رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

حين بكى المسرح.. (أسرار) العُمانية تهز جمهور (أولادنا)

حين بكى المسرح.. (أسرار) العُمانية تهز جمهور (أولادنا)
كان التصفيق حاضرًا بقوة، لكن المشهد الأكثر تأثيرًا جاء خارج النص.. دموع عبدالله بن شاكر البلوشي

كتبت: صبا أحمد

أحيانًا لا يحتاج المسرح إلى مشهد مأساوي كي يجعل الجمهور يبكي.. يكفي أن يصعد الإنسان إلى الخشبة، يقف أمام مئات العيون، ثم يقول ببساطة: أنا هنا.. لدي حكاية.. ولدي الحق في أن تسمعني، وهذا ما حدث على المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، عندما قدمت فرقة (بالإعاقة نبدع) من سلطنة عُمان عرضها المسرحي (أسرار)، ضمن فعاليات الملتقى الدولي لفنون ذوي القدرات الخاصة (أولادنا).

كان الجمهور في البداية أمام عرض مسرحي عُماني، لكنه سرعان ما وجد نفسه أمام حكايات إنسانية تمس الحياة اليومية لأشخاص يريدون أن يُنظر إليهم باعتبارهم أصحاب أحلام وحقوق وقدرات، لا باعتبارهم مجرد حالات تستحق الشفقة من خلال مسرحية (أسرار).

وعندما انتهى العرض، كان التصفيق حاضرًا بقوة، لكن المشهد الأكثر تأثيرًا جاء خارج النص.. دموع عبدالله بن شاكر البلوشي، رئيس الفرقة، الذي لم يتمالك نفسه أمام تفاعل الجمهور المصري.

كان من السهل أن تقدم (أسرار) حكاية تقليدية عن المعاناة، لكنها اختارت طريقًا مختلفًا، العرض تناول مجموعة من القضايا المرتبطة بحياة الأشخاص ذوي القدرات الخاصة، وركز على حقهم في الاندماج والمشاركة الفاعلة في المجتمع.. كل مشارك يحمل رسالة مرتبطة بتجربته، وكل ظهور على خشبة المسرح يتحول إلى مساحة للتعبير عن الذات.. هم الذين يتحدثون عن أنفسهم، وليس أحدًا يتحدث نيابة عنهم.

حين بكى المسرح.. (أسرار) العُمانية تهز جمهور (أولادنا)
ومن أبرز القضايا التي تناولها العرض قضية المرأة من ذوات الإعاقة

قضية المرأة من ذوات الإعاقة

ومن أبرز القضايا التي تناولها العرض قضية المرأة من ذوات الإعاقة، وحقها في الحب وتكوين أسرة وممارسة حياتها بصورة طبيعية، بعيدًا عن النظرة التي ترى الإعاقة حاجزًا أمام الحياة، كما تناول العرض الإعاقة السمعية من خلال أغنية من تأليف عبدالله بن شاكر البلوشي، إلى جانب مشاركة أشخاص من غير ذوي الإعاقة، في رسالة واضحة حول أهمية الدمج الحقيقي.

شارك الوفد العُماني في الملتقى بـ27  شخصًا من ذوي القدرات الخاصة، برئاسة عبدالله بن شاكر البلوشي، وكانت هذه المشاركة الثالثة للفرقة في (أولادنا)، لكن البلوشي لم يتوقع أن يكون استقبال الجمهور بهذه القوة، وقال إن تفاعل الحاضرين فاجأه، مؤكدًا أن العرض حظي بإشادة وتفاعل كبيرين.

ثم كشف عن اللحظة الأكثر صدقًا في حديثه: (لم أستطع أن أتمالك نفسي وغلبتني الدموع).. لم تكن دموعه جزءًا من العرض، وإنما جاءت بعدما شعر أن الرسالة وصلت إلى الجمهور المصري بصورة عفوية.

وأكد أن قضايا ذوي القدرات الخاصة (قضية موحدة على الكرة الأرضية)، مشيرًا إلى أهمية الثقافة والفن إلى جانب الجوانب الطبية وغيرها، باعتبارهما وسيلة مهمة للتعبير والاندماج.

تحدثت الفنانة حبيبة السلطية، مساعد مخرج (أسرار)، عن سعادة الفرقة بالمشاركة، مؤكدة أن حجم الحضور والتفاعل كان مفاجأة بالنسبة لهم، وأوضحت أن كل شخص يشارك في العرض يصعد إلى المسرح ليقدم رسالة مرتبطة بتجربته وإعاقته، وكيف يمكن أن يكون جزءًا فاعلًا في المجتمع.

وهنا تصبح خشبة المسرح نموذجًا صغيرًا للمجتمع الذي يحلم به أصحاب القدرات الخاصة: الجميع موجودون.. والجميع لهم مكان.. والجميع يملكون الحق في أن يتحدثوا.

حين بكى المسرح.. (أسرار) العُمانية تهز جمهور (أولادنا)
العرض من تأليف وإشراف عام عبدالله بن شاكر البلوشي، وإخراج عيسى الصبحي

(أسرار) التي كشفت كل شيء

وجه البلوشي الشكر إلى القائمين على الملتقى ووزارة الثقافة المصرية ودار الأوبرا المصرية، كما وجه التحية إلى الشعب المصري، مؤكدًا أن الوفد العُماني شعر منذ وصوله إلى مصر بأنه بين أهله.

كما أشاد باستمرار ملتقى (أولادنا) على مدار عشر سنوات، معتبرًا ذلك إنجازًا مهمًا، ووجه الشكر إلى وزارة الثقافة والرياضة والشباب في سلطنة عُمان، وسفارة سلطنة عُمان بالقاهرة، والشيخة أمينة بنت سعود بهوان، رئيسة مجلس إدارة مؤسسة اليسر الخيرية، لدعمها المشاركة.

والعرض من تأليف وإشراف عام عبدالله بن شاكر البلوشي، وإخراج عيسى الصبحي، ومساعدة إخراج حبيبة السلطية، وبطولة عدد من الفنانين من ذوي القدرات الخاصة، إلى جانب فريق فني وإداري متكامل.

ربما كانت المفارقة الأجمل أن العرض الذي يحمل اسم (أسرار)لم يأتِ ليخفي شيئًا.. بل كشف الكثير.. كشف أحلامًا، ومخاوف، وحقوقًا، وقدرات، وأشخاصًا يريدون أن يعيشوا حياتهم كاملة، من عُمان إلى القاهرة، لم تكن الرسالة بحاجة إلى ترجمة.. فالحب، والأسرة، والحلم، والرغبة في المشاركة، والبحث عن الاحترام، كلها مشاعر لا تعرف حدودًا، ولهذا، عندما انتهى العرض، لم يكن الجمهور يصفق فقط لفريق جاء من بلد عربي شقيق.

كان يصفق لفكرة أكبر: أن الإنسان يجب أن يُرى أولًا.. قبل أن تُرى إعاقته، وهنا كانت دموع عبدالله البلوشي أصدق من أي كلمة.. فهو لم يبكِ لأن (أسرار) انتهت، وإنما لأن الحكاية وصلت.. وصلت إلى الجمهور.. ووصلت إلى القلب.. وأثبتت أن المسرح، حين يكون صادقًا، يستطيع أن يفعل ما هو أبعد من الترفيه: أن يغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى بعضنا بعضًا.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.