
بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
عندما يتحول (النقد) من ميزانٍ للفن إلى محاكمة لحياة الفنان الخاصة، تنكسر واحدة من أقدم قواعد المهنة، وتتحول الكلمة من أداة بناء إلى سلاحٍ يُشهر في وجوه الناس بلا حساب.
هذا ما رأيناه مؤخراً في المشهد الإعلامي، حين خرجت الناقدة الفنية مها متبولي بتصريحات حول أزمة الفنان (كريم محمود عبد العزيز) مع طليقته، فلم تقف عند حدود الخبر، ولم تكتفِ بالإشارة إلى الدعاوى المنظورة أمام محكمة الأسرة، بل تجاوزت ذلك إلى كلماتٍ حملت طابع الشماتة.
قائلةً ما معناه أن ما فعله الأبناء بأبيهم عاد إليهم، ثم عادت لتفتح ملف الإعلامية (بوسي شلبي) من جديد، ونقلت عنها ما وصفته بقيام أبناء الفنان الراحل (محمود عبد العزيز بحذفها من قيد العائلة، في واقعة وصفتها متبولي بأنها تزوير قد تصل عقوبته إلى الحبس.
وهنا يصبح السؤال أبعد من مجرد خلافٍ بين فنان وطليقته، وأبعد من ملفٍ قديمٍ يُعاد تدويره على الهواء.. السؤال الحقيقي هو: متى أصبح من حق الناقد أن يخلع عباءة التقييم الفني ويرتدي رداء القاضي؟.. ومتى صار الميكروفون منبراً لإصدار الأحكام على النوايا، وتوزيع التهم على العائلات، وتحويل البيوت إلى مادةٍ للاستهلاك العام؟
(النقد) الفني، منذ نشأته، كان فعلاً من أفعال العقل الذوقي.. كان الناقد يجلس أمام العمل، يفك بنيته، يقرأ رموزه، يحاكم جماله أو قبحه، ثم يخرج إلى القارئ ليقول له: هذا يستحق وقتك، وهذا لا يستحق. كان كبار النقاد يمارسون هذه المهمة بصلابةٍ ونزاهة، فلا تجد في كتاباتهم اقتحاماً للحياة الخاصة، ولا تتبعاً لسجلات الأحوال المدنية، ولا حديثاً عن خلافات الميراث والطلاق.
كانوا يعرفون أن حدود المهنة تبدأ حيث تنتهي حدود العمل الفني، وأن تجاوز هذه الحدود يعني تحويل (النقد) إلى خلاف، وتحويل الناقد إلى خصمٍ شخصي.
أما ما حدث هنا، فهو خلطٌ متعمدٌ بين المساحات.. قضايا منظورة أمام محاكم الأسرة لا تزال في دائرة التداول القانوني، تُعرض أوراقها على القضاة، وتُسمع فيها أقوال الخصوم، ويُنتظر فيها حكمٌ نهائي.

الإعلام لا يمنح حصانةً مطلقة
أن تخرج إعلامية لتتحدث عنها وكأن الحكم قد صدر، وتنقل اتهامات وصفها قائلها بأنها تزوير من غير أن يكون هناك سندٌ قضائي قاطع، فهذا ليس رأياً ولا تحليلاً، بل هو تجاوزٌ يضع صاحب الكلام نفسه في موضع المساءلة.. فالإعلام لا يمنح حصانةً مطلقة، والكلمة المسموعة على الملأ لها ثقلها ومسؤوليتها.
إذا كان هناك مستندٌ رسمي يدين أحداً، فالطريق واضح: النيابة، المحكمة، القضاء، أما أن يُلقى الاتهام على الهواء ليُحدث ضجيجاً، فذلك هو التشهير بعينه، وهو فعلٌ يتعارض مع أبسط مبادئ الصحافة المهنية.
ومن المؤلم أن هذا التجاوز لم يأتِ في فراغ.. لقد وجد بيئةً حاضنةً في منظومةٍ إعلامية أصبحت تلهث وراء “الترند” وتعتبره غايةً في ذاته.. لم تعد البرامج والمنصات تسأل: هل هذا الكلام يفيد الجمهور؟ هل يضيف إلى الوعي؟ هل يصون حرمة الناس؟
بل صار السؤال الوحيد: هل سيُحدث ضجة؟ هل سيُعاد نشره؟ هل سيجلب مشاهدات؟ وهكذا تحولت الخلافات العائلية، التي كان من المفترض أن تُحل في هدوءٍ، إلى مادةٍ إعلامية تُستهلك في ساعاتٍ ثم تُرمى، تاركةً وراءها سمعةً مجروحة، وأطفالاً محرجين، وبيتاً لم يعد له ستر.
والأخطر من ذلك أن الدافع الشخصي دخل على الخط.. فعلاقة الصداقة بين (مها متبولي وبوسي شلبي) تفسّر سبب عودة فتح الملف بهذه الحدة، وتفسّر نبرة الدفاع التي لا تخطئها الأذن.. لكن الصداقة، مهما كانت قوية، لا ينبغي أن تُعمي البصر عن أصول المهنة. عندما يتحدث الإعلامي عن صديقه المقرب، يقع في تضارب مصالح واضح، ويفقد أهليته للحياد.
الجمهور لم يعد ساذجاً، وهو يدرك الفرق بين الناقد الذي يحاكم العمل، والصديق الذي يدافع عن صاحبه.. وإذا لم يفصل الإعلامي بين الدورين، فإنه يفقد احترام الجمهور قبل أن يفقد احترام مهنته.
إن الطلاق، والخلافات على الميراث، واللجوء إلى القضاء، ليست عاراً ولا فضيحة.. هي جزءٌ من حياة البشر، يمر بها الأغنياء والفقراء، المشاهير والمجهولون.. اللجوء إلى القضاء نفسه فضيلةٌ مدنية، لأنه يعني أن الناس اختاروا الاحتكام إلى القانون بدلاً من الاحتكام إلى اليد أو إلى الإساءة.

انحدارٌ أخلاقي يفضح قائله
أن تُحول هذه الإجراءات إلى مادةٍ للتصريحات التي اعتُبرت شماتة، وأن يُقال (اللي عملوه في أبوهم اتعمل فيهم) فذلك انحدارٌ أخلاقي يفضح قائله قبل أن يفضح من يتحدث عنه، فالناس لا يُقاسون بمواقفهم من طليقات آبائهم فقط، بل بمواقفهم من الضعيف، ومن الخصم، ومن الكلمة التي تخرج من أفواههم.
و(النقد) الحقيقي لا يحتاج إلى هذه الأساليب. النقد الحقيقي يقف أمام الفيلم السيئ فيقول: النص ضعيف، والإيقاع مترهل، والأداء باهت. يقف أمام المسلسل الجيد فيقول: الحوار متماسك، والإخراج مبتكر، والممثلون صدقوا الدور.
لا يحتاج إلى أن يفتح ملف الطلاق، ولا إلى أن يسأل عن قيد العائلة، ولا إلى أن يُذكّر الجمهور بخلافاتٍ قديمة.. لأنه يعرف أن مهمته هي صون الذوق العام، لا هتك ستر الناس.
إن السكوت عن الخوض في هذه التفاصيل ليس جبناً، ولا هو تواطؤ مع الخطأ.. بل هو أعلى درجات المهنية.. هو إعلانٌ واضح بأن الكلمة أمانة، وأن المنصة مسؤولية، وأن الجمهور يستحق ما هو أرقى من الخناقات العائلية. فالإعلام الذي يحترم نفسه لا يتحول إلى ساحةٍ للتشهير، والإعلامي الذي يحترم نفسه لا يتحول إلى نائبٍ عامٍ يُصدر الاتهامات من استوديو مكيف.
وفي النهاية، يبقى السؤال موجهاً إلينا جميعاً. نحن الجمهور الذي يضغط زر المشاهدة، ويعيد التدوير، ويعلق بكلمةٍ تزيد النار اشتعالاً.. إذا توقفنا عن التفاعل مع هذا النوع من المحتوى، فهل سيستمر الإعلاميون في إنتاجه؟ أم أنهم سيعودون إلى وظيفتهم الأصلية: مناقشة الأعمال، وتحليل الظواهر، وتوجيه الذوق العام؟
الكلمة أمانة، والميكروفون مسؤولية، و(النقد) رسالة.. ومن أراد أن يكون ناقداً بحق، فليعد إلى مكتبه، وليفتح النص، وليترك البيوت لأهلها.. فما أسرع ما ينهار البنيان إذا صار اللسان معولاً، وما أثقل ما يدفعه مجتمعٌ إذا صار إعلامه ساحةً للخصومة بدلاً من أن يكون منبراً للفهم.