رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

الأمير الحسن يفتح (دفتر الأردن).. مهرجان الفحيص 33 يحوّل التاريخ إلى غناء ومسرح وحكايات!

الأمير الحسن يفتح (دفتر الأردن).. مهرجان الفحيص 33 يحوّل التاريخ إلى غناء ومسرح وحكايات!
رعاية الأمير الحسن بن طلال تضيف إلى هذه اللحظة بعدًا رمزيًا وثقافيًا

الفحيص: حسام عطية

في مدينة صغيرة بحجم الحكاية، لا يبدو (مهرجان الفحيص) مجرد موعد سنوي ينتظره الجمهور لمشاهدة الحفلات وسماع الأغنيات، وإنما يتحول كل عام إلى محاولة جديدة لاستعادة جزء من ذاكرة الأردن، ووضعها أمام الأجيال في صورة فن وثقافة وحوار.

وهذه المرة، يبدو أن الحكاية أكبرفمع اقتراب انطلاق الدورة الثالثة والثلاثين من (مهرجان الفحيص – الأردن تاريخ وحضارة)، جاءت رعاية سمو الأمير الحسن بن طلال لحفل الافتتاح لتمنح الدورة الجديدة وزنًا خاصًا، وتضع على المسرح الرئيسي لدير الروم الأرثوذكس مساء 26 أغسطس عنوانًا أكبر من مجرد افتتاح مهرجان: (فرحة وطن).

العنوان هنا ليس تفصيلًا احتفاليًا عابرًا؛ فالمهرجان يريد أن يحول افتتاحه إلى سردية فنية عن الوطن، من خلال أوبريت يحمل الاسم نفسه، بإشراف وإخراج الفنان الدكتور محمد واصف، وبمشاركة مجموعة من الفنانين الأردنيين، في محاولة لصياغة صورة وطنية من خلال الأغنية والاستعراض والموسيقى.

ورعاية الأمير الحسن بن طلال تضيف إلى هذه اللحظة بعدًا رمزيًا وثقافيًا، باعتبار أن الرجل ارتبط على مدى سنوات بالحضور في مجالات الفكر والثقافة والحوار، وهو ما يجعل وجوده في افتتاح الفحيص متسقًا مع طبيعة مهرجان اختار منذ بداياته أن يتجاوز فكرة الحفل الغنائي إلى فضاء أوسع من الثقافة والتلاقي.

إدارة (مهرجان الفحيص) ، برئاسة ومدير المهرجان أيمن سماوي، أعلنت بوضوح أن الهدف هذا العام هو تقديم مفردات السردية الأردنية بأشكال متنوعة، تجمع بين الثقافة والفن وتعيد ترجمة شعار المهرجان الدائم: (الأردن تاريخ وحضارة).. بمعنى آخر، الفحيص 33 لا تريد أن تقول للأردنيين: تعالوا شاهدوا مهرجانًا.. بل تريد أن تقول: تعالوا شاهدوا بلدكم يُروى من جديد.

الأمير الحسن يفتح (دفتر الأردن).. مهرجان الفحيص 33 يحوّل التاريخ إلى غناء ومسرح وحكايات!
محاولة لصناعة مهرجان يشبه المدينة نفسها: متنوع، مفتوح، ومشحون بالذاكرة

ذاكرة الشخصيات الوطنية

ولهذا تبدو الفعاليات موزعة على مساحات مختلفة؛ من المسرح والاستعراض إلى الندوات والمعارض، ومن الأغنية الأردنية إلى ذاكرة الشخصيات الوطنية، ومن الطفل إلى المطبخ الشعبي.. إنها محاولة لصناعة مهرجان يشبه المدينة نفسها: متنوع، مفتوح، ومشحون بالذاكرة.

(فرحة وطن).. بداية الحكاية.. اختيار أوبريت (فرحة وطن) لافتتاح الدورة يحمل دلالة واضحة.. فنحن أمام عرض فني يسعى إلى تقديم سردية وطنية بصورة استعراضية، تحت إشراف محمد واصف، وبأصوات فنانين أردنيين، لتكون الأغنية هنا جزءًا من خطاب ثقافي أوسع.

والفكرة الأهم أن الفن الأردني المحلي ليس مجرد فقرة ضمن البرنامج، وإنما أحد أبطال المهرجان.. فـ (مهرجان الفحيص) يستعد لاستضافة نخبة من المطربين والمطربات الأردنيين بالتنسيق مع نقابة الفنانين الأردنيين، سواء على المسرح الرئيسي أو مسرح القناطر، مع تخصيص (ليلة طربية أردنية) تجمع أجيالًا وتجارب مختلفة من المشهد الغنائي المحلي.

وهنا تبدو الرسالة واضحة: الفحيص لا تستورد النجومية فقط.. بل تمنح النجومية الأردنية بيتًا.. ولأن شعار (الأردن تاريخ وحضارة) ليس مجرد عنوان دعائي، فإن البرنامج يذهب إلى مناطق أكثر عمقًا.

هناك ندوة تتناول شخصيات عسكرية أردنية خالدة بمشاركة متحدثين من القوات المسلحة، في محاولة لفتح صفحات من التاريخ الوطني أمام الجمهور.. وهناك ندوة أخرى عن نجاحات المرأة الأردنية ومسيرة رائدات في العمل العام، لتصبح المرأة جزءًا من الحكاية الوطنية، لا مجرد موضوع جانبي.

كما تتضمن فعاليات (مهرجان الفحيص) الاحتفاء بعدد من الرواد في مجالات مختلفة، برعاية دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة، في تأكيد على أن التكريم في الفحيص ليس مجرد تسليم دروع، بل محاولة لاستعادة أسماء صنعت أثرًا في المجتمع.

ومن أجمل مفاجآت الدورة الجديدة استحضار روح الشاعر الراحل محمود درويش من خلال ندوة يشارك فيها الناقد فخري صالح والشاعر زهير أبو شايب، يتخللها عرض فني مستوحى من قصائده.

الأمير الحسن يفتح (دفتر الأردن).. مهرجان الفحيص 33 يحوّل التاريخ إلى غناء ومسرح وحكايات!
تتحول الراية الأردنية نفسها إلى مادة للعرض والتأمل

الصورة والوثيقة جزءًا من الاحتفاء بدوريش

هنا تتسع خريطة الفحيص لتتجاوز حدود الأردن من دون أن تفقد بوصلتها.. فدرويش، الذي أصبح جزءًا من الذاكرة العربية، يدخل المهرجان من بوابة الأدب والقصيدة والصورة، في واحدة من الفعاليات التي تؤكد أن الثقافة بالنسبة إلى الفحيص ليست هامشًا يسبق الأغنية أو يتبعها، وإنما شريك أساسي في صناعة الحدث.

ويصاحب ذلك معرض لمحمود درويش بالتعاون مع السفارة الفلسطينية في عمّان، لتصبح الصورة والوثيقة جزءًا من الاحتفاء بالشاعر.

ويعود المهرجان أيضًا إلى شخصية وطنية أردنية من خلال (ركن الشخصية) المخصص للمرحوم مازن الساكت، حيث يتحدث عنه عدد من الشخصيات السياسية.

وهذا التقليد من أهم ما يميز الفحيص، لأن المهرجان لا يكتفي بتقديم الفنانين، وإنما يصنع مساحات لاستعادة الذين تركوا أثرًا في الحياة العامة.. أي أن المسرح هنا لا يحمل مطربًا فقط، بل يحمل ذاكرة وطن.. وحتى الراية الأردنية لها حكاية.

وفي الدورة الجديدة، تتحول الراية الأردنية نفسها إلى مادة للعرض والتأمل، من خلال معرض يرصد مراحل تطورها بالتعاون مع أمانة عمان.. قد يبدو الأمر في ظاهره تفصيلًا بسيطًا، لكنه ينسجم تمامًا مع فكرة الدورة: تحويل الرموز الوطنية إلى قصص يمكن للأجيال رؤيتها وفهمها.

وهكذا تصبح الراية جزءًا من المشهد، تمامًا كما تصبح القصيدة والأغنية والشخصية العسكرية والفنان الأردني والمدينة نفسها أجزاء من رواية واحدة.

وفي زاوية أكثر إنسانية، يستعيد المهرجان تجربة المطربة ميسون الصناع من الكرك، التي توقفت عن الغناء منذ سنوات.. وسيخصص لها لقاء فني يتناول تجربتها، مع عرض عدد من أعمالها على الشاشة، في مناسبة تحمل معنى استعادة صوت من الماضي ومنحه فرصة جديدة للظهور أمام الجمهور.

وهى واحدة من الأفكار التي تجعل الفحيص مختلفًا؛ لأنه لا يبحث دائمًا عن الاسم الأكثر لمعانًا، بل عن القصة الأكثر استحقاقًا للحضور.. ولم ينس المهرجان أن الحكاية الوطنية لا تكتمل من دون الناس العاديين، لذلك يحضر الطعام الشعبي في دارة حمزة عكروش، كما تخصص فعاليات للأطفال من خلال مشاركة فرقة (زها) بعدد من الفقرات الفنية والإبداعية.

الأمير الحسن يفتح (دفتر الأردن).. مهرجان الفحيص 33 يحوّل التاريخ إلى غناء ومسرح وحكايات!
تقول إدارة (مهرجان الفحيص) إنها مصممة على تقديم فعاليات مميزة ومتنوعة رغم صعوبة الظروف

يشارك سكانها في صناعة المشهد

وفي المقابل، تستضيف مواقع أخرى حفلات لمطربي الفحيص، لتصبح المدينة نفسها جزءًا من البرنامج، وليس فقط مسرحًا له.. وهذه النقطة مهمة جدًا؛ لأن مهرجانًا يقام في مدينة ويغفل أهلها يمكن أن يتحول بسهولة إلى حدث عابر، أما الفحيص فتبدو حريصة على أن يشارك سكانها في صناعة المشهد.

الظروف صعبة.. لكن المهرجان يقول: نكمل.. وسط كل هذا، هناك اعتراف صريح من أيمن سماوي بأن الدورة الحالية تقام في ظروف صعبة على مستوى الإمكانيات المادية، لكن المفارقة أن هذا الاعتراف لم يتحول إلى ذريعة لتقليص الطموح.

على العكس، تقول إدارة (مهرجان الفحيص) إنها مصممة على تقديم فعاليات مميزة ومتنوعة رغم صعوبة الظروف، وهو أمر يمنح الدورة الجديدة بعدًا آخر: الاستمرار بوصفه فعل مقاومة ثقافية.

وفي المؤتمر الصحفي الذي عقد للإعلان عن تفاصيل الدورة، أكد سماوي أن هذا العام سيشهد دورة متميزة في تقديم مفردات السردية الأردنية، مع برنامج غني على المستويات الثقافية والوطنية والفنية.

كما أكد متصرف لواء ماحص والفحيص الدكتور صفوان المبيضين دعم الحاكمية الإدارية للمهرجان والتشاركية مع إدارته، بينما شدد رئيس لجنة بلدية الفحيص المهندس عماد الحياري على أن المهرجان يمثل جزءًا من اهتمام البلدية بالمدينة وأهلها، مشيرًا إلى التعاون المستمر مع الجهات المختلفة منذ انطلاق أول شعلة للمهرجان عام 1990.

الدورة الثالثة والثلاثون تنطلق يوم 26  أغسطس وتستمر حتى 31  أغسطس، في برنامج يبدو أنه يريد أن يقول شيئًا أكبر من مجرد (تعالوا استمعوا إلى الموسيقى).. إنها محاولة لصنع جسر بين الأجيال.. بين الماضي والحاضر.. بين الأغنية والقصيدة.. بين التاريخ والصورة.. بين الفنان الأردني والنجوم العرب…وبين المدينة وذاكرتها.

ولهذا، فإن رعاية الأمير الحسن بن طلال لا تأتي فقط لتمنح افتتاح (مهرجان الفحيص) هيبة إضافية، وإنما لتؤكد فكرة ظل الفحيص يكررها عبر سنواته الطويلة: أن الثقافة ليست رفاهية، وأن الفن يمكن أن يكون إحدى أدوات بناء الوعي والانتماء.

وفي ليلة 26 أغسطس، عندما تفتح خشبة دير الروم أبوابها أمام (فرحة وطن) لن يكون المشهد مجرد بداية دورة جديدة.. سيكون أشبه برسالة تقول: الأردن حين يروي نفسه بالفن.. يصبح تاريخه حيًا، وحضارته قادرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة دون أن تفقد ذاكرتها.

وهنا تكمن حكاية الفحيص الحقيقية.. مهرجان بدأ قبل أكثر من ثلاثة عقود، لكنه مازال يبحث كل عام عن طريقة جديدة ليقول للجمهور: هذه ليست حفلة.. هذه ذاكرتنا.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.