أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (2).. شعور بالفشل!


بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي
كان ذلك العالم قد بدأ يتشكل داخلي منذ سنوات بعيدة، منذ طفولتي الأولى، حين كنت أبحث عن نفسي دون أن أدرك تمامًا ما الذي أبحث عنه.. كنت في السابعة أو الثامنة من عمري، طفلًا صغيرًا يحدق طويلًا في الوجوه والكلمات والأسئلة التي يطرحها الكبار: ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟.. كنت أبحث عن (الحلم).
وكان الغريب أن الجميع تقريبًا كانوا يملكون إجابات جاهزة؛ أحدهم يريد أن يصبح طبيبًا، وآخر مهندسًا، وثالثًا طيارًا أو ضابطًا، كما كنا نحلم في تلك الفترة البسيطة والواضحة.. أما أنا، فلم تكن لدي إجابة محددة، لأن ما كنت أبحث عنه لم يكن مهنة بالمعنى المعتاد، بل كان عالمًا كاملًا.. كنت أبحث عن الخيال، عن باب سري يفتح على حياة أخرى، حياة لا يدخلها الجميع، ولا يراها إلا من يمتلك القدرة على (الحلم).
لهذا جاءت رغبتي المبكرة في دخول أكاديمية الفنون.. كنت قد انتهيت من المرحلة الابتدائية، ولم يعترض والدي على الفكرة، لكنه سألني بهدوء: ولماذا تريد دخولها؟..
وقتها لم أستطع أن أجيبه.. كيف لطفل أن يشرح شعوره الغامض تجاه عالم لا يعرفه، لكنه يشعر أن هذا (الحلم) ينتمي إليه؟
قرر والدي أن أبدأ بدراسة الموسيقى، لأن الالتحاق بالأكاديمية كان يحتاج إلى اختبارات وشروط خاصة.. والحقيقة أنني كنت أحب الموسيقى بالفطرة، أتذوقها دون أن أفهم أسرارها، أستمع إليها كما لو كانت لغة خفية تتحرك داخل الروح.. بدأت أتلقى بعض الدروس، لكنني لم أكن بالمستوى المطلوب، ولم ألتحق بالأكاديمية كما تمنيت.

أعيد تشكيل نفسي من جديد
حزنت كثيرًا، وربما كان ذلك أول شعور حقيقي بالفشل يمر بحياتي.. لكن هذا الحزن نفسه فتح أمامي بابًا آخر، باب القراءة.. شعرت أنني أهرب من خيبتي في تحقيق (الحلم) إلى عالم بديل، عالم أستطيع أن أختبئ داخله وأعيد تشكيل نفسي من جديد.
كنت أسكن وقتها في منطقة الهرم، بالقرب من الأكاديمية.. وكان شارع خاتم المرسلين مختلفًا تمامًا عما أصبح عليه الآن؛ كانت هناك ترعة تمر في المكان، وكانت الحياة أبطأ وأكثر هدوءًا.. وبجوار كنيسة العذراء كانت توجد مكتبة صغيرة جدًا، لا يتجاوز حجمها مترين، لكنها بدت لنا وقتها أوسع من العالم كله.
تعرفت على تلك المكتبة من خلال صديق عزيز اسمه (سيد)، وكان من أكثر الأشخاص تأثيرًا في حياتي.. كان (سيد) يذهب إلى (عم عبده)، صاحب المكتبة، ليساعده في ترتيب الكتب كل أسبوع، وفي المقابل يسمح له بأن يستعير ما يشاء من الكتب.. أحببت الفكرة، وأحببت المكان، وأحببت ذلك الشعور الغامض الذي تمنحه رائحة الورق القديم.
كان (عم عبده) رجلًا يشبه في هيبته الفنان الكبير (عبد الوارث عسر).. تجاوز السبعين من عمره، لكنه كان يتعامل مع مكتبته كما لو كانت مملكته الخاصة؛ يفتحها في موعد ثابت، ويغلقها في موعد ثابت، ويعرف أماكن كتبه كما يعرف الأب أسماء أبنائه.. وكان يحب سيد بشكل خاص، حتى إنه كان يأتمنه على المكتبة والزبائن أحيانًا.
هناك قرأنا كل شيء تقريبًا (المغامرون الخمسة، والشياطين 13، والمغامرون الثلاثة، وميكي وبطوط، وتان تان، ولولو الصغيرة)، والمجلات المصورة التي كنا نتباهى بامتلاك أعدادها الكاملة، خصوصًا أعداد المغامرين الخمسة.
لم تكن تلك المكتبة مجرد مكان لبيع الكتب، بل كانت بوابة سرية إلى الخيال.. كنا نشعر أن الكتب المكدسة بعشوائية تخفي عوالم كاملة، وأن كل كتاب نخرجه من بين الأكوام يشبه اكتشاف كنز صغير.. وكان (عم عبده) يعيرنا الكتاب مقابل خمسة عشر قرشًا، مبلغًا بسيطًا، لكنه وقتها كان يعني لنا الكثير.

شجرة أم الشعور
وأمام المكتبة كانت تقف شجرة صفصاف ضخمة، أطلقنا عليها اسم (شجرة أم الشعور)، نسبة إلى لغز شهير في (سلسلة المغامرون الثلاثة).. وكثيرًا ما كنا نجلس تحتها نقرأ، بينما تمر الحياة من حولنا ببطء، وكأن الزمن نفسه كان يتوقف احترامًا لذلك العالم الصغير الذي صنعناه لأنفسنا في محاولة لتحقيق (الحلم).
ثم جاءت السينما من بعيد، تتسلل إلى خيالنا شيئًا فشيئًا.. كانت أكاديمية الفنون تقيم حفلات للموسيقى العربية داخل قاعة سيد درويش، وأحيانًا تعرض بعض الأفلام في مناسبات مختلفة. وأمام المعهد كانت مدينة الفنون، بأسوارها العالية وأبوابها التي بدت لنا كأنها تفصل بين عالمين؛ عالم الناس العاديين، والعالم السحري الذي يسكنه الفنانون والنجوم.
كنا أحيانًا نتسلل بالقرب من الأسوار، نراقب التصوير من بعيد، أو نستمع إلى الأصوات الخارجة من الاستوديوهات. وكانت هناك شجرة توت قرب الباب المطل على الأكاديمية.
ولأن الباب لم يكن يُفتح دائمًا، كنا نتسلق السور ونقذف الشجرة بالحجارة لنحصل على بعض الثمار، ثم نتسلل بأعيننا إلى الداخل، حيث (ستوديو النحاس)، وحيث الأصوات القادمة من خلف الجدران تحمل إلينا إحساسًا غامضًا بالسحر.
في تلك اللحظات، كنا نشعر أن هناك عالمًا آخر يختبئ خلف تلك الأسوار؛ عالمًا لا يمكن دخوله بسهولة، لكنه ظل طوال الوقت ينادينا من بعيد لتحقيق (الحلم).