جمال سليمان.. حين تكرّم ظفار ذاكرة الفن السوري والعربي


بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
في مدينة (ظفار)، حيث يبدو الخريف وكأنه قصيدة مفتوحة على الطبيعة والضباب والمطر، تستعد خشبة المسرح لأن تفتح ستارتها لإستقبال النجم السوري العربي (جمال سليمان) أحد أولئك الفنانين الذين لم تكن علاقتهم بالفن مجرد مهنة، وإنما رحلة طويلة من البحث عن الإنسان في أكثر حالاته صدقًا ووجعًا وجمالًا.
وفي قلب الدورة الثانية من مهرجان (ظفار الدولي للمسرح)، التي تستضيفها محافظة (ظفار) بسلطنة (عُمان) بداية من اليوم الاثنين 14 سبتمبرإلى 22 سبتمبر 2026، يأتي اسم النجم السوري الكبير (جمال سليمان) ليكون أحد أبرز الأسماء التي يحتفي بها المهرجان، في تكريم يبدو أقرب إلى تحية مستحقة لمسيرة فنية طويلة تركت بصمتها في الذاكرة العربية.
فحين يُكرَّم (جمال سليمان)، لا يكون التكريم لشخص ممثل وحسب، ولا لنجم عرفه الجمهور من خلال عشرات الأعمال الدرامية، وإنما لفنان ظل طوال سنواته منحازًا إلى قيمة الكلمة، وهيبة الشخصية، واحترام عقل المشاهد.
منذ بداياته، استطاع (جمال سليمان) أن يصنع لنفسه مكانة مختلفة بين أبناء جيله، لم يكن من أصحاب الأداء الذي يكتفي بالانفعال الخارجي أو الحضور الطاغي أمام الكاميرا، وإنما كان دائمًا يبحث عن التفاصيل الصغيرة التي تمنح الشخصية روحها، ولهذا جاءت شخصياته وكأنها تعيش خارج الشاشة؛ لها ملامحها وذاكرتها وانكساراتها وأسئلتها.
وفي الدراما السورية تحديدًا، كان واحدًا من الأسماء التي أسهمت في منح العمل الدرامي العربي قيمة فنية خاصة، قبل أن تتسع خطواته إلى الدراما المصرية والعربية، ليصبح حضوره جزءًا من المشهد الفني العربي الأشمل.
وما يميز (جمال سليمان) أن نجوميته لم تأتِ على حساب الممثل داخله، فحتى عندما أصبح اسمًا جماهيريًا كبيرًا، ظل حريصًا على أن تكون الشخصية هي البطل الحقيقي، وأن يختفي الممثل وراءها قدر الإمكان.


من خشبة المسرح بدأت الحكاية
لعل الاحتفاء بالنجم العربي (جمال سليمان) في مهرجان مسرحي يحمل معنى خاصًا، لأن المسرح كان واحدًا من أهم المكونات في تكوين (جمال سليمان) الفني، فالمسرح بالنسبة إليه ليس مجرد مكان يقف فيه أمام الجمهور، وإنما مدرسة قاسية لا تمنح أسرارها إلا لمن يمتلك أدواته ويعرف كيف يصنع علاقة حية ومباشرة مع المتلقي.
ومن هنا تبدو لحظة تكريم (جمال سليمان) في مهرجان (ظفار) وكأنها عودة رمزية إلى البدايات، ففي سن الرابعة عشرة اتجهت ميوله نحو المسرح ومارس العمل فيه كممثل هاوٍ، ثم حصل على الماجستير في المسرح من لندن، هى إذن عودة إلى ذلك الفن الذي لا يسمح للممثل بالاختباء خلف المونتاج أو الموسيقى أو زوايا الكاميرا، وإنما يضعه وجهًا لوجه أمام الجمهور.
وتكتسب هذه اللحظة أهمية أكبر لأنها تأتي في دورة تسعى إلى تثبيت حضور مهرجان (ظفار) على خريطة المهرجانات المسرحية العربية والدولية، فالمهرجان، الذي تنظمه محافظة (ظفار) ضمن فعاليات خريف ظفار 2026، يستضيف خلال دورته الثانية تجارب وأسماء من بلدان عربية وأجنبية، فيما يؤكد منظموه أن المهرجان يمثل مشروعًا ثقافيًا يسعى إلى جعل المسرح جسرًا للتواصل بين الشعوب والثقافات.
ويرأس الدورة الفنان (عمار بن عوبد غواص)، الذي أعلن أن الدورة الجديدة تتحرك عبر مسارات فنية وتسابقية تفتح المجال أمام منافسة ذات طابع عربي ودولي، بما يعكس الطموح لأن يتحول المهرجان إلى موعد ثابت في أجندة المسرح العربي.
وفي هذه الأجواء، يبدو حضور (جمال سليمان) أكثر من مجرد اسم لامع يضاف إلى قائمة المكرمين، فهو يمثل جسرًا بين أجيال وتجارب مختلفة من المسرح والدراما العربية.
هناك تكريمات تصنعها الجوائز، وتكريمات تصنعها اللحظة، وتكريمات تصنعها السنوات، وتكريم (جمال سليمان) ينتمي إلى النوع الثالث، فالفنان الذي أمضى سنوات طويلة متنقلًا بين المسرح والدراما والسينما، وترك وراءه عشرات الشخصيات التي لا يزال الجمهور يتذكرها، لم يعد بحاجة إلى شهادة جديدة تثبت موهبته، لكن التكريم يظل جميلًا لأنه يقول للفنان، في لحظة ما: نحن لم ننسَ ما قدمته.
وربما هذه هى القيمة الأجمل في تكريمات المهرجانات، أنها تمنح الفنان فرصة لأن يرى أثر رحلته من بعيد، وأن يلتقي بأسماء جديدة جاءت من أجيال وتجارب مختلفة، وأن يشعر بأن ما زرعه طوال سنوات لم يذهب سدى.


من سوريا إلى العالم العربي
جمال سليمان ليس فنانًا سوريًا فحسب، رغم اعتزازه العميق بانتمائه إلى الدراما السورية، فقد أصبحت تجربته جزءًا من الذاكرة الفنية العربية.. هو واحد من الفنانين الذين استطاعوا عبور الحدود الجغرافية من دون أن يفقدوا خصوصيتهم، فكان حضوره في الدراما المصرية امتدادًا لمسيرته وليس قطيعة معها، كما ظل اسمه حاضرًا في المشهد العربي باعتباره ممثلًا يمتلك ثقافة وأدوات وخبرة طويلة.
وهذه القدرة على الانتقال بين البيئات الفنية المختلفة هى إحدى علامات الفنان الكبير، أن يدخل إلى تجربة جديدة دون أن يتنازل عن هويته، وأن يضيف إليها بقدر ما يتعلم منها.
في ظفار تحديدًا، ربما تكتمل الصورة بطريقة شاعرية، مدينة يغمرها الخريف، ومهرجان يفتح أبوابه للمسرح، وفنان قضى عمره يبحث عن الحكاية والإنسان داخل النص والشخصية.
كأن المكان والضيف يلتقيان عند نقطة واحدة، فالمسرح في النهاية ليس سوى حكاية تُروى حيّة أمام الناس، و(جمال سليمان) واحد من أولئك الذين عرفوا كيف يجعلون الحكاية أكثر صدقًا، والشخصية أكثر إنسانية، واللحظة الفنية أكثر بقاءً، وربما أجمل ما في تكريم الفنان الكبير أنه لا يعني نهاية الرحلة، وإنما الاحتفاء بما مضى منها، وفتح الباب لما هو قادم.
فجمال سليمان، رغم سنوات طويلة من الحضور والنجاح، لا يزال قادرًا على أن يدهش جمهوره بشخصية جديدة، وأن يدخل منطقة مختلفة، وأن يضيف فصلًا جديدًا إلى سيرته، ولهذا فإن (ظفار) حين تستقبل (جمال سليمان)، لا تستقبل مجرد نجم سوري كبير، وإنما تستقبل ذاكرة فنية عربية تمشي على قدمين.. ذاكرة تحمل معها المسرح والدراما والسينما، وتحمل سنوات من التجربة والتجريب والنجاح، وتحمل قبل كل شيء احترامًا خاصًا لفن التمثيل.
ومن هنا، فإن تكريمه في الدورة الثانية من مهرجان (ظفار الدولي للمسرح) يبدو كأنه تصفيق طويل لا لشخص واحد، وإنما لجيل كامل من الفنانين الذين جعلوا من التمثيل لغة تتجاوز الحدود.
وفي ظفار، حيث يكتب الخريف كل عام قصيدته الخاصة، سيكون لـ (جمال سليمان) موعد مع قصيدة أخرى، قصيدة من التصفيق والامتنان، عنوانها: شكرًا على كل هذه السنوات من الفن الرفيع.