رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

وائل شفيق يكتب: (أحمد سالم).. صاحب الجلالة المُعظّم !

وائل شفيق يكتب: (أحمد سالم).. صاحب الجلالة المُعظّم !
عامل التوصيل لا يتصل لأن مزاجه رائق، ولا لأنه يعشق كثرة الكلام
وائل شفيق يكتب: (أحمد سالم).. صاحب الجلالة المُعظّم !
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

قبل أيام خرج علينا الإعلامي المُعظّم (أحمد سالم)، بمنشورٍ يشكو فيه من عمال التوصيل الذين يحملون على أكتافهم ثقل مدينتنا الجائعة.. استنكر تكرار اتصال العامل بالعميل، وخلص إلى أن التكنولوجيا إنما وُجدت لخدمة السادة في صمتٍ مطبق، وأن دور العامل لا يعدو كونه زرّاً يُضغط فينفّذ ثم يختفي.. لا سؤال، لا صوت، لا إنسان.. مجرد ظلٍ عابر ينفّذ الأمر وينصرف.

لكن ما لا يفهمه (أحمد سالم) أن هذا (الاتصال) الذي يزعجه، هو في حقيقته صرخة حياة.. عامل التوصيل لا يتصل لأن مزاجه رائق، ولا لأنه يعشق كثرة الكلام.. هو يتصل لأنه مرعوب من عنوانٍ غير دقيق، ومن بوابٍ أخذ تعليمات صارمة: (ممنوع صعود عمال التوصيل).

ومن GPS يرميه في الجهة الأخرى من المدينة، ومن زبونٍ قد يلغي الطلب بعد أن يقطع المسافات، فيُخصم من أجره الهزيل ثمن الطلب.. اتصاله محاولة أخيرة لإنقاذ لقمة عياله من الضياع، فهو لا يزعجه، بل يقاتل لئلا يُسحق.

وهكذا تعود الوسية، لكن في ثوبٍ رقمي.. سيدٌ كان يقرع الجرس فيهرول العبد، صار اليوم سيداً يضغط (اطلب الآن) فيلتزم العامل بالصمت المطلق. المنطق واحد، والقسوة واحدة، لكن القيد صار رقمياً، والسوط صار تقييماً بنجمة واحدة وخصماً من الراتب. سادة الأمس كانوا – رغم عنجهيتهم – يدّعون أخلاق النبلاء، يستحون أن يهينوا خادمهم علناً ويضمنون له الطعام والمأوى.. أما سادة التطبيقات فهم محدثو نعمة، اشتروا رفاهية ضغطة زر فظنوا أنهم اشتروا البشر الذين يقفون خلفها.

يريدون خدمة أوروبية في شوارع محا الحيُّ أرقام بناياتها، ودقة سويسرية في بلدٍ ترك الفقير يواجه قدره وحده.. وعندما تخذلهم الخرائط، يصبون جام نقمتهم على الحلقة الأضعف: الشاب الذي إن سقط عن دراجته في عز الظهيرة، لن يلتفت إليه أحد.

وائل شفيق يكتب: (أحمد سالم).. صاحب الجلالة المُعظّم !
تريد خدمة بلا اتصال؟ فابدأ بتعامل بلا استعلاء

ابدأ بتعامل بلا استعلاء

هذا مجتمع مريض، انقسم إلى نصفين: نصفٌ فوق يطلب الصمت المطلق، ونصفٌ تحت يتوسل ألا يُخصم من قوت يومه.. ومجتمعٌ كهذا لن تنقذه تكنولوجيا، ولن يبرئه ذكاء اصطناعي، ما دام يُبنى تقدمه على سحق الإنسان.

والحل لا يحتاج خطباً ولا فلسفة.. تريد خدمة بلا اتصال؟ فابدأ بتعامل بلا استعلاء.. اكتب عنوانك بدقة كأنك تصفه لأعمى، وأبلغ حارس بنايتك أن هناك عاملاً قادماً، ولا تحوله إلى جلاد على الباب.. انزل واستلم إن كان مدخلك متاهة، ولا تجعل من جسد العامل جسراً لكسلك.

وكفّ عن إلغاء الطلب لأن مزاجك تبدل، فمزاجك ليس أقدس من عرقه.. حينها فقط لن تحتاج مكالمة من عامل التوصيل، وحينها فقط ستكون متحضراً حقاً، لا مجرد وريثٍ لعقلية الإقطاعي في ثوبٍ عصري.

فاعلم يا صاحب السمو (أحمد سالم)، أن عامل التوصيل ليس خادمك، إنه شريك في الحياة. هو من يواجه لهيب الشمس وغبار الزحام ليصلك رزقك دافئاً وأنت تحت التكييف تحتسي قهوتك. وإن عجزت عن رؤية شراكته، فانظر على الأقل إلى إنسانيته.

لأن (الوسية) إن عادت مكتملة الأركان، فإن أول من ستحرقهم نارها هم السادة المتحصنون خلف أسوار كومباونداتهم، قبل أن تصل إلى من لا يملكون إلا دراجاتهم وأجسادهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.