

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
هل تخاف الدولة من الفوضى أم تستعد لها؟.. سؤال بديهي يفرض نفسه الآن، فخلال الأيام الأخيرة عاد خطاب (الفوضى) إلى مساحة النقاش العام في مصر، وظهر ذلك في تحذيرات وتصريحات إعلامية وسياسية متباينة، من بينها ما يتصل بما طرحه (مصطفى بكري، ونشأت الديهي، ومحمد الباز)، كما ظهرت في الإعلام المصري رسائل تحذر من الشائعات ومحاولات زعزعة الثقة، وتربط بين الوعي المجتمعي والحفاظ على الاستقرار.
لكن قراءة هذا الخطاب باعتباره دليلًا على خوف الدولة من انفجار قريب ستكون قفزة أكبر من الأدلة المتاحة.. الأدق أن نقول إن الدولة المصرية، بحكم تجربة السنوات الماضية وبحكم موقع مصر داخل إقليم شديد الاضطراب، تنظر إلى الاستقرار باعتباره قضية أمن قومي، في ظل فوضى الدراما الحالية، التي تحرض على العنف.
وهذا ليس جديدًا؛ فالنقاش الرسمي والإعلامي المصري خلال 2026 يكرر بصورة واضحة فكرة حماية الدولة الوطنية ومنع انتقال أزمات الإقليم إلى الداخل، لكن لماذا تستحضر الدولة (شبح الفوضى) باستمرار؟
لأن الذاكرة المصرية الحديثة ما زالت تحمل تجربة 2011 وما تلاها، ثم تجربة 2013، بكل ما رافق تلك السنوات من اضطراب سياسي وأمني واقتصادي، ولهذا أصبح مصطلح (الفوضى) في الخطاب المصري ليس مجرد وصف سياسي، وإنما اختصارًا لسيناريو كامل: احتجاجات واسعة → استقطاب → تراجع قدرة مؤسسات الدولة → انفلات أمني → صراع على السلطة → تدخلات خارجية.
والمنطقة العربية قدمت خلال العقد ونصف الماضي أمثلة عديدة على أن سقوط الدولة أو إضعاف مؤسساتها لا يعني بالضرورة الوصول سريعًا إلى نظام سياسي أفضل، وإنما قد يفتح الباب أمام فراغ طويل وصراعات مسلحة وانقسامات اجتماعية.



فهم الحساسية المصرية
ومن هنا يمكن فهم الحساسية المصرية تجاه هذا السيناريو، خصوصًا أن القاهرة تتحرك في محيط إقليمي بالغ التعقيد، من غزة والسودان إلى ليبيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. وتشير تحليلات حديثة إلى أن مصر ترى نفسها لاعبًا محوريًا في منع انتقال الاضطرابات الإقليمية إلى الداخل.
لكن هناك سؤالًا آخر أكثر أهمية: هل يكفي تخويف المواطن من الفوضى للحفاظ على الاستقرار؟.. هنا يجب أن يكون النقاش أكثر عمقًا.. الدولة لا تحافظ على الاستقرار بمجرد أن تقول للمواطن: (احذروا الفوضى).
الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى أن يشعر المواطن بأن الدولة تسمعه، وتحميه، وتوفر له فرصة عادلة للحياة والعمل، وتواجه الفساد، وتحاسب المقصر، وتشرح له القرارات الصعبة بوضوح.
لذلك فإن التحذير من الفوضى يمكن أن يكون رسالة مسؤولة إذا كان المقصود منه تذكير المجتمع بخطورة انهيار مؤسسات الدولة، لكنه يصبح أقل تأثيرًا إذا تحول إلى إجابة جاهزة على كل غضب أو اعتراض أو أزمة معيشية، وهنا تحديدًا يجب التفريق بين المعارضة والفوضى.
ليس كل مواطن ينتقد الحكومة يريد إسقاط الدولة، وليس كل احتجاج اجتماعي مقدمة لانهيار مؤسساتها.. وفي المقابل، ليست كل دعوة للفوضى مجرد (رأي سياسي) إذا كانت تستهدف بالفعل تعطيل مؤسسات الدولة أو الاعتداء على الآخرين.
ولكن، ماذا تقول رسائل بكري والديهي والباز؟: يمكن قراءة خطاب هؤلاء الإعلاميين باعتباره جزءًا من مدرسة إعلامية ترى أن الأولوية القصوى في اللحظة المصرية هي حماية الدولة من تكرار سيناريوهات الماضي، وهناك بالفعل خطاب إعلامي وسياسي متصاعد يحذر من الشائعات ومحاولات بث القلق، ويربط الوعي الشعبي بالحفاظ على الاستقرار.
لكن المسؤولية الإعلامية تقتضي أيضًا ألا يتحول التحذير إلى صناعة دائمة للخوف.. فالمواطن يحتاج إلى أن يعرف ما الخطر تحديدًا؟ ومن أين يأتي؟ وما الأدلة عليه؟ وما الإجراءات التي تتخذها الدولة لمواجهته؟
أما الاكتفاء بعبارة (احذروا الفوضى) دون تفسير، فقد يؤدي paradoxically إلى النتيجة العكسية: زيادة القلق بدلًا من طمأنة الناس.. الدولة القوية لا تخاف من السؤال: وهذه في رأيي هي النقطة الأهم.

وسيلة لمواجهة الفوضى
إذا كانت الدولة المصرية قوية بالفعل، فإن أفضل وسيلة لمواجهة أي محاولة للفوضى ليست فقط الإجراءات الأمنية، وإنما توسيع مساحة الثقة بين الدولة والمواطن.. الدولة القوية تستطيع أن تقول للمواطن: انتقد كما تشاء، طالب بحقوقك كما تشاء، اختلف سياسيًا كما تشاء، لكن لا تدمر بلدك ولا تعتدِ على مؤسساتها أو مواطنيها.
وهذه المعادلة أكثر إقناعًا من وضع المواطن أمام اختيار مصطنع بين (الدولة) أو (الفوضى)، فالدولة ليست الحكومة، والحكومة ليست كل مؤسسات الدولة، وانتقاد أداء مسؤول أو وزير لا يساوي إسقاط الدولة.
هل تخاف الدولة المصرية من الفوضى الآن؟، الأدق: الدولة المصرية تبدو شديدة الحساسية تجاه احتمال الفوضى، وتتعامل مع الاستقرار كأولوية أمن قومي، لكن لا يمكن من الخطاب الإعلامي وحده استنتاج أن لديها معلومات عن فوضى وشيكة أو أنها تتوقع انفجارًا قريبًا.. والتحدي الحقيقي أمامها ليس فقط منع الفوضى، بل منع الأسباب التي يمكن أن تجعل المواطن يفقد ثقته في المستقبل.
لأن أفضل حائط صد أمام الفوضى ليس الخوف منها.. إنه المواطن الذي يشعر أن لديه دولة قوية، وفي الوقت نفسه دولة تسمعه وتحترم عقله وتمنحه أملًا حقيقيًا في الغد.. وهنا تتحول (محاربة الفوضى) من شعار أمني إلى مشروع سياسي واجتماعي واقتصادي لبناء الثقة.
ليس من الصعب ملاحظة أن خطابًا واحدًا تقريبًا أصبح حاضرًا بقوة في عدد من البرامج والمنابر الإعلامية المصرية: التحذير من الفوضى، والتنبيه إلى مخاطر انهيار الاستقرار، والتذكير بما يمكن أن يحدث إذا تحولت حالة الغضب أو الاحتقان إلى صدام في الشارع.
مصطفى بكري تحدث في الأيام الأخيرة عن مخاطر تهديد استقرار الدولة، محذرًا من الفوضى وتبعاتها، بينما ارتبط خطاب نشأت الديهي خلال السنوات الماضية بفكرة الحفاظ على الدولة ومؤسساتها في مواجهة الاضطرابات، في حين يركز محمد الباز في تناوله الحالي على مفهوم الوعي ومواجهة ما يراه محاولات لإعادة إنتاج خطاب الفوضى.
لكن السؤال الذي يجب أن يتجاوز مجرد (هل نحن مع الفوضى أم ضدها؟، هو: كيف نحمي الدولة من الفوضى، وفي الوقت نفسه نحمي المجتمع من الأسباب التي يمكن أن تنتج الفوضى؟، وهو نفسه الذي يتحدث يوميا عن رفع المعاناة عن بسطاء هذا الشعب بسبب غلائ الأسعار.

المواطن قد لا يدرك حجم الكارثة
وهنا تبدأ القضية الحقيقية.. خطاب مصطفى بكري يقوم في جوهره على فكرة شديدة الوضوح: أن المواطن قد لا يدرك حجم الكارثة إلا بعد وقوعها.. وهذه نقطة لها وجاهتها؛ لأن الفوضى ليست مجرد مظاهرات أو احتجاجات، وإنما يمكن أن تتحول إلى انهيار في قواعد التعامل بين الناس، وغياب للأمان، وفتح المجال أمام الجريمة والعنف.
وقد حذر بكري مؤخرًا من فئات يرى أنها تهدد استقرار الدولة، ووضع جماعة الإخوان في مقدمة ما يعتبره هذه التهديدات، لكن الخطاب يحتاج إلى خطوة إضافية: لا يكفي أن نقول للمواطن: احذر الفوضى. يجب أن نقول له أيضًا: احذر الأسباب التي تجعل الفوضى قابلة للتصديق أو الانتشار.
فالمواطن لا يتحول إلى جزء من أزمة لأنه يحب الفوضى بالضرورة.. أحيانًا يتحرك الغضب عندما يشعر الإنسان أن صوته لا يصل، أو أن مشكلته لا تجد طريقًا إلى الحل.. وهنا يصبح علاج أسباب الاحتقان جزءًا من حماية الدولة نفسها.
نشأت الديهي ينطلق غالبًا من زاوية أخرى: الدولة باعتبارها الإطار الذي يحمي الجميع، وهذا المنطق مفهوم، خصوصًا في منطقة شهدت تجارب مؤلمة لانهيار مؤسسات الدول وتحول الخلاف السياسي إلى صراعات مفتوحة، وقد سبق للديهي أن ربط بين أزمات إقليمية وبين ما وصفه بفوضى ثورة يناير، كما يؤكد في خطاباته على ضرورة التماسك الوطني خلال الأزمات.
لكن الدولة القوية ليست الدولة التي تطلب من المواطن أن يطمئن فقط.. الدولة القوية هي التي تجعل المواطن مطمئنًا بالفعل.. والفرق كبير، فإذا كان المواطن لديه قانون يلجأ إليه، وإعلام يستطيع أن ينتقد، ومؤسسات تستجيب، وقنوات شرعية للتعبير، وفرص عادلة، وخدمات تتحسن، فإنه يصبح أكثر تمسكًا بالدولة لأنه يرى فيها مصلحته ومستقبله.
أما محمد الباز، فخطابه يضع مفهوم الوعي في مركز المواجهة، وقد استخدم الباز بالفعل تعبيرات مباشرة عن الوعي باعتباره سلاحًا في مواجهة الفوضى والخراب، كما ركز مؤخرًا في برنامجه (وهم رابعة) على قراءة أحداث اعتصام رابعة وما يعتبره حقائق غائبة عن تلك المرحلة.
وهنا ربما نصل إلى أهم نقطة في القضية كلها.. لأن المواطن الواعي لا يحتاج إلى أن تخيفه من الفوضى حتى يرفضها.. هو يعرف أن انهيار الدولة ليس لعبة، ويعرف أن الشارع عندما يتحول إلى ساحة للعنف لا يستطيع أحد أن يضمن إلى أين ستصل الأمور، لكنه في الوقت نفسه يعرف أن الوعي ليس معناه أن يتوقف عن السؤال.

تحويل (الفوضى) إلى كلمة سحرية
الوعي الحقيقي ليس أن تصدق السلطة.. وليس أن تصدق المعارضة.. الوعي هو أن تمتلك القدرة على التفكير والتحقق والمقارنة والحكم.. الخطر في تحويل (الفوضى) إلى كلمة سحرية، وهنا أختلف مع أي خطاب إعلامي يستخدم كلمة (الفوضى) باعتبارها إجابة جاهزة على كل شيء.. لأن كثرة استخدام الكلمة قد تفقدها معناها.
هناك فرق بين: احتجاج سلمي.. انتقاد سياسي.. غضب اجتماعي. . مطالبة بحقوق.. عصيان مدني..عنف.. تخريب.. إرهاب.. وانهيار مؤسسات الدولة.. لا يجوز وضع هذه الأشياء كلها في سلة واحدة.. الدولة القوية تستطيع التفريق بينها، والمواطن الواعي يستطيع التفريق بينها، والإعلام المسؤول يجب أن يساعد المواطن على هذا التفريق، لا أن يختصر المشهد كله في ثنائية: (مع الدولة أو مع الفوضى).
لأن هناك مساحة واسعة جدًا بين الاثنين اسمها: المواطنة.. لا تجعلوا المواطن يخاف من الدولة.. بل اجعلوه يخاف على الدولة.. هذه هي النقطة التي أعتقد أنها يجب أن تكون جوهر أي خطاب إعلامي في المرحلة الحالية.
المواطن المصري لا يحتاج إلى من يقول له فقط: (إياك والفوضى).. بل يحتاج إلى من يقول له: (هذه دولتك، وهذه مؤسساتها، وهذه مشكلاتها، وهذه طرق إصلاحها، وهذه حقوقك، وهذه واجباتك)، فالخوف وحده لا يصنع ولاءً، أما الشعور بالانتماء والمصلحة والمسؤولية، فهو الذي يصنع مواطنًا يدافع عن الدولة حتى عندما ينتقد الحكومة.
وهنا يجب التأكيد على حقيقة مهمة: الحكومة ليست الدولة.. يمكن أن يفشل مسؤول ويُحاسب.. يمكن أن تخطئ حكومة ويتم تغيير سياساتها.. يمكن أن يكون هناك قرار اقتصادي يحتاج إلى مراجعة.
يمكن أن تكون هناك مشكلة اجتماعية تحتاج إلى حل.. كل هذا لا يعني انهيار الدولة.. بل العكس؛ قدرة الدولة على الاعتراف بالخطأ وإصلاحه هى أحد مظاهر قوتها ببث الرسالة التي يجب أن تصل إلى المواطن.
وإذا أردنا أن نأخذ من حديث بكري والديهي والباز أفضل ما فيه، فعلينا أن نضعه في معادلة أكثر توازنًا: بكري يذكرنا بثمن الفوضى.. الديهي يذكرنا بأهمية الدولة، والباز يذكرنا بأهمية الوعي.

إغلاق أبواب اليأس والإحباط والغضب
لكن هناك ضلعًا رابعًا لا ينبغي أن يغيب: الإصلاح.. لأن الدولة لا تواجه الفوضى بالأمن والوعي فقط، وإنما تواجهها أيضًا بإغلاق الأبواب التي يمكن أن يدخل منها اليأس والإحباط والغضب غير المنضبط.. وهذا يعني تحسين الخدمات، ومحاربة الفساد، وتوسيع مساحات الحوار، واحترام القانون، والاستماع إلى شكاوى المواطنين، وتقديم إجابات حقيقية عن الأسئلة الصعبة.
لا نريد مواطنًا مذعورًا.. نريد مواطنًا واعيًا.. أخطر نتيجة يمكن أن يصل إليها خطاب التحذير من الفوضى هى أن يصبح المواطن مذعورًا من أي اختلاف، أو أن يعتبر كل اعتراض تهديدًا للدولة.. هذا ليس المطلوب.. المطلوب مواطن يستطيع أن يقول: أنا أحب بلدي، ولذلك أنتقد ما أراه خطأ، ويستطيع في الوقت نفسه أن يقول: أنا أرفض تدمير بلدي، حتى لو كنت غاضبًا.. هذه هي المعادلة الناضجة.
فمصر لا تحتاج إلى مواطن صامت خوفًا من الفوضى، وإنما إلى مواطن يتكلم بالقانون، ويعارض بالقانون، ويطالب بحقه بالقانون، ويرفض العنف والفوضى في الوقت نفسه.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول النقاش من (كيف نحمي مصر من الفوضى.. إلى (كيف نخيف المصريين من الفوضى؟).. الفرق بين الجملتين كبير جدًا.
الأولى تبني وعيًا.. أما الثانية فقد تبني خوفًا مؤقتًا.. ومصر، في هذه اللحظة، لا تحتاج إلى مواطن خائف على مستقبله، وإنما إلى مواطن واعٍ يعرف قيمة الدولة، ويعرف حقوقه، ويعرف أن إصلاح الأخطاء لا يحتاج إلى هدم البيت كله.
وهذه ربما تكون الرسالة الأهم التي يمكن أن نخرج بها من حديث مصطفى بكري ونشأت الديهي ومحمد الباز: احذروا الفوضى، نعم.. لكن حاربوا أيضًا أسبابها.. احموا الدولة، نعم.. لكن قوّوا ثقة المواطن بها.. وانشروا الوعي، نعم.. لكن لا تجعلوا الوعي مرادفًا للصمت.. لأن الدولة التي يخاف المواطن عليها أقوى من الدولة التي يخاف المواطن منها.