أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (1)


بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي
كل ما كنت أدركه عن صناعة السينما وقتها، أنني أجلس أمام التلفاز لأشاهد فيلماً، لم يكن عمري يتجاوز السابعة، وكنت أرى العالم كله من خلال تلك الشاشة الصغيرة عبر ذلك (الحلم) الكبير.
أحب إسماعيل ياسين، وأضحك من قلبي مع فؤاد المهندس، وأتأمل أداء عبد المنعم إبراهيم وكأنه شخص يعرفني ويجلس معنا في البيت.. كانت المسرحيات التي تُعرض مساء الخميس حدثاً استثنائياً بالنسبة لي، وكذلك فيلم الظهيرة وفيلم السهرة.. كنت أنتظر موعد العرض بفارغ الصبر، حتى لو كنت قد شاهدت الفيلم نفسه عشرات المرات.
بالنسبة لطفل في مثل سني، لم تكن الأفلام مجرد تمثيل، بل كانت حقيقة كاملة.. كنت أصدق كل شيء؛ أفرح مع البطل، وأغضب من الشرير، وأشعر بالحزن الحقيقي حين تنتهي الحكاية.. كنت أعيش داخل العالم كانه حقيقة لا خيال ..(الحلم) الذي مازال يطوقني.
كنت أسكن في منطقة الهرم، بجوار أكاديمية الفنون.. وهناك، بالقرب من معهد السينما، كانت تقع سينما الأهرام.. سينما صيفية بسيطة، لكنها بالنسبة لي كانت أشبه ببوابة سحرية.. كل يوم اثنين كانت تعرض فيلماً جديداً، عربياً أو أجنبياً، وكانت هناك فاترينة زجاجية تُعرض فيها صور الفيلم كنوع من الدعاية.

عالم أكبر وأكثر اتساعاً
كنت أقف أمامها طويلاً يملئني ذلك (الحلم).. أتأمل الوجوه واللقطات وكأنني أحاول أن أفهم كيف يمكن لصورة ثابتة أن تحمل كل هذا السحر.
أما الأفيش الكبير المعلق فوق السينما، فكان بالنسبة لي بمثابة (الحلم) معلقاً في السماء.. كنت أنظر إليه وأشعر أن هناك عالماً آخر خلفه، عالماً لا يشبه الشارع الذي أعيش فيه ولا المدرسة التي أذهب إليها.. عالم أكبر وأكثر اتساعاً وحرية.
ومع الوقت، تحولت محاولاتي لدخول السينما إلى مغامرات صغيرة.. كنت أفتش عن أي فرصة تسمح لي بالجلوس داخل ذلك المكان المظلم الذي يضيء بالحكايات.. لم أكن أعرف شيئاً عن الإخراج أو التصوير أو كتابة السيناريو، لكنني كنت أعرف شيئاً واحداً فقط: أنني أريد أن أكون جزءاً من هذا العالم عبر (الحلم) الذي يراودني.
كان التلفزيون هو نافذتي الكبرى على السينما.. وبرامج مثل (نادي السينما) على القناة الأولى، الذي كانت تقدمه الإعلامية درية شرف الدين، جعلت متعة المشاهدة أعمق بكثير.. لم يكن الفيلم ينتهي مع التترات، بل يبدأ حديث جديد عنه وتحليل لأفكاره وصناعته.. كنت أستمع بانبهار شديد، كأنني اكتشف سراً خفياً لا يعرفه الجميع.
كذلك برنامج (أوسكار) الذي كانت تقدمه سناء منصور، وبرنامج (سينما الأطفال) صباح الجمعة، الذي جعل الرسوم المتحركة جزءاً من طقوسي الأسبوعية.. أصبحت أنتظر تلك المواعيد كما ينتظر الناس الأعياد.
ومع الوقت، لم تعد الفكرة مجرد مشاهدة أفلام، بل صار (الحلم) بداخلي أكبر: أن أصبح واحداً من صناع هذا العالم.
لكنني لم أجرؤ على التصريح بهذا (الحلم) إلا لشخص واحد فقط.. كان يستمع إليّ بابتسامة هادئة، ثم يقول إن الأمر ليس سهلاً.. كان يرى أن هذا العالم مغلق على أشخاص معينين، وأن اختراقه شبه مستحيل.. كنت أسمعه، لكن شيئاً بداخلي كان يرفض التصديق.

(الحلم) اقترب مني
ثم جاءت اللحظة التي شعرت فيها لأول مرة أن (الحلم) اقترب مني.. كنت متجهاً إلى المدرسة الإعدادية، حين لاحظت وجود تصوير لمسلسل (حارة السكري) داخل ستوديو النحاس.. توقفت أراقب المكان بدهشة، قبل أن يقترب مني رجل ويسألني فجأة:
تحب تمثل؟
توقفت الدنيا للحظة.
شعرت وكأن الحظ قرر أخيراً أن ينظر إليّ.. أجبته فوراً: طبعاً.
أدخلني إلى الاستوديو، وطلب مني أن أقف وسط الحارة مع مجموعة من الأطفال وأن أنفذ التعليمات.. كنت أتحرك بحماس هائل، وأشعر أن الكاميرا ترى فيّ ما كنت أراه في نفسي دائماً.. في تلك اللحظات القصيرة، تخيلت أنني أصبحت ممثلاً عظيماً، وأن هذا المشهد سيكون بداية الطريق نحو النجومية.
لكن بعد انتهاء التصوير، اقترب الرجل مني، ووضع في يدي خمسة جنيهات وهو يقول:
شكراً يا حبيبي.
ثم رحل.
انتهى كل شيء بسرعة صادمة.
بدأ الناس يغادرون، وأُطفئت الأضواء، وأصبح الاستوديو فارغاً تماماً.. خرجت وأنا أحمل شعورين متناقضين؛ سعادة لا توصف لأنني دخلت للمرة الأولى إلى العالم الذي كنت أحلم به، وحزن عميق لأن الأمر انتهى بهذه السرعة، وكأن (الحلم) فتح بابه لثوانٍ ثم أغلقه من جديد.
وقفت أمام المعهد العالي للسينما طويلاً.
كنت صغيراً، مرتبكاً، لا أفهم شيئاً عن الطريق الذي يجب أن أسلكه، لكنني كنت متأكداً من شيء واحد فقط.
أن الأمر لم ينته بعد.
وأن هذا العالم، مهما بدا بعيداً، يمكن يوماً ما أن يصبح عالمي أنا أيضاً.