رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

هنا القاهرة.. (الإذاعة) نور وبعض المنصات قبور

هنا القاهرة.. (الإذاعة) نور وبعض المنصات قبور
الرائد الإذاعي محمد الطوخي يسجل حديث للإذاعة في بيت الرئيس محمد نجيب واولاده
هنا القاهرة.. (الإذاعة) نور وبعض المنصات قبور
عبدالحليم عندما اجرى حوار مع إحدى المريضات في برنامج حول الأسرة البيضاء ومع سامية صادق وأحمد الحداد
هنا القاهرة.. (الإذاعة) نور وبعض المنصات قبور
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

منذ اثنتين وتسعين سنة، عند الساعة السادسة وخمس وأربعين دقيقة من مساء يوم 31 مايو 1934، خرج صوت رخيم من ميكروفون بدائي ليعلن ميلاد سلطة جديدة في وجدان المصريين. قال المذيع أحمد سالم: (هنا القاهرة)، فكانت إعلاناً غير مكتوب لمعركة لم تهدأ إلى اليوم: معركة الوعي.. وها نحن، ونحن نحتفي بذكرى عيد (الإذاعة) المصرية، نعود إلى تلك اللحظة لنستلهم منها درساً عن الكلمة وسلطانها.

لكن إنصاف التاريخ يوجب العودة للبداية الحقيقية.. عام 1925، لم تكن مصر متأخرة عن العالم، فقد انطلق أول بث إذاعي عالمي عام 1920. ظهرت في القاهرة والإسكندرية إذاعات أهلية كثيرة، منها: (راديو فاروق، إذاعة فؤاد، فوزية،سابو، فيولا).

كان الميكروفون حينها بوابة مفتوحة على الهواء، يملك مفتاحها كل صاحب بيت، يدخل منها إلى بيوت الناس بلا استئذان ولا رقيب.. حرية مطلقة، بلا سقف، بلا ضابط، بلا سؤال عن العواقب.

هنا القاهرة.. (الإذاعة) نور وبعض المنصات قبور
الناقد المسرحي علي الراعي والمخرج نبيل الألفي وصلاح ابوسيف ويوسف السباعي في برنامج الدائرة المستطيلة
هنا القاهرة.. (الإذاعة) نور وبعض المنصات قبور
امال فهمي وسناء جميل أثناء تسجيل أحد البرامج الاذاعية

القرار الحاسم في 29 مايو 1934

ولم تمضِ سنة واحدة حتى أدركت الدولة المصرية أن هذا الجهاز ليس لعبة.. في بداية مايو 1926، وبعد تزايد التجاوزات الأخلاقية والأمنية، صدر قرار تنظيمي يحدد ضوابط عمل (الإذاعة) واشترط الترخيص.

ثم جاء القرار الحاسم في 29 مايو 1934 بإيقاف جميع الإذاعات الأهلية، والانتقال إلى إدارة مركزية عبر التعاقد مع شركة ماركوني لإنشاء (الإذاعة اللاسلكية للدولة المصرية).

وهنا تتجلى أهمية القرار: لم يكن الهدف مصادرة الصوت، بل حمايته من أن يصبح ضجيجاً، ومن أن يتحول المنبر إلى مقصلة للذوق العام. السر الذي أدركته مصر مبكراً أن الميكروفون ليس آلة لنقل الذبذبات، بل سلاح أخطر أنواع الأسلحة.

الرصاصة تهدم بنياناً، أما الكلمة فتبني أمة أو تهدمها من داخل وجدانها.. ولهذا لا يُترك السلاح سائباً، ولا يُؤتمن عليه إلا من عرف قدره، وعرف أن الكلمة أمانة ثقيلة.

تأملوا الافتتاح.. ست ساعات فقط في اليوم الأول، لكنها كتبت مناهج.. عند السادسة وخمس وأربعين دقيقة مساءً انطلق صوت (أحمد سالم)، ثم شارك في هذا اليوم: القارئ الشيخ محمد رفعت، وأم كلثوم، وعبدالوهاب، والشاعر علي الجارم، وصالح عبدالحي، والمونولوجست محمد عبدالقدوس، والموسيقيان مدحت عاصم وسامي الشوا.

لم تبدأ مصر بأي صوت متاح، بل بدأت بأصوات تصنع الذوق العام لأجيال.. كان هذا اختياراً واعياً يقول للعالم: نحن لا نبث لنملأ فراغ الهواء، بل لنصنع زمناً.. والبدايات تُكتب مرة واحدة، فإما أن تكون عظيمة فتصير أسطورة، أو تكون عادية فتذوب.

نموذج عملي يتكرر في كل عصرتجربة الإذاعات الأهلية من 1925 إلى 1934 ليست صفحة في كتاب الإعلام، بل نموذج عملي يتكرر في كل عصر.. تسع سنوات من الحرية المطلقة أثبتت أن غياب الضابط يحول السحر إلى فتنة، والمنبر إلى سوق ضجيج. ولهذا كان قرار التنظيم والإدارة المركزية قرار حماية للهوية، لا إلغاء للصوت، وبناء للوعي لا هدم للإبداع.

هنا القاهرة.. (الإذاعة) نور وبعض المنصات قبور
عماد حمدي ويحيي شاهين وسناء جميل أثناء تسجيل واحدة من مسلسلات الإذاعة copy
هنا القاهرة.. (الإذاعة) نور وبعض المنصات قبور
ملك الجمل ومحمود عزمي وسناء جميل أمام ميكرفون لإذاعة

قضية أمن قومي

وهنا الخلاصة: القوة الناعمة ليست ترفاً ثقافياً، بل قضية أمن قومي.. حين انتقلت (الإذاعة) لإدارة الدولة، كان الإدراك واضحاً: من يملك الموجة يملك العقل الجمعي. وتركها للسوق أو للهواة يعني ترك السلاح للمرتزقة.. (هنا القاهرة) لم تكن شعاراً استهلالياً، بل عقيدة وطنية وإعلان هوية بأن هذا الوطن يملك صوته وقراره وذوقه.

وإذا كان الميكروفون في بداياته جهازاً خشبياً في ستوديو محصن، فإنه اليوم صار في جيب كل فرد، هاتفاً ذكياً، تطبيق بث مباشر، بودكاست، مقطعاً قصيراً يقطع أوصال الوعي.

السلاح الذي نظمته الدولة لحمايته صار موزعاً على الملايين، بلا لجنة عليا، وبلا رئيس الجامعة المصرية الدكتور (علي باشا إبراهيم)، رئيس أول لجنة عليا للإشراف على البرامج، وبلا فلتر للذوق إلا ضمير الصاحب.

وهنا يعود السؤال الذي طرحته مصر قبل اثنتين وتسعين سنة بإلحاح أكبر: إذا كان التنظيم سنة 1926 قد جاء لحماية الذوق العام والأمن المجتمعي، فما موقفنا اليوم من هذا الكم الهائل من المنصات التي لا يراقبها إلا وجدان صاحبها؟.. إذا كانت تجاوزات الإذاعات الأولى استدعت قراراً تنظيمياً، فماذا تستدعي فوضى المحتوى اليوم من وعي جمعي ومسؤولية فردية؟

درس مصر يقول: إن الميكروفون أمانة، وأمانة الكلمة لا تقل خطورة عن أمانة السلاح. فالكلمة نور، وبعض الكلمات قبور.. والأمة التي تترك ميكروفونها سائباً تترك عقلها مكشوفاً.. وبناء الوعي لا يحدث بالصدفة ولا بالكم، بل بالاختيار الواعي، والبداية القوية، والإصرار على أن يكون أول صوت يسمعه الناس صوتاً يليق بهم.

هنا القاهرة.. (الإذاعة) نور وبعض المنصات قبور
الرائدة الإذاعية سامية صادق مع شادية وأحد المرضى في برنامج حول لأسرة البيضاء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.