان فقيرا، يمكن الإستيلاء عليه بسهولة، ولذا فإن كل أفلامي تدور في عالم الفقراء، وتصور الكوارث التى يحدثها لدى الناس، وأنا أحييك أنك لمست هذا الوتر في أفلامي، ولا تسألني ماذا كنت سأفعل في ظروف أنا لم أعشها، فلاشك أن الأمر كان سيتغير كثيرا.

* لاحظت في لقائي مع الشباب، وهم يتكلمون عن المخرجين، ويقيمون أعمالهم، أن هذه الآراء التقويمية تتغير من مرحلة لآخرى، وبالنسبة لأفلامك فإن بعضهم يشعر أن طموحاتك اللغوية السينمائية لم تكن كافية، فهم يتمنون أن تكون الطموحات الفنية لديك أكثر؟

** بالنسبة لي، فأنا أرى أن كل أفلامي تضم فلسفتي السينمائية، وارجع إلى حركات الكاميرا، والإضاءة، وتحريك الممثلين، وخذ على سبيل المثال علاقتي بالرمز والتشبيه، فهي موجودة في كل أفلامي، منها (القاهرة 30)، فقد إستغليت شكل التمثال الموجود في أغلب البيوت لقرون غزال، في التعبير عن حالة (محجوب عبدالدايم) بعد أن قام بتسليم زوجته لمسئول كبير.

مثل هذه المشاهد في حاجة إلى دراسة جيدة، وبهذه المناسبة فأنا أرى أن أهم عيب في السينما هو النقد!.

في ذكرى (صلاح أبو سيف) الثلاثين.. (محمد خان) يحاور مخرج الواقعية الأول في السينما (1/2)
إذا قرأت ما يكتب عن أفلامك فإنك لابد أن تصاب بالإحباط

* تقصد أن البعض منهم قد لا يجيد قراءة الفيلم؟

** بالضبط، يجب على الناقد رؤية الفيلم مرتين أو ثلاثا قبل الكتابة عنه، فإذا قرأت ما يكتب عن أفلامك فإنك لابد أن تصاب بالإحباط، فلا شك أن بعض ما كتب عن هذه الأفلام يثير الغيظ، وكأنهم يتحدثون عن فيلم آخر!.

* هل هذه الظاهرة موجودة دائما؟

** للأسف موجودة دائما، لكن هناك نقادا جيدين جدا، وهناك بعض النقاد يقومون بتعديل آرائهم لمصلحة الفيلم، بعد فترة من المشاهدة، يسحون خلالها برؤية أفضل للفيلم، وما يعبر عنه مثلما حدث لفيلمي (بين السماء والأرض).

* أذكر ناقدا مثل (سامي السلاموني) كان إذا لم يعجبه فيلم، فإنه يكتب عنه بعد نهاية عرضه، أما إذا أعجبه، فإنه ينشر عنه أثناء عرضه، وذلك من أجل تنشيط صناعة السينما الجادة؟

** طبعا، لأن (السلاموني) كان دارسا للسينما، ولي معه تجربة بالنسبة لفيلم (الزوجة الثانية)، فبعد أن هاجم الفيلم أول مرة، تراجع بعد فترة ووقف إلى جانبه، وهناك ظاهرة أخرى لدى بعض النقاد الذين يرفضون الكتابة عن الأفلام الرديئة، وهم بذلك يتركون الجمهور يعبر عن رأيه، وأغلبيته من الأميين، فتزداد البلبلة حول الفن الجيد، والفن الردئ، المسألى تحتاج إلى تقويم بين الناقد والعمل الفني.

فالنقد مسئولية، ولذا قمت بالكتابة عن السينما، لتوضيح الأمور المبهمة أمام الناس، والسؤال هو هل ضميرك كفنان مستريح أمام نفسك والناس؟ فعندما أحرجت (بين السماء والأرض) تصورت أنني أقدم فيلما لم يسبق لصناعة السينما أن عالجته في كل أنحاء الدنيا، ولكن الفيلم فشل تجاريا.

وبعد عشر سنوات تم تقديره!، فهل على المخرج أن ينتظر عشر سنوات بعد كل فيلم إلى أن تتم إعادة إكتشافه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.