رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمد أبو النصر يكتب: (أنماط) وخوارزميات وإبهارات الأوساط

محمد أبو النصر يكتب: (أنماط) وخوارزميات وإبهارات الأوساط
هناك من يتخذ المظلومية (نمط) فيقدم نفسه بإعتباره ضحية لكل ما يحدث حوله ويحكي عن الظلم الذي تعرض له

بقلم الكاتب: محمد أبو النصر

لم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة للتواصل بين الناس وإنما أصبحت عالماً كاملاً فالشخصيات الموجودة عليها تمثل (أنماط) مختلفة، لكل منها طريقته في التعبير عن نفسه فمنهم من يظهر شخصيته الحقيقية ومحتواه المتميز، ومنهم الكثير ممن يريد صناعة شخصية يصدقها الآخرون عنه، رغم انها قد تكون بعيدة عن شخصيته الحقيقية باستخدام (إبهارات الأوساط).

فهناك من اتخذ الثقافة (أنماط) وقرر أن يدعيها رغم جهله فلجأ إلى اقتباس آراء بعض الكتاب والمفكرين وكتبها في بوست مطول باعتبارها آراءه، وهناك نمط الرجل أو المرأة الذين مروا بتجربة عاطفية فاشلة فخرجوا مقتنعين أن المشكلة ليست فيهم أو في نصفهم الآخر.. وإنما في الرجال أو النساء جميعاً فتتحول تجربتهم الخاصة إلى أحكام عامة ومنشورات تهاجم نصف الدنيا الآخر، وكأن البشرية كلها مطالبة بدفع ثمن علاقات لم تنجح.

وهناك من يتخذ المظلومية (نمط) فيقدم نفسه بإعتباره ضحية لكل ما يحدث حوله ويحكي عن الظلم الذي تعرض له، ويتحدث عن قسوة الآخرين عليه وكأنه ليس مخطئاً، فتتحول مساحة السوشيال ميديا لديه إلى محكمة يصدر فيها حكم البراءة على نفسه ويحمل الآخرين مسؤولية كل ما حدث.

بينما قد يكون هو في الحقيقة الطرف الذي ظلم غيره، وهناك من اتخذ التدين (أنماط) فصار ينشر الأدعية ويوزع النصائح عن الأخلاق والتواضع وحسن معاملة الناس بينما قد تكون حياته الواقعية بعيدة تماما عن تلك الصورة.

ثم نأتي إلى (أنماط) من حب الظهور والإحساس بأهمية الذات، فنشر شخص لصورة واحدة بجوار شخصية مشهورة بطريقة توحي بأن هناك صداقة خاصة بينهما قد تتحول من وجهة نظره إلى ما يشبه شهادة اعتماد اجتماعي له بأنه ذو ثقل كبير في المجتمع رغم أن في حقيقة الأمر أنه وقف بجوار هذا الشخص المشهور لثوان لالتقاط صورة في إحدى المناسبات والأخير لا يعرفه من الأساس.

محمد أبو النصر يكتب: (أنماط) وخوارزميات وإبهارات الأوساط

محمد أبو النصر يكتب: (أنماط) وخوارزميات وإبهارات الأوساط
هناك من لديه فراغ وليس لديه محتوى يقدمه فيلجأ لأي فرصة للتواجد على مواقع التواصل

التواجد على مواقع التواصل

وهناك من لديه فراغ وليس لديه محتوى يقدمه فيلجأ لأي فرصة للتواجد على مواقع التواصل فنجده يسارع لنعى أحد أقاربه، رغم أنه لم يكن يتواصل معه أو يسأل عنه مطلقاً، لكنه وجدها فرصه جيدة للظهور يستوجب اقتناصها.

أو يكتب عن السلام النفسي وعدم الاهتمام بكلام الناس ثم يقضي يومه في متابعة من شاهد ومن أًعجَب، بل وصل الحال بأحدهم إلى نشر صورة ضرسه المخلوع وكتب له رثاء مفاده أنه عاشره خمسون عاماً وكان يتعشم أن يظلاً معاً حتى الممات وأنه اضطر إلى خلعه بعدما زادت آلامه (وربما كان ينقصه عقد مؤتمر صحفي لإعلان خروج ضرسه من الخدمة بعد هذه الرحلة الطويلة من العطاء).

ورغم أن هذه الـ (أنماط) أمثلة قليلة لمئات الأنماط والتي منها من وصل به الحال لتقديم محتوى منافياً للأخلاق إلا أنها توضح تفشى مرض حب الظهور فى المجتمع، غير أن ذلك لا يفسر لماذا نرى بعض المحتوى أمامنا طوال الوقت، وهنا لابد أن نشير إلى الخوارزميات المحركة لمواقع التواصل الاجتماعي.

في أحيان كثيرة تبدأ المسألة باهتمام بسيط بقراءة بوستات أو مشاهدة فيديوهات قصيرة (ريلز) عن نوع معين من الموضوعات، فتقترح عليك المنصة المزيد من هذا النوع فأنت لا ترى بالضرورة كل ما يحدث في المجتمع وإنما ترى قدراً كبيراً مما تعتقد الخوارزمية أنك ستتفاعل معه لأنها تتعلم من سلوكك.

ومع الوقت قد تجد نفسك داخل دائرة من ذات النوع حتى يبدو لك أن العالم كله يتحدث عن الشيء نفسه فالشخص الذي يهتم بالثراء يرى المزيد من الثراء والذي يهتم بالرياضة يرى المزيد منها والذي يتفاعل مع المحتوى الغاضب يرى المزيد منه.

ورغم ما تقوم به تلقائياً هذه الخوارزميات إلا أن هناك محتوى قد يُفرَض علينا مشاهدته، وهو المحتوى الذي تروج له شركات لصالح المشاهير وأصحاب المال والأعمال والشركات الكبرى فلم يعد المحتوى مجرد أخبار أو صور عن أصحابها، وإنما أصبح في أحيان كثيرة أشبه بعروض إبهار لأوساط معينة بهدف إبهار الجمهور بأشخاصها وأفعالها.

وأغلب هؤلاء يدفعون لهذه الشركات لتصنع لهم هذا الحضور وتوسع نطاق وصوله فتقوم الشركات بإنتاج المحتوى، أو تسويقه والترويج له عبر المنصات لتدفعه خوارزمياتها إلى مزيد من المستخدمين وهكذا يصبح الأمر سوقا متكاملة لترويج إبهارات الأوساط المختلفة إلى الجمهور.

محمد أبو النصر يكتب: (أنماط) وخوارزميات وإبهارات الأوساط

محمد أبو النصر يكتب: (أنماط) وخوارزميات وإبهارات الأوساط
تتحول السوشيال ميديا من وسيلة لنقل الحدث إلى وسيلة لصناعة أهمية الحدث

الترويج نشر بعض الفعاليات

والمشكلة ليست في الاستعانة بشركات للترويج لمحتوى أو خبر معين فهذا أمر طبيعي ومشروع بل واحياناً ضروري، وإنما في أن يتحول المحتوى الترويجي إلى مادة تبدو للمشاهد وكأنها اهتمام إعلامي طبيعي، أو تقديم معلومة باعتبارها حقيقية بينما هي في الأساس جزء من عملية تسويق لصورة معينة، أو معلومة مغلوطة يريد صاحبها ترسيخها في أذهان الناس فهذا أمراً له نتائجه السلبية غير المرغوبة.

ومن ضمن عمليات الترويج نشر بعض الفعاليات التي تحمل عنواناً كبيراً وتظهر في صورها مجموعة من الشخصيات، ويصدر عنها بيان أو تصريح حتى تحصل أطرافها على صفة الأهمية.

بينما تكون كثير من هذه الفعاليات في حقيقتها حبراً على ورق وصورتين للنشر وبمجرد نشر الصور والبيانات تبدأ صناعة الانطباع فلان شارك وفلان حضر وفلان كُرِم وكأننا أمام حدث استثنائي بينما يبقى السؤال الأهم ماذا حدث فعلا؟ وماذا تركت هذه الفعاليات على أرض الواقع؟

وهنا تتحول السوشيال ميديا من وسيلة لنقل الحدث إلى وسيلة لصناعة أهمية الحدث وأحيانا صناعة أهمية الأشخاص الموجودين داخل الحدث.

وتزداد خطورة عروض الإبهار عندما تتحول إلى التباهي بالبذخ والسفر والماركات والسيارات الفارهة، فالمجتمع ليس كله يعيش المستوى نفسه، فهناك على سبيل المثال شاب يحاول أن يجد فرصة عمل وأسرة تحاول تدبير احتياجاتها.

ثم يجد هؤلاء أمامهم يوميا صوراً لحياة مترفة قد يعتبرونها النموذج الطبيعي للحياة فيتولد لديهم إحساس بأنهم يعيشوا حياة أقل قيمة، وقد تتحول هذه المقارنة المستمرة إلى مصدر إحباط لقطاع كبير في المجتمع وبخاصة الشباب في ظل ظروف اقتصادية صعبة.

وهنا تأتي أهمية الإلتزام بالضوابط والمعايير الإعلامية والمهنية، فالإعلان يجب ألا يتخفى في صورة خبر، والمحتوى المدفوع يجب ألا يفقد المُتَلقى حقه في معرفة طبيعته، والترويج لشخص يجب ألا يتحول إلى صناعة وهم حول قيمته أو مكانته، فهناك فارق بين أن تستعرض وتروج لأمور مفيدة وجذابة ترتقي بالمجتمع وبين أن تجعل من الإحباط مادة يومية تشعل الغضب والكراهية دون مسؤولية عن نتائجه.

كما أن تضخيم نماذج معينة باستمرار قد يغير مفهوم النجاح نفسه فبدلاً من أن يصبح النجاح علماً أو عملاً أو موهبةً أو إنجازاً حقيقياً قد يتحول عند البعض إلى كثرة المتابعين والسيارات والصور مع المشاهير.

وفي النهاية، ربما تكون المشكلة الحقيقية أن السوشيال ميديا لم تعد تكتفي بعرض الناس أمام بعضهم وإنما أصبحت تشارك في صناعة ما نراه وما نعتقد أنه مهم وما نعتقد أنه يستحق الإعجاب وتدفع أمام أعيننا أحياناً صوراً ومحتويات لم نطلبها ولم نبحث عنها ولا نريدها لكنها وصلت إلينا لأن هناك من أراد لها أن تصل.

وفي عالم كهذا ربما يكون أفضل من يمكنه التعامل مع كل هذا هو الشخص المثقف الذي يستطيع تمييز الحقيقة عن الوهم والجيد عن الغث.

ويبقى السؤال الأهم: إلى أين نحن ذاهبون؟

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.