

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد الغريب
أحيانًا لا تحتاج السينما إلى خطاب مباشر أو مشاهد صادمة حتى تثير الجدل؛ يكفي أن تضع أمام المشاهد شهادة أو وجهًا مجهولًا أو رقمًا يكشف حجم الخسارة، ثم تترك له مهمة طرح الأسئلة. وهذا ما فعله فيلم (نازا)، الذي لا يكتفي بعرض جانب من العدوان الإسرائيلي على غزة، بل يقترب من إحدى أكثر قضايا الحرب حساسية، وهي الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الإنسان داخل منظومة عسكرية إلى مجرد رقم في حسابات العمليات.
ومع حصول الفيلم الإسرائيلي على جائزة في مهرجان البندقية، تجاوز حدود الشاشة ليصبح قضية سياسية وإعلامية، بعدما أثار ردود فعل داخل الحكومة والجيش ووزارة الخارجية والشاباك. ولم يعد الجدل يدور حول الفيلم وحده، بل حول ما كشفه، وحول الطريقة التي اختارت بها إسرائيل مواجهة عمل فني جاء هذه المرة من داخل مجتمعها نفسه.
كان رد (بنيامين نتنياهو) من أكثر المشاهد دلالة في الأزمة. فبدل التعامل مع (نازا) باعتباره عملًا فنيًا يمكن مناقشة ما يرد فيه بالأدلة، انتقل الخطاب الرسمي إلى مساحة العقاب والردع، عندما هدّد بسحب الجنسية ممن يشوّهون سمعة الجنود الإسرائيليين وفرض خسائر مالية عليهم.
هذه اللهجة الحادة تكشف معها حجم الصدمة التي أحدثها الفيلم، فالمشكلة بالنسبة إلى إسرائيل ليست فقط أن عملًا سينمائيًا ينتقد جيشها، وإنما أن الفيلم إسرائيلي الصنع، ومخرجَيه إسرائيليان، ومادته الأساسية تأتي، وفق ما يقدمه العمل، من داخل الجيش وأجهزة الاستخبارات نفسها.
وهنا تتغير طبيعة المواجهة؛ إذ لا تعود إسرائيل أمام خصم خارجي يمكن وضعه بسهولة في خانة الدعاية المعادية، وإنما أمام رواية خرجت من داخلها ووصلت إلى العالم عبر منصة سينمائية دولية.

حين يصبح الرقم إنسانًا
في قلب (نازا) فكرة سينمائية شديدة القسوة: ماذا يحدث عندما يتوقف الإنسان عن الظهور بوصفه إنسانًا، ويصبح مجرد رقم في حساب عسكري؟ يستند الفيلم إلى مقابلات مع 24 عسكريًا إسرائيليًا، تحدثوا عن أنظمة استهداف مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وعن تقديرات لأعداد المدنيين الذين يمكن أن يسقطوا في بعض الهجمات. وتتضمن إحدى الشهادات المثيرة للجدل حديثًا عن الموافقة على هدف كان متوقعًا أن يؤدي إلى مقتل نحو 500 مدني، وهي النقطة التي رفضها الجيش الإسرائيلي وطعن في صحتها.
لكن القيمة الأساسية للفيلم لا تكمن في الرقم وحده، وإنما في الفكرة التي يقف خلفه. فعندما يصبح عدد المدنيين المتوقع قتلهم جزءًا من لغة العمليات، ينتقل النقاش من سؤال كم قُتل إلى سؤال أكثر قسوة: كيف يصبح قتل هذا العدد قابلًا للتقدير والموافقة والحساب؟
وتكتسب تسمية الفيلم (نازا) دلالتها من تقديمها باعتبارها تعبيرًا استخباراتيًا يتعلق بعدد المدنيين المتوقع مقتلهم في غارة. وبذلك لا يصف العنوان نتيجة الحرب فقط، وإنما يضع المشاهد أمام الآلية الذهنية التي قد تسبق وقوعها.
تكمن قوة الفيلم في أنه لا يضع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أمام اتهام خارجي فقط، بل يعيد بناء المشهد من أصوات تنتمي إليها. وهذه النقلة تمنح السينما الوثائقية دورًا مختلفًا، باعتبارها أداة لإعادة ترتيب العلاقة بين الصورة والشهادة والسلطة.
والمصدر المجهول قد يمثل نقطة ضعف في أي تحقيق إذا تعذر التحقق منه، لكنه في الفيلم يتحول أيضًا إلى عنصر سردي يطرح أسئلة حول الأسباب التي دفعت أصحاب الشهادات إلى الحديث من خلف ستار. ولذلك فإن الرد على الفيلم لا يمكن أن يكتفي بالطعن في هوية المصادر، بل يحتاج كذلك إلى التعامل مع مضمون شهاداتها وتقديم الأدلة المقابلة القابلة للفحص.
وهنا تظهر المفارقة؛ فكلما حاولت المؤسسة الإسرائيلية نقل النقاش من مضمون الفيلم إلى مصادره، ظل السؤال الأساسي قائمًا: ماذا تقول الشهادات نفسها؟

الغضب خارج الشاشة
لم تتوقف الاستجابة الإسرائيلية عند (نتنياهو). إذ طالب وزير الثقافة والرياضة (ميكي زوهار) بالتحقيق في مصادر المواد التي استخدمها المخرجان، وطلب من رئيس الشاباك فحص كيفية وصول المعلومات إليهما، وما إذا كانت جهات معادية لإسرائيل قد شاركت في نقلها، إلى جانب مطالب سابقة بدراسة إمكانية سحب جنسية المخرجين.
أما رئيس الأركان (إيال زامير)، فوصف الفيلم بأنه محاولة لتشويه سمعة الجيش، وتحدث عن أكاذيب وتشويه متعمد للواقع، مع الإعلان عن إجراءات لدراسة الجوانب القانونية والأمنية المرتبطة به.
وهكذا نشأ ما يشبه فيلمًا موازيًا خارج الشاشة. فالفيلم الأصلي يعرض شهادات عن الحرب، بينما تنتج مؤسسات الدولة رواية مضادة عنه. وبين السرديتين يتشكل موضوع آخر لا يتعلق بغزة وحدها، وإنما بكيفية دفاع الدولة عن صورتها عندما تصبح هذه الصورة موضع مساءلة.
اللافت في هذا السياق أن تفاصيل التعامل الإسرائيلي مع الفيلم تكشف معها عن مفارقة أخرى. فوفق ما أوردته العديد من المصادر الإعلامية العبرية، حذرت السفارة الإسرائيلية في روما وزارة الخارجية قبل شهر من مشاركة الفيلم في مهرجان البندقية، وحاولت التأثير في قرار عرضه.
لكن المهرجان رفض الضغوط. كما عجزت المؤسسات الإسرائيلية عن الحصول على نسخة من الفيلم قبل عرضه، ولم تتضح تفاصيله بصورة كاملة للمؤسسة العسكرية إلا بعد حضور ممثلة السفارة العرض ونقل ما شاهدته.
ولمحاولة منع الفيلم أهمية تتجاوز الجانب الإجرائي؛ إذ يمكن أن يؤدي السعي إلى حجب عمل فني إلى زيادة الاهتمام به وتحويله من إنتاج سينمائي إلى حدث سياسي وإعلامي.
وهذا ما حدث بالفعل. فبدل أن يبقى (نازا) داخل مهرجان البندقية، أصبح موضوعًا للاجتماعات والبيانات والاتهامات والتحقيقات والحملات الرقمية، لتتحول الأزمة المحيطة به إلى عامل إضافي في تعزيز حضوره العام، بصرف النظر عن الحكم على دقة كل ما يرد فيه.

دفاع يتحول إلى قصة
الأكثر دلالة أن بعض الأصوات داخل المنظومة الإعلامية الإسرائيلية نفسها أدركت أن طريقة الرد ربما أصبحت جزءًا من المشكلة. فقد نقلت بعض الصحف ومنها (يديعوت أحرونوت) عن مسؤولين أن تصريحات (زوهار) بشأن سحب الجنسية ألحقت ضررًا بإسرائيل لأنها لم تفنّد مزاعم الفيلم، وإنما نقلت النقاش إلى قضية أخرى تتعلق بحدود النقد واستعداد الدولة لمواجهته.
وهنا تقدم الأزمة درسًا في الاتصال السياسي؛ فالرد الدفاعي لا ينجح بالضرورة في احتواء الرواية التي يواجهها، وقد يصبح في بعض الحالات مادة جديدة لها.. فعندما يُتهم المخرجون بالخيانة، ويُبحث سحب جنسيتهم، ويُطلب التحقيق في مصادرهم، ويُشكك في دوافعهم، يصبح المشاهد أمام قصة إضافية لم تكن موجودة في الفيلم أصلًا؛ قصة عن العلاقة بين الدولة والفنان، وحدود النقد، ومدى استعداد المؤسسة الرسمية لمواجهة رواية داخلية لا تأتي من خصم خارجي.
يمكن قراءة (نازا) باعتباره أكثر من فيلم عن الحرب؛ فهو فيلم عن اللغة التي تصف الحرب، وعن الفرق بين القول إن مدنيين قُتلوا وبين وصف ذلك بأنه أضرار جانبية، وبين رؤية منزل يسكنه بشر وتحويله إلى هدف تترتب عليه نسبة متوقعة من الخسائر.
وهذه الوظيفة تجعل السينما الوثائقية مختلفة عن الخطاب السياسي. فالسياسي يستطيع أن ينفي، والجيش يستطيع أن يصدر بيانًا، والوزارة تستطيع أن تطلق حملة إعلامية، لكن الفيلم يترك للمشاهد مساحة ليرى ويسمع ويقارن.
ومن هنا لا تكمن قيمة (نازا) في أن كل ما يقوله يجب أن يُقبل دون نقاش، وإنما في أنه يضع أسئلة صعبة أمام المشاهد ويدفع المؤسسة التي ينتقدها إلى تقديم إجابات قابلة للفحص.

ذاكرة الحرب القادمة
تتجاوز أهمية الفيلم اللحظة الراهنة إلى مستقبل الذاكرة الخاصة بحرب غزة. فالحروب لا تنتهي عندما تتوقف العمليات العسكرية فقط، إذ تبدأ بعدها معركة أخرى حول الوثائق والشهادات والصور والروايات. ومن يملك القدرة على إنتاج هذه المواد يملك جزءًا من القدرة على تشكيل الذاكرة.
وفي هذا السياق، يكتسب الفيلم الإسرائيلي النقدي أهمية خاصة، ليس لأنه يقدم بالضرورة رواية نهائية، وإنما لأنه يكشف وجود أصوات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه تنظر إلى الحرب من زوايا مختلفة وتحاول تفكيك بعض ممارسات المؤسسة العسكرية والسياسية.
وتندرج أعمال مثل (فالس مع بشير) و(فوكستروت) و(حراس البوابة) و(لا أرض أخرى) ضمن سلسلة من الأفلام الإسرائيلية التي تناولت الحرب والاحتلال والخدمة العسكرية، بما يعكس جانبًا من المشهد الثقافي الإسرائيلي النقدي.
لكن (نازا) يضيف بعدًا مختلفًا؛ فهو لا يعيد النظر في الماضي فقط، بل يواجه حربًا ما زالت آثارها حاضرة، ويضع شهادات من داخل المؤسسة العسكرية في مواجهة الرواية الرسمية في اللحظة نفسها التي تتشكل فيها.

ما تقوله الأزمة
ربما لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان (نازا) قد قال الكلمة الأخيرة بشأن الحرب، فهذا دور لا تستطيع السينما وحدها أن تؤديه. السؤال الأهم هو: لماذا أحدث فيلم واحد كل هذا القلق؟
الإجابة لا تكمن في الجائزة التي حصل عليها وحدها، ولا في شهرة مخرجَيه، ولا في مهرجان البندقية، وإنما في تركيبة العمل نفسها: مخرجان إسرائيليان، ومصادر إسرائيلية، ومؤسسة عسكرية حاضرة في صلب الرواية، وأسئلة عن المدنيين والهدف العسكري والرقم والقرار، ثم عرض عالمي يضع ذلك أمام جمهور لا يرى الحرب من خلال البيانات الرسمية وحدها.
وقد حاولت إسرائيل، عبر تصريحات (نتنياهو) و(زوهار) و(زامير)، والتحركات الإعلامية والدبلوماسية والقانونية، فصل الجيش عن الصورة التي يربطها الفيلم به. لكن المعركة نفسها أصبحت جزءًا من قصة الفيلم، وفتحت محاولات نزع المصداقية عنه نقاشًا آخر حول حدود النقد وحرية التعبير وكيفية تعامل المؤسسة الرسمية مع الأفلام التي تأتي من داخل مجتمعها.

السينما لا تنسى
لهذا تستحق أفلام من نوع (نازا) أن تُقرأ بوصفها جزءًا من ذاكرة الحرب، لا مجرد أعمال فنية عابرة. فالفيلم الوثائقي لا يملك سلطة المحكمة، لكنه يملك سلطة الصورة والشهادة والذاكرة، وهي أدوات قد تبقى بعد انقضاء البيانات الرسمية وانتهاء المعارك.
وتزداد أهمية الأفلام الإسرائيلية التي تتناول ممارسات الجيش وتكشف، من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، جوانب من الحرب ونتائجها الإنسانية. فهي تفتح نافذة على شهادات وروايات لا ينبغي أن تختفي خلف السجالات السياسية، وتمنح الضحايا حضورًا في الذاكرة يتجاوز الأرقام.
وفي نهاية المطاف، تكمن إحدى أبرز مفارقات قصة (نازا) في أن الفيلم الذي حاولت مؤسسات إسرائيلية محاصرته أصبح أكثر حضورًا بسبب المعركة التي اندلعت حوله. فكل بيان رسمي، وكل تهديد، وكل محاولة للتشكيك، أعاد الفيلم إلى الواجهة.
وهكذا لم تعد القضية فيلمًا يعرض الحرب فحسب، بل أصبحت الحرب نفسها تُعرض من خلال الفيلم؛ مرة على الشاشة، ومرة أخرى في ردود الفعل التي أعقبته. وفي الحالتين، تظل السينما تؤدي إحدى وظائفها الأكثر إزعاجًا للسلطة: أن تفتح بابًا لذاكرة لا تريد الحرب أن تُغلقه.
أخيراً.. من الأهمية بمكان أن يولي الإعلام العربي فيلم (نازا) اهتمامًا واسعًا، باعتباره عملًا سينمائيًا إسرائيليًا يطرح، من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، شهادات وأسئلة تتصل بممارسات الحرب وآليات استهداف المدنيين في غزة. ويستدعي ذلك العمل على التعريف بالفيلم ورسائله، وإبراز ما يتضمنه من شهادات ومضامين للرأي العام العربي والدولي، مع عرضها في إطار مهني يستند إلى التحقق والمقارنة مع الروايات الرسمية والردود الإسرائيلية.
كذلك يمكن أن يسهم تناول الفيلم على نطاق واسع في نقل النقاش من البيانات والتصريحات إلى الشهادات والصور والوقائع التي يطرحها العمل، وإظهار التناقضات التي تكشفها ردود الفعل الإسرائيلية تجاهه، بما يعزز حضور الرواية الحقيقية المتعلقة بالآثار الإنسانية للحرب في النقاش الإعلامي الدولي. وللحديث بقية.