رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(الست لما).. يسرا تعيد فتح ملفات النساء المسكوت عنها!

(الست لما).. يسرا تعيد فتح ملفات النساء المسكوت عنها!
وجود يسرا في هذا المشروع لا تتعلق فقط بنجوميتها، وإنما بتاريخ طويل مع الشخصيات النسائية
(الست لما).. يسرا تعيد فتح ملفات النساء المسكوت عنها!
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

ليس جديدًا على السينما المصرية أن تضع قضايا المرأة في قلب الحكاية، لكن الجديد في فيلم (الست لما) أن هذه القضايا الشائكة لا تأتي في صورة صراع ثقيل أو خطاب مباشر يرفع الشعارات، وإنما تدخل إلى الشاشة من الباب الأصعب والأكثر ذكاءً.. باب الكوميديا! المخلوطة بالشأن الاجتماعي.

فأن تضحك على مشكلة اجتماعية لا يعني بالضرورة أن تستهين بها، بل ربما تكون الضحكة أحيانًا هي الطريقة الأكثر قدرة على كشف وجع حقيقي، خصوصًا عندما تتناول السينما قضايا شديدة الحساسية، مثل علاقة المرأة بالرجل، والسلطة داخل الأسرة، ونظرة المجتمع للمرأة، وحقها في الاختيار والاستقلال والعمل والزواج والطلاق، وغيرها من ملفات ظلت لسنوات طويلة مادة لصدام اجتماعي وقانوني وفكري.

ومن هنا تأتي خصوصية (الست لما)، الذي يضع يسرا في مواجهة هذه القضايا، لكن من خلال مساحة كوميدية تسمح بأن تصل الفكرة إلى الجمهور دون أن تتحول إلى محاضرة أو بيان حقوقي يرصد ما يحدث داخل قاعات المحاكم.

وهذه ليست مهمة سهلة؛ لأن الكوميديا عندما تقترب من قضية المرأة يمكن أن تقع في فخ السخرية من المشكلة بدلًا من السخرية من أسبابها ومفارقاتها، أما إذا نجحت في الإمساك بهذا الخيط الدقيق، فإن الضحك يصبح وسيلة للنقد، والموقف الكوميدي يتحول إلى سؤال اجتماعي، والمفارقة تصبح مرآة تكشف تناقضات المجتمع.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية (الست لما)، فالفيلم لا يحتاج إلى أن يرفع صوته حتى يقول إن هناك مشكلة، وإنما يستطيع أن يجعلنا نضحك من المفارقة، ثم يدفعنا بعد الضحكة إلى اكتشاف أن هذه المفارقة ليست بعيدة عن حياتنا المعاصرة.

(الست لما).. يسرا تعيد فتح ملفات النساء المسكوت عنها!
وجودها في (الست لما) يحمل دلالة إضافية؛ فهي تبدو وكأنها تستعيد إرثًا سينمائيًا كانت فيه المرأة بطلة السؤال

امرأة في مواجهة الصورة النمطية

قيمة وجود يسرا في هذا المشروع لا تتعلق فقط بنجوميتها، وإنما بتاريخ طويل مع الشخصيات النسائية التي رفضت أن تكون مجرد هامش في الحكاية، فيسرا تنتمي إلى جيل من النجمات استطعن تحويل الشخصية النسائية من مجرد (حبيبة البطل) أو (زوجته) إلى شخصية تمتلك موقفًا وصوتًا وصراعًا خاصًا تحاول أن تظهره في شريط سينمائي.

ولهذا فإن وجودها في (الست لما) يحمل دلالة إضافية؛ فهي تبدو وكأنها تستعيد إرثًا سينمائيًا كانت فيه المرأة بطلة السؤال، لا مجرد موضوع له، والأهم أن الفيلم لا يقدم المرأة بوصفها ملاكًا لا يخطئ، ولا يضع الرجل دائمًا في خانة الجاني، وإنما يفتح الباب أمام منطقة أكثر تعقيدًا؛ حيث تتداخل الرغبات مع القيود، والحب مع السيطرة، والحرية مع الخوف من أحكام المجتمع الجحفة أحيانا.

وهذا في حد ذاته نقطة قوة؛ لأن الانتصار الحقيقي للمرأة في السينما لا يعني أن تنتصر في كل معركة، وإنما أن تحصل على حقها في أن تكون إنسانة كاملة؛ تخطئ وتصيب، تحب وتكره، ترفض وتقبل، تنجح وتفشل، والأهم.. أن تكون صاحبة قرار في تأكيد وجهة نظرها.

من أكثر الأمور التي تستحق التوقف عندها في (الست لما) طريقة معالجة القضية، فالسينما كثيرًا ما لجأت إلى الدراما الثقيلة عندما أرادت الاقتراب من قضايا المرأة، وقدمت نماذج شهيرة مثل (أنا حرة، أريد حلًا، عفوا أيها القانون)، بينما نجحت أفلام أخرى في استخدام الكوميديا والمفارقة، مثل (مراتي مدير عام، الشقة من حق الزوجة، محامي خلع)، في مناقشة قضايا المرأة دون أن تفقد قدرتها على جذب الجمهور.

لكن (الست لما) يدخل إلى هذه المساحة في زمن مختلف، ولهذا فإن الكوميديا هنا مطالبة بأن تكون أكثر ذكاءً، فالكوميديا ليست مجرد وسيلة لإضحاك الجمهور، وإنما يمكن أن تكون أداة لتعرية الأفكار الذكورية، والسخرية من التناقضات الاجتماعية، وكشف القيود التي تبدو للبعض طبيعية لمجرد أنها أصبحت معتادة داخل المجتمع الحالي.

لطالما عانت السينما العربية من الصورة النمطية للمرأة الضحية؛ المرأة التي تنتظر الرجل لينقذها، أو التي تكون نهايتها مرتبطة بزواجها، أو التي لا تكتمل شخصيتها إلا بوجود رجل في حياتها، لكن تطور صورة المرأة على الشاشة جاء عبر أجيال من الأفلام التي بدأت تسأل أسئلة أكثر جرأة.

(الست لما).. يسرا تعيد فتح ملفات النساء المسكوت عنها! (الست لما).. يسرا تعيد فتح ملفات النساء المسكوت عنها!

(الست لما).. يسرا تعيد فتح ملفات النساء المسكوت عنها!
المرأة المصرية اليوم لا تواجه فقط المشكلات التقليدية التي عرفتها السينما القديمة

هذه الأفلام لا تتشابه في الحكايات

في (أنا حرة) كانت المرأة تبحث عن التعليم والاستقلال، وفي (مراتي مدير عام)، كانت تحاول فرض كفاءتها في العمل، وفي (أريد حلًا) كانت تصطدم بعقبات قانونية واجتماعية، وفي (عفوا أيها القانون) أصبح القانون نفسه موضع مساءلة، بينما ناقشت أعمال مثل (بنتين من مصر، ومحامي خلع) ضغوط الزواج والانفصال ونظرة المجتمع للمرأة في حينها.

هذه الأفلام لا تتشابه في الحكايات، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: هل تملك المرأة حق أن تختار حياتها بنفسها؟.. ومن هنا (الست لما) لديه فرصة لأن يواصل هذا المسار، لكن بلغة زمنه الحالي بتعقيداته المركبة.

المرأة المصرية اليوم لا تواجه فقط المشكلات التقليدية التي عرفتها السينما القديمة، وإنما تواجه أشكالًا جديدة من الضغط والسيطرة، هناك العنف الأسري، والتحرش، والتنمر، والابتزاز الإلكتروني، وضغوط العمل، والنظرة إلى الشكل والعمر، والطلاق وحضانة الأطفال، والاستقلال الاقتصادي، فضلًا عن محاولات مستمرة للوصاية على اختيارات المرأة الشخصية خارج إطار مؤسسة الزواج.

والأخطر أن التكنولوجيا دخلت هى الأخرى في هذه المعادلة؛ فأصبح من الممكن أن تتحول أدوات التواصل إلى وسيلة للضغط أو التشهير أو الابتزاز، ومن هنا يصبح الفيلم مطالبًا، ولو بشكل غير مباشر، بأن ينظر إلى المرأة باعتبارها إنسانة تعيش في عالم تغيرت فيه أدوات السيطرة عليها.

السؤال لم يعد فقط: هل للمرأة حق؟.. وإنما أصبح: كيف تحافظ المرأة على حقها في الاختيار وسط مجتمع يضع لها كل يوم حدودًا جديدة؟.. وهذا هو المجال الذي يمكن أن يجعل (الست لما) أكثر من مجرد فيلم كوميدي؛ لأن الكوميديا تصبح عندها وسيلة لفتح ملف اجتماعي أكبر رغم مرارته.

هل نضحك على المشكلة أم نكشفها؟.. هذا هو الاختبار الحقيقي أمام الفيلم، فالكوميديا إذا فقدت موقفها تتحول بسهولة إلى مجرد (إفيهات)، وإذا بالغت في تقديم القضية بشكل مباشر فقد تفقد خفتها وروحها، ومن هنا فالمطلوب هو التوازن بين الاثنين؛ أن نضحك، لكن لأن الموقف نفسه يكشف تناقضًا حقيقيًا، لا لأن المرأة هي موضوع السخرية، وهنا تأتي مسؤولية الكتابة والإخراج معًا في المعالجة الدرامية.

الصورة تستطيع أن تقول أحيانًا أكثر مما يقوله الحوار؛ طريقة تقديم المرأة، وطريقة تصويرها، وموقعها داخل الكادر، وعلاقتها بالرجل، كلها يمكن أن تكشف رؤية العمل أكثر من عشرات الجمل، ولهذا فإن نجاح (الست ألما) لن يقاس فقط بمدى خفة الظل أو عدد المواقف الكوميدية، وإنما بقدرته على جعل الضحك جسرًا إلى التفكير في أعقد أمور حياتنا.

فأقوى مشهد كوميدي ليس الذي يجعلنا نضحك فقط، وإنما الذي يجعلنا نضحك ثم نسأل أنفسنا: لماذا نعتبر هذا الموقف طبيعيًا؟.. هكذا يكون الهدف من أفلام تعالج أهم قضاينا.

(الست لما).. يسرا تعيد فتح ملفات النساء المسكوت عنها!
حين تدخل يسرا إلى فيلم يحمل قضية للمرأة، فإن تاريخها يدخل معها

يسرا ليست مجرد بطلة فيلم

المشكلة أن قضايا المرأة ما زالت أحيانًا تُعامل باعتبارها قضايا تخص النساء وحدهن، بينما الحقيقة أن الأمر يتعلق بالمجتمع كله.. عندما تتعرض امرأة للعنف، فالمشكلة ليست مشكلتها وحدها، وعندما تُمنع فتاة من تحقيق حلمها، فالقضية لا تخصها وحدها، وعندما تُعامل المرأة بمعايير مختلفة عن الرجل، فإن الأمر يتعلق بشكل المجتمع كله، وبالقيم التي يريد أن يعيش بها هذا المجتمع.

ومن هنا يمكن لـ (الست لما) أن يخرج بقضية المرأة من إطار (المرأة ضد الرجل) إلى إطار أكثر نضجًا: الإنسان في مواجهة الأفكار البالية، وهذا ما يجعل الفيلم قادرًا على الوصول إلى جمهور أوسع، لأن الرجل نفسه يمكن أن يجد في الكوميديا ما يجعله يعيد النظر في بعض الأفكار التي ورثها، كما يمكن للمرأة أن ترى على الشاشة أسئلة تشبه أسئلتها ومواقف مرت بها أو شاهدتها من حولها في الحياة اليومية.

حين تدخل يسرا إلى فيلم يحمل قضية للمرأة، فإن تاريخها يدخل معها.. هذه النجمة قدمت عبر مشوارها الطويل شخصيات نسائية مختلفة، بعضها قوي، وبعضها هش، وبعضها متمرد، وبعضها محاصر، لكنها في معظم الحالات كانت حريصة على أن تمنح الشخصية حضورًا يتجاوز كونها (المرأة الموجودة في حياة البطل)، كما جاء في الفيلم.

ولهذا فإن (الست لما) يحمل فرصة لأن يكون امتدادًا لهذا المسار؛ مسار المرأة التي تدخل الحكاية وهي تملك صوتها، وتخرج منها وهى أكثر وعيًا بحقها، والأهم أن الفيلم لا يحتاج إلى تقديم (بطلة خارقة)، وإنما بطلة تشبه الناس؛ امرأة قد تتردد، وقد تخطئ، وقد تقع في التناقض، لكنها في النهاية تبحث عن مساحة تعيش فيها وفق ما تؤمن به، وهذه هي صورة المرأة الأكثر صدقًا، كما ينبغي لها أن تكون.

(الست لما).. يسرا تعيد فتح ملفات النساء المسكوت عنها!

(الست لما).. يسرا تعيد فتح ملفات النساء المسكوت عنها!
الكوميديا هنا ليست هروبًا من قضية المرأة، وإنما قد تكون سلاحًا أكثر ذكاءً في مواجهتها

لا ينبغي أن نستهين بالضحك

في النهاية، قد ينجح (الست لما) في أن يجعلنا نضحك.. لكن قيمة الفيلم الحقيقية لن تكون في عدد الضحكات التي ينتزعها من الجمهور، وإنما في عدد الأسئلة التي يتركها بعد انتهاء الضحك.

ببساطة، لأن الكوميديا هنا ليست هروبًا من قضية المرأة، وإنما قد تكون سلاحًا أكثر ذكاءً في مواجهتها؛ لأنك عندما تضحك على تناقض اجتماعي، فأنت في الحقيقة تراه للمرة الأولى من زاوية مختلفة، وعندما تضحك على موقف تكرر أمامك عشرات المرات، ربما تكتشف أن ما اعتدت عليه ليس طبيعيًا كما كنت تتصور.

وهنا تكمن قوة السينما.. أن تجعلنا نضحك على شيء، ثم تتركنا نكتشف أن هذا الشيء الذي ضحكنا منه يحدث فعلًا في حياتنا، وهنا تحديدًا لا ينبغي أن نستهين بالضحك؛ فربما تكون الضحكة أحيانًا أكثر قدرة على كسر تابو من خطبة طويلة، وربما يكون المشهد الكوميدي أكثر وجعًا من مشهد بكائي، لأنه يجبرنا على رؤية المفارقة التي اعتدناها حتى أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية.

لكن الاختبار الأصعب أمام الفيلم هو ألا تتحول الكوميديا إلى تجميل للمشكلة، وألا يصبح الضحك وسيلة للهروب منها، فالمرأة لا تحتاج إلى سينما تشفق عليها، ولا إلى سينما تقدمها دائمًا باعتبارها ضحية، وإنما تحتاج إلى سينما تمنحها حقها في أن تكون قوية وضعيفة، ساخرة وجادة، مخطئة ومصيبة، والأهم.. أن تكون صاحبة قرار حر يعبر عن إرادتها.

وهنا تصبح يسرا في (الست لما) أكثر من مجرد نجمة تحمل فيلمًا؛ إنها تقف على امتداد تاريخ طويل من الشخصيات النسائية التي حاولت السينما المصرية من خلالها أن تقول إن المرأة ليست هامشًا في حياة الرجل، وليست مجرد زوجة أو أم أو حبيبة، وإنما إنسان كامل له حق الاختيار والمواجهة والحلم بحياة أكثر استقرارا.

لذلك، فإن السؤال بعد انتهاء الفيلم لن يكون: هل ضحكنا؟.. بل سيكون السؤال الأكثر أهمية: على ماذا كنا نضحك؟.. إذا كانت الإجابة أننا كنا نضحك على تناقضات المجتمع، وعلى الأفكار التي ما زالت تحاصر المرأة، وعلى المفارقات التي تكشف أن بعض ما نعتبره (طبيعيًا) ليس طبيعيًا على الإطلاق.. فهنا تكون الكوميديا قد أدت مهمتها ودورها المنوط بها.

أما إذا خرجنا من القاعة ونحن نضحك فقط، ثم عدنا في اليوم التالي إلى ممارسة التناقضات نفسها التي سخر منها الفيلم، فربما نكون قد ضحكنا على أنفسنا قبل أن نضحك على القضية المصيرية في حياة المرأة.

وهنا تكمن المفارقة الأجمل في (الست ألما).. أن تضحكك السينما على ما يؤلم المرأة، ثم تتركك فجأة أمام الحقيقة: ربما لم تكن المشكلة في المرأة التي ترفض أن تخضع.. بل في مجتمع لم يتعلم بعد كيف يتعامل مع امرأة تعرف حقها!، وهذا ما نجحت يسرا في توصيله لنا عبر أداء من نوع السهل الممتنع.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.