رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

مقال له علاقة بـ (طارق الشناوي)!

مقال له علاقة بـ (طارق الشناوي)!
مقال (طارق الشناوي) صدر بعد أيام من الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران

بقلم: الكاتب والسيناريت: وائل شفيق

حين نتحدث عن الفن نفترض، بسذاجة بريئة، أن له لغة واحدة لا تحتاج إلى مترجم. فالدمعة واحدة، والقهر واحد، والأنين واحد، يفهمه الإنسان في طهران والقاهرة وغزة على السواء.. فالمثقف الحقيقي هو ذلك الضمير الذي لا يُشترى، ووظيفته الأولى أن يقول (لا) في وجه السلطة أينما كانت.؟ لكن مقال (طارق الشناوي) بعنوان (هدأت النيران.. ماذا عن الحرية؟!).

المقال المنشور في (المصري اليوم) بتاريخ 18 يونيو 2026، يثبت أن لهذه اللغة لهجات.. وأن هناك من أتقن لهجة بعينها، وأصم أذنيه عن سائر اللهجات. ولذلك فهذا ليس رداً على ناقد فني، بل هو تفكيك لبيان سياسي متنكر في عباءة النقد الفني.

مقال (طارق الشناوي) صدر بعد أيام من الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران.. الدولة في حالة حرب، والنظام تحت ضغط غير مسبوق، والشعب الإيراني نفسه – على حد قول طارق الشناوي – (أثبت أن ولاءه الحقيقي والعميق هو للوطن).

 وفي هذا التوقيت بالذات اختار أن يستدعي واقعة من 13 سنة، سرد فيها أنه حين كان في طهران طلب الكلمة ليطالب بعدم التضييق على المخرجين جعفر بناهي ومحمد رسولوف، اللذين يواجهان المنع في إيران بتهمة الدعاية ضد النظام. واقعة يرويها منفرداً، لا شاهد عليها سواه، ولم تُعرض، ليبني عليها بطولة غير مؤكدة.

وبناء عليها يصف النظام الإيراني بأنه (متجمد في أفكاره التي تخاصم المنطق والحياة)، و (يحكم بالحديد والنار)، و (قدم صورة سيئة جداً عن الإسلام)، و (يصادر كل أنماط الحريات)، هذا ليس تحليلاً فنياً، بل هو اصطفاف كامل يصدر والمدافع لم تصمت بعد.

مقال له علاقة بـ (طارق الشناوي)!
تسقط كل الأقنعة وتنكشف ازدواجية المعيار

شجاعة محسوبة بالمسطرة

إنها شجاعة محسوبة بالمسطرة، شجاعة تعلم مسبقاً أن صراخها في هذا الاتجاه بالذات سيُقابل بالتصفيق في عواصم معينة. وأنها تسير مع التيار الذي يوزع حصص المواقف هذه الأيام. شجاعة آمنة مأمونة العواقب مئة في المئة.

وهنا تسقط كل الأقنعة وتنكشف ازدواجية المعيار. فالمبدأ الذي يدافع به اليوم عن مخرج ممنوع في طهران، هو نفس المبدأ الذي دهسه بنفسه في القاهرة. وبغض النظر عن طبيعة المنع وأسبابه القانونية، فإن موقف المثقف يجب أن يكون واحداً: الدفاع عن حق الفنان في الكلام، لا تبرير إسكاته.

فحين اختفت آمال ماهر وخرجت تقول إنها تتعرض لـ (ظروف قهرية) والدنيا كلها تشهد على استغاثتها، لم يكلف الشناوي نفسه أن يكتب لها (القاهرة.. ماذا عن الحرية؟!).. بل خرج هو بنفسه ليجلدها، ووصف إعلان اعتزالها بأنه “تطرف وطفولة” وقال بالنص “ليس هناك يقين بما هي الضغوط”. رغم أن الكل كان يعلم ما هي الضغوط.

وحين وقف محمد سلام موقفاً أخلاقياً شريفاً من مذبحة غزة ورفض أن يُضحك على جثث الأطفال وانسحب من عرض مسرحي بالرياض، لم يدافع (طارق الشناوي) عن حقه في أن يقول لا. بل انضم إلى جوقة الهجوم عليه ودافع عن موقف بيومي فؤاد.

فلماذا الفنان الممنوع في طهران عند (طارق الشناوي) يصبح (رمزاً للنضال) و(أقوى أسلحة الدفاع)، و(فاكهة المهرجانات)، بينما الفنان الممنوع في القاهرة يصبح (متطرفاً)، و (طفلاً) يستحق التأديب؟

لماذا المنع هناك قمع يستدعي مقالاً، والمنع هنا رأي يستدعي التنكيل؟ لأن حرية الإبداع عند البعض لها جواز سفر. تأشيرة طهران مقبولة وتمنح صاحبها التصفيق، وتأشيرة القاهرة وغزة مرفوضة وتجلب عليه سخط أولي الأمر.

ما الذي يحكم هذا الاختيار إذن؟ إنه الفلتر الخفي الذي يمر عبره كل سطر قبل النشر.. يسأل بهدوء: هل هذا الطرف خصم فنصفق؟ أم حليف فنصمت؟ إنها الرقابة الذاتية المسبقة التي يمارسها البعض خوفاً من فقدان المكانة والحظوة.

مقال له علاقة بـ (طارق الشناوي)!
السينما الإيرانية التي يدافع عنها اليوم هي سينما متفوقة تحظى بتقدير عالمي

تحولت (السلطة الرابعة) إلى (سلطة تابعة)

لقد تحولت بعض المنابر الثقافية إلى أدوات ناعمة في يد بعض الأنظمة الخليجية التي تستخدم النفوذ لتحقيق أهدافها. فهي لا تهاجم مباشرة، بل توكل المهمة إلى (المثقف).. فيهاجم العدو بالثقافة، ويسكت عن الصديق بالثقافة أيضاً. وهكذا تحولت (السلطة الرابعة) إلى (سلطة تابعة)، لا تقيس بالقيم، بل تقيس بميزان القوى.

والمفارقة الكبرى هنا، وهى التي تفضح كل شيء بنظرة ناقد سينمائي، أن (طارق الشناوي) يهاجم النظام الإيرانى الذي سمح بإنتاج سينما عظيمة، ويسكت عن أنظمة لم تنتج سينما بذات القيمة.

فالسينما الإيرانية التي يدافع عنها اليوم هي سينما متفوقة تحظى بتقدير عالمي، حصدت سعفات كان ودببة برلين وأسود فينيسيا، وظلت حية وموجودة رغم كل القيود والمنع. بينما الأنظمة التي لا يجرؤ على مسها، رغم ما تنفقه من أموال طائلة، لم تنتج حتى الآن سينما حقيقية تحظى بذات التقدير العالمي أو تحصد جوائز كبرى، لأنها لا تملك أصلاً الحد الأدنى من حرية التعبير الذي تُصنع به السينما العظيمة.

فكان الأولى بناقد سينمائي أن يسأل: لماذا تغيب القيمة الفنية الحقيقية هناك؟ أليس لغياب الحرية ذاتها؟ فكيف يترك من لم يسمح للسينما بأن تكون ذات قيمة، ليهاجم من سمح لها بأن تكون عظيمة رغم كل شيء؟

إن الفنان الذي هرب بفيلمه من الرقابة في طهران، والفنانة التي كُمم صوتها في القاهرة، والفنان الذي مُنع من التمثيل لتضامنه مع غزة… كلهم في خندق واحد. اسمه: الإنسان ضد القمع. والفن لا يعرف حدوداً ولا جوازات سفر.

فإما أن نقف معهم جميعاً بنفس الغضب، وبنفس المفردات، وبنفس الحدة، وإما أن نعترف بمرارة أننا لم نكن يوماً مدافعين عن الفن. الحكمة تقتضي وحدة المعيار.. والشرف المهني يفرض أن يسبق الضمير البوصلة، وأن ينتصر المبدأ على الحسابات. أما دون ذلك، فهو مجرد (هتاف آمن).. والهتاف الآمن ليس نضالاً، بل وظيفة.

والمشكلة في الحقيقة ليست في (طارق الشناوي) وحده، بل في نموذج كامل للمثقف الذي يختار معاركه الآمنة، ويوزع صكوك الحرية بحسب جواز سفرها.

👀 Views: …

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.