
بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف
انتظرت أسابيع منذ أن شاهدت اعلان شوكولاتة (سنيكرز) الذي يعرض ويعاد بشكل مكثف، خصوصا بين أشواط مباريات الكرة على قنوات بي ان سبورتس، أن يصدر رد فعل رسمي مصري أو حتى شعبي يعترض ويدين ويشجب فكرة الإعلان التي تصور المصري في صورة الشخص الجعان (المهيبر) فاقد السيطرة على نفسه والمزعج للآخرين، لكن دون جدوى.
الإعلان لمن لم يشاهده وأشك في أن أحدا لم يفعل، يصور أربعة من الشباب الخليجي يستقلون سيارة، يتوقف قائدها في زحمة سير، فيتوتر الراكب بجوار السائق، وهو مصري كما يتبين من لهجته، ويقوم بكل أنواع (الهيبرة) والجنان، أملا في دفع السائق للتحرك بالسيارة مجددا.
يقفز فوق سقف السيارة وعلى غطاء المحرك وهو يردد (إنت وقفت ليه) عايز زقة؟ أنضف لك الإزاز؟.. إلخ، وبعد أن يزهق قائد السيارة يعطيه قطعة شوكولاتة (سنيكرز) فيسأله الراكب المجنون (ليه؟).. فيرد عليه الخليجي ببساطة وبارتياح كامل (لأنك شخص تاني وانت جوعان)، وبمجرد أن يلتهم شوكلاتة الـ (سنيكرز) يعود الراكب الى رشده (الخليجي) مثل باقي الركاب.
من لا يرى في إعلان (سنيكرز) إساءة بليغة للمصريين عليه أن يجيب على بعض الأسئلة لعله يقنعني مثلما اقتنع، ما هى الضرورة الإعلانية من تحول الراكب الجوعان من خليجي إلى مصري، ومصري تحديدا؟!
ما الذي كان سوف يتغير في مردود الإعلان لو ظل الراكب الجعان خليجيا؟!.. هل يستطيع مصمم الإعلان أو أي مصمم إعلانات مصري أن يفعل العكس، ويجعل الركاب مصريين وحين يجوع أحدهم يتحول الى خليجي؟!.. لماذا تنفجر قدرات مصممي الإعلانات الساخرة على المصريين فقط دون باقي الجنسيات العربية؟.. هل هم (الحيطة المايلة) لكل من يظن امتلاكه القدرة على الاستظراف؟!

النصب والفهلوة والهطل
قبل شهور كتبت منتقدا إعلان بنك قطر الوطني الذي ظهر فيه أحمد حلمي، وهو يحاول النجاة بنفسه من اقتراحات المصريين لاستثمار أمواله، والتي تنوعت بين النصب والفهلوة والهطل.
حيث تقول له إحدى الفتيات استثمر في أساور الترتر، ويحاول سائق تاكسي بإقناعه بأنه رجل أعمال ومستثمر وليس فقط سائقا للتاكسي، ويظل حلمي (المسكين) حائرا مشتتا حتى يلتقي بسيدة قطرية في بنك قطر الوطني لترشده إلى الاستثمار بشكل علمي صحيح.
كما توقعت مر الإعلان مرور الكرام، فلا حلمي اعتذر وطلب عدم عرض الإعلان، ولا استنكرته أي جهة في مصر بما فيها المجلس الأعلى للإعلام الذي اكتفى بالمشاهدة كأن السخرية من المصريين لا تعنيه، أو ربما لأن بعض أعضائه مشغولون عن متابعة مثل هذه الاساءات بمتابعة مصالحهم الخاصة.
المؤسف أن حتى رد الفعل الشعبي غاب تماما وكأن المصريين اعتادوا على إساءة الأشقاء لهم، أو أن نفوسهم (انكسرت) بفعل فاعل، أو أنهم غارقون حتى آذانهم في دوامة الظروف المعيشية الطاحنة.
المؤسف أكثر أن هذه الأفكار المسيئة لم تعد قاصرة على الشاشات وإنما تحولت إلى سلوكيات عامة في بعض الدول الشقيقة، مثلما حدث مع السائح العربي الذي صدم سيارة قبل أيام قليلة على الطريق الدائري، وبدلا من الاعتذار لصاحبها نزل ليصيح متبجحا بأنه يستطيع أن يشتري المصري وسيارته.
أتذكر أنني كتبت خبرا في جريدة الشرق الأوسط اللندنية عام 2000 عن دراسة ميدانية قامت بها باحثة في المركز القومي للبحوث، خلصت فيها إلى أن 26% من أفراد عينة عشوائية من المصريين يتعرضون للضرب من زوجاتهم، ونشر الخبر في الصفحة الأخيرة بشكل بارز ولم أذكر في العنوان ان الدراسة تخص عينة فقط وكتبت أن 26% من المصريين تضربهم زوجاتهم.
بمجرد صدور الصحيفة قامت الدنيا ولم تقعد، وتدخل السفير المصري في الرياض للاتصال بالجريدة للاعتذار عن نشر الخبر بعد أن ثارت ثورة المصريين المقيمين في السعودية، كما انكرت الباحثة معرفتها بي او أن الخبر المنشور صحيح.

كان الموقف درسا بليغا
ورغم أنني أثبت بالأدلة أن ما كتبته كان حقيقيا لكنني ندمت بالفعل على نشر الخبر الذي لم يراع المواءمات الاجتماعية والسياسية، خصوصا أنه نشر في جريدة غير مصرية، وكان الموقف درسا بليغا استفدت منه لاحقا في مراعاة تفاصيل كثيرة قبل كتابة أي شيء.
ما أريد الوصول إليه أن نشر خبر صغير مسيء في جريدة استدعى انتفاضة حقيقية من المصريين لدرجة تدخل السفير، والضغط على الباحثة لإنكار نتيجة الدراسة، لكننا الآن نرى إعلانات تكرر عشرات المرات يوميا للحط من شأن المصريين دون أن تحرك ساكنا للدفاع عنهم.
ربما يمر الإعلان المسيء مثلما مر (سنيكرز) وما قبله، لكن ذلك لن يغير من حقيقة أن صاحب فكرة الإعلان جاهل بتاريخ المصريين، فالشعب الذي قهر أسطورة الجيش الذي لا يقهر في 73، واستعصى على الذوبان في ثقافة كل أنواع الاحتلال التي مرت عليه، يستحق أن يكون نموذجا يتمنى أي عربي أن يكون مثله.