


بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
قرار النيابة العامة بحجب أحد عشر حساباً على منصات التواصل، وعلى رأسها حساب الباحث الإسرائيلي (إيدي كوهين)، لم يكن إجراءً إدارياً عابراً.. هو سحب للستار عن مسرح عمل في الخفاء منذ أن تغيّر اتجاه السياسة المصرية في أوائل السبعينيات.
وتبدّلت معه اللغة، وتغيّرت معها صورة الماضي في عيون الحاضر، فكان من الطبيعي أن يثير القرار تساؤلاً أعمق: ما الذي ظللنا نعيد إنتاجه طوال نصف قرن دون أن ننتبه؟
واللافت في القائمة أن أسماء أخرى إلى جوار (إيدي كوهين) لم تكن حسابات سياسية بالمعنى المباشر، بل فنانين وصحفيين وإعلاميين ينتمون بشكل أو بآخر لجماعة الإخوان. وهنا يتضح لماذا يصبح الحديث عن الفن والدراما والإعلام قلب الموضوع، لا هامشه.. فالمعركة لم تعد على منابر السياسة وحدها، بل امتدت إلى الشاشة والميكروفون والكلمة المصورة.
فبعد أن خُتمت حقبة الخمسينيات والستينيات، احتاج المسار الجديد إلى شرعية في الوجدان قبل أن تكون في الواقع.. وكان أقصر الطرق إلى ذلك أن يُعاد تشكيل الذاكرة. هكذا فتحت الشاشة ذراعيها لخط سردي واحد، تكرر في جزء كبير من الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، حتى صارت ثورة يوليو وما تلاها مادة للمراجعة القاسية.. ولم يكن الهدف نقد أخطاء مرحلة بعينها، بل نزع الشرعية عن فكرة الدولة الوطنية نفسها.. فتسرّبت الفكرة إلى الوعي الجمعي، لا كفرضية قابلة للنقاش، بل كمسلّمة لا تحتاج إلى دليل، بينما كانت الذاكرة الشعبية تقف شاهداً على خلاف ذلك.
فالشعب الذي خرج يرفض تنحي قيادته بعد النكسة، والذي شيّعها بجنازة لم تعرف مصر مثلها، لا يمكن أن يكون قد عاش تحت نير لا يُطاق.. بين حب الناس لقيادتهم وبين صورة القمع التي رسمتها بعض الأعمال فجوة لا تُردم بالكلام.
وخطورة هذا التشويه المتواصل أنه لم يبقَ عند حدود التاريخ، بل ضرب في مشروع الدولة الوطنية من جذوره.. فحين يُعاد تقديم مرحلة التأسيس على أنها قمع بلا إنجاز، يصبح من السهل على الجيل التالي أن يرى الدولة ذاتها خصماً لا ملاذاً، وتلك هي الأرض الخصبة التي تنبت فيها التنظيمات.


منبر يعيد تشكيله
ومن هنا يتضح أن المسألة لم تكن التماساً للحقيقة بقدر ما كانت حاجة سياسية لتبرير انعطافة السبعينيات، فاستُخدم الفن مطية لتلك الحاجة، وتحولت بعض الأعمال من مرآة تعكس الواقع إلى منبر يعيد تشكيله.. وما إن استقرت الرواية في اللاوعي حتى صارت ميراثاً. فخرج على ألسنة شباب لم يعرفوا التنظيمات ولم يقرأوا أدبياتها شعارٌ قديم مثل (يسقط حكم العسكر)!
لأن الفكرة سبقت الجماعة وسكنت المخيال الشعبي عبر الشاشة والفضائيات.. لم يكن الإخوان هم من زرعوها في هذا الجيل، بل كانت الأعمال والقنوات التي تحدثنا عنها هي التي أعادت تدويرها حتى صارت جزءاً من اللغة اليومية لقطاع من الشباب.
ولم يقف الأمر عند حدود السينما والمسرح.. فقد جاءت فضائيات تتحدث باسمنا وتدعي قربها منا، فأكملت ما بدأته الدراما. قنوات عربية، تعادي بطبيعتها فكرة الجمهورية التي أسستها حقبة الخمسينيات والستينيات، وجدت في تشويه تلك المرحلة سبيلاً إلى تثبيت شرعيتها.
فصارت تعيد الخطاب نفسه في مسلسل تاريخي أو حلقة حوارية، والمشاهد المصري، لأنه يثق في اللوجو الذي أمامه، يتلقى الرواية كأنها قدر لا يُرد.
ولما جاء قرار النيابة ووضع اسماً إسرائيلياً معروفاً بعدائه لمصر على رأس القائمة هو (إيدي كوهين)، وبعده أسماء كانت تُقدَّم لسنوات بوصفها صوت المعارضة الوطنية، سقطت مساحيق التجميل.
فإذا بالخطاب واحد، وإذا بالدائرة التي حذر منها الرئيس جمال عبد الناصر لم تُغلق بعد. لم تكن المسألة يوماً تصفية خصوم سياسيين، بل كانت التصدي لتنظيم يرى نفسه فوق الدولة، ومستعداً للتحالف مع أي قوة ضدها.
واليوم، وقد انكشف الخيط الذي يربط بين الخارج والداخل، بين الشاشة والسوشيال ميديا، يصبح المنع وحده قاصراً.. فالمعركة لم تعد على تخوم الأرض، بل في عمق الصورة الذهنية.
ومن هنا يصبح واجب الوقت مراجعة هادئة لما قدمناه لأنفسنا طوال نصف قرن: مراجعة للأعمال التي أساءت إلى حقبة الخمسينيات والستينيات، ومراجعة للخطاب الإعلامي الذي يُبث تحت لافتات مختلفة ويعيد الاسكريبت نفسه.
هذه المراجعة ليست تخويناً للفن ولا قيداً عليه، بل هي إنقاذ له من أن يبقى أداة هدم، وإعادة له إلى وظيفته الأولى.. فالأوطان لا تُهزم حين تُهزم جيوشها، بل حين تُهزم ذاكرتها. ومن أراد أن يحمي البلد، فليبدأ بحماية وعي أبنائها، فإن الوعي إذا استقام استقامت معه الدولة، وإذا اختلّ اختلّ معه كل شيء.