


بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي
(اللص والكلاب)..بطولة: شادية – كمال الشناوي – شكري سرحان، إخراج: كمال الشيخ، قصة: نجيب محفوظ.. في عالم نجيب محفوظ، لا تبدو الإجابات جاهزة أو مطمئنة، ففي رواية (اللص والكلاب)، لا يقف السؤال عند حدود الجريمة والعقاب، بل يمتد إلى ما هو أعمق اختلال معيار الخير والشر حين يختل المجتمع نفسه.
فإذا كان المجتمع فاسداً، متواطئاً، أو مشوهاً في عدالته، فهل يصبح الفعل الخاطئ فيه مبرراً لأنه ردّ فعل؟ وهل يمكن أن يتحول الخطأ إلى حق لأنه وُلد داخل منظومة ظالمة؟ وعلى الجانب الآخر، هل يصبح الفعل الصحيح ذاته مريباً أو عدوانياً إذا اصطدم بمنظومة ترى الفساد هو القاعدة لا الاستثناء؟.. هذا هو جوهر المأزق الإنساني الذي يطرحه نجيب محفوظ.
ليس السؤال من المخطئ؟ بل من يملك حق تعريف الخطأ؟ في عالم (سعيد مهران)، بطل رواية (اللص والكلاب) لا تبدو الجريمة منفصلة عن السياق.. هو لا يرى نفسه لصاً بالمعنى الأخلاقي التقليدي، بل يرى خيانة المجتمع له، وخيانة من وثق بهم.
وهنا يبدأ الانزلاق الخطير حين يتحول الشعور بالظلم إلى مبرر داخلي لإعادة تعريف العدالة باليد، لكن محفوظ لا يمنح القارئ راحة الانحياز. فهو يضعك أمام مفارقة قاسية.
حتى لو كان المجتمع ظالماً، فإن تحويل الظلم إلى ذريعة للعنف لا يصنع عدلاً، بل يعيد إنتاج الفوضى بشكل آخر.. وهنا يظهر السؤال الذي يظل مفتوحاً: هل الفعل الخطأ في مجتمع شرير يصبح صحيحاً لأنه ردّ فعل طبيعي؟ أم أن الخطأ يظل خطأ مهما كانت الظروف، لأن انهيار المعايير لا يبرر إلغائها؟ وبالمقابل؟
هل الفعل الصحيح في مجتمع منحرف يصبح شريراً فقط لأنه يهدد توازن الفساد القائم؟ نجيب محفوظ لا يجيب بشكل مباشر، لكنه يتركنا أمام حقيقة مريرة حين يختل ميزان المجتمع، لا يعود الخير والشر مفصولين بوضوح، بل يصبحان متداخلين إلى درجة أن الإنسان نفسه قد يضل طريقه بينهما دون أن يدرك.


مأساة (سعيد مهران)
لا تقدم رواية (اللص والكلاب) حكماً بقدر ما تقدم مرآة فليست المشكلة في أن نعرف من هو المذنب، بل في أن نفهم كيف يصبح العالم نفسه قادراً على إنتاج الذنب، ثم تبريره، ثم معاقبته، ثم نسيانه.
في ضوء رواية (اللص والكلاب) تتكشف مأساة (سعيد مهران) لا بوصفها حكاية لص خرج من السجن فحسب، بل بوصفها رحلة إنسان يعود ليجد العالم قد تبدّل، والوجوه التي كانت يومًا مألوفة قد ارتدت أقنعة جديدة لا تشبه ما في ذاكرته.
يخرج (سعيد) من سجنه مثقلاً بأحلام بسيطة عن الاستعادة بيت كان يظنه ملكاً له، زوجة كانت جزءاً من ماضيه، وابنة كان يتشبث بها كآخر خيط للبراءة.. لكنه يصطدم بواقع قاسٍ؛ زوجته قد اختارت حياة أخرى، ورفضت حتى أن تترك له مساحة لرؤية ابنته، وكأن ماضيه كله قد تم شطبه دفعة واحدة.
ثم تأتي الصدمة الأعمق حين يذهب إلى (رؤوف علوان)، ذلك الاسم الذي كان في ذاكرته شريكاً في البدايات، ورفيقاً في عالم صغير من التفاهمات القديمة.. فإذا به يكتشف رجلاً آخر تماماً صحفي صاعد، صاحب مكانة اجتماعية، يرتدي خطاباً جديداً، ويجيد التكيّف مع عالم لا مكان فيه لذكريات سعيد ولا لماضيه.
بل إن (رؤوف)، الذي كان يوماً جزءاً من عالمه، ينكره الآن، وكأن العلاقة بينهما لم تكن سوى وهم قديم يجب التخلص منه.. هنا لا يعود الأمر مجرد خيانة فردية، بل يتحول إلى صورة لعالم كامل تبدّل من حوله.
عالم يعيد تشكيل نفسه باستمرار، ويترك من يتأخر عن التغيير خارج حدوده، وحيداً ومتهماً في آنٍ واحد.. إن مأساة سعيد مهران ليست فقط في أفعاله، بل في لحظة الإدراك القاسية التي تفرضها عليه الحياة أن كل من كان يظنه ثابتاً قد تغيّر، وكل ما كان يراه يقيناً قد انهار.
وهكذا يجد نفسه أمام مجتمع لم يعد يعترف به، بينما هو ما زال يحمل داخله صورة قديمة عن هذا المجتمع لم تعد موجودة.. ومن هنا يتشكل جوهر الرواية إنها ليست حكاية لص في مواجهة القانون، بل إنسان في مواجهة عالم تغيّر دون أن ينتظره، حتى صار هو الغريب الوحيد وسط وجوه يعرفها ولا تعرفه.
كما أن المتفرج لم يقف موقف الحياد أمام رواية (اللص والكلاب)، بل وجد نفسه منجذباً بشكل كامل إلى شخصية (سعيد مهران)، رغم أنه يُقدَّم في الظاهر باعتباره لصاً ومع تطور الأحداث، يتحول هذا الحكم الأخلاقي الجاهز إلى سؤال أكثر تعقيداً هل هو مجرم فعلاً، أم ضحية مجتمع خانته العدالة وأعاد تشكيله الظلم؟

تجسيد لحالة غضب
هذا التعاطف لم يكن سطحياً، بل كان نتيجة بناء درامي دقيق جعل من (سعيد مهران) نموذجاً لإنسان تم استغلاله وخذلانه على أكثر من مستوى، حتى أصبح الفعل لديه ردّ فعل أكثر منه اختياراً حراً.
في هذا السياق، يبرز الأداء التمثيلي بوصفه جزءاً أساسياً من قوة العمل.. فقد قدّم الفنان (شكرى سرحان) شخصية (سعيد مهران) بعمق إنساني لافت، جعل المشاهد يرى داخله الإنسان المكسور قبل أن يرى اللص.
لم يكن الأداء مجرد تجسيد لحالة غضب، بل كان تفكيكاً تدريجياً لإنسان يُدفع دفعاً نحو حافة الانهيار وعلى الجانب الآخر، جاء أداء الفنان (كمال الشناوي) في دور الصحفي المستغل ليعكس بروداً محسوباً وثقة لافتة، وكأن الشخصية تعيش فوق المساءلة الأخلاقية.
هدوء الأداء لم يكن ضعفاً، بل كان تعبيراً عن شخصية تؤمن أنها محصنة ضد الإدانة، وأن قدرتها على التلاعب بالحقائق كفيلة بحمايتها دائماً والنغم الهادئ (زين العشماوي)، الذى كان شكلا وأداء أكثر من رائع، أما الفنانة (شادية) فقد قدمت في الفيلم تجربة مختلفة تماماً، حيث ابتعدت عن الغناء لصالح أداء تمثيلي خالص، جعل حضورها أكثر عمقاً وتأثيراً.
تحولت إلى عنصر توازن إنساني داخل العمل، لا تعتمد على الغنوة كقوة تمتلكها، بل على الإحساس المباشر.. وكما تجلى أداؤها فى فيلم (شئ من الخوف)، تتجلى ملامح الأداء بوضوح أكبر، حيث اعتمد المخرج بشكل كبير على تعبيرات الوجه والعينين.
كانت نظرات (شادية) أداة سرد كاملة، قادرة على نقل الصراع الداخلي دون حاجة إلى كلمات كثيرة. الكحل الذي يحدد العين لم يكن مجرد عنصر جمالي، بل وسيلة درامية جعلت النظرة نفسها تحمل معنى.. حتى الحوار البسيط بين نور وسعيد مهران يحمل طبقات متعددة من الدلالة.
نداءها له باسم (نور) لم يكن مجرد اسم، بل كان رمزاً للأمل والحياة، بينما كان رد (سعيد مهران) لها وكأنه رافض لذلك النور نفسه، وكأنه يختار البقاء في العتمة لا لأنه يريد ذلك، بل لأنه لم يعد يرى طريقاً آخر.
وهكذا.. لا يقدم الفيلم إجابات جاهزة حول من هو المجرم ومن هو الضحية، بل يترك المشاهد أمام منطقة رمادية قاسية هل الجريمة فعل فردي أم نتيجة مجتمع مختل؟ وهل يمكن للعدالة أن تُقاس بمعزل عن الظروف التي صنعت الفعل نفسه؟
في النهاية، يبقى العمل مساحة مفتوحة للتأمل، لا للإدانة السهلة، حيث تتداخل الحدود بين الخطأ والصواب، بين الجاني والضحية، حتى يصبح الحكم النهائي مستحيلاً دون أن نُدين العالم نفسه أولاً.