رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

أيمن زبيب يشعل (القناطر)، وعادل الداوود يخطف جواز سفره إلى قلوب جمهور (الفحيص)

أيمن زبيب يشعل (القناطر)، وعادل الداوود يخطف جواز سفره إلى قلوب جمهور (الفحيص)
أيمن زبيب قدم سهرة جمعت الهوية المحلية بنكهة الطرب العربي

الفحيص: حسام عطية

ليست كل الحفلات مجرد ساعات من الغناء تنتهي بانطفاء الأنوار.. فهناك ليالٍ يبدو فيها مسرح (الفحيص) وكأنه يقرر أن يحتفظ بذاكرتها طويلًا، وليلة مسرح القناطر في مهرجان الفحيص الدولي كانت واحدة من هذه الليالي.

منذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن جمهور (الفحيص) جاء لا ليجلس في مقاعده ويتابع حفلاً تقليديًا، وإنما ليشارك في صناعة حالة من الفرح.. وعلى مسرح حمل شعار (الأردن تاريخ وحضارة) اجتمع صوت أردني شاب مع نجم لبناني صاحب جماهيرية واسعة، لتولد سهرة جمعت الهوية المحلية بنكهة الطرب العربي.

إنها ليلة عادل الداوود وأيمن زبيب.. عادل الداوود.. صاحب (جواز السفر) إلى قلوب الجمهور.. كانت البداية أردنية بامتياز.. خرج الفنان الشاب عادل الداوود إلى المسرح، حاملاً صوته الدافئ وحضوره القريب من الجمهور، وكأنه يعرف منذ اللحظة الأولى أن ظهوره في مهرجان الفحيص ليس مجرد مشاركة في برنامج فني، وإنما فرصة لكتابة صفحة جديدة في علاقته بالجمهور.

الداوود، الذي يشارك للمرة الأولى في المهرجان، لم يحتج إلى كثير من الوقت حتى يلفت الأنظار.. غنى، تفاعل، اقترب من الجمهور، وترك لهم مساحة ليشاركوه الغناء.

ومع كل أغنية، كان واضحًا أن الشاب يمتلك قدرة على الانتقال بين أكثر من لون غنائي، من الشعبي إلى الرومانسي والطربي، وهي مساحة واسعة إذا أحسن استغلالها يمكن أن تمنحه طريقًا أكثر ثباتًا في المشهد الغنائي الأردني.

ومن بين الأغاني التي قدمها: (يا مية هلا، سلم عليها يا هوا، طالعة من بيت أبوها، عندك بحرية، ثم قرر أن يرفع سقف الحماس في ختام وصلته، فقدم مجموعة من الأغاني الشعبية والتراثية، من بينها (الدحية، علامي وشلونكي، علا علم بلادنا)، وهنا لم يعد الجمهور مجرد مستمع.. تحول إلى كورال كبير.

أيمن زبيب يشعل (القناطر)، وعادل الداوود يخطف جواز سفره إلى قلوب جمهور (الفحيص)
بدا أن الداوود نجح في الحصول على ما يمكن اعتباره جواز سفره الحقيقي إلى قلب جمهور (الفحيص)

الفنان لا يصنع هويته بالأغنيات

وفي تلك اللحظة تحديدًا، بدا أن الداوود نجح في الحصول على ما يمكن اعتباره جواز سفره الحقيقي إلى قلب جمهور (الفحيص)، لكن هناك ملاحظة فنية لا يمكن تجاهلها..

فالداوود يمتلك صوتًا يسمح له بتقديم ألوان متعددة، إلا أن الخطوة المقبلة تحتاج منه إلى البحث بجدية عن أغنياته الخاصة، لأن الفنان لا يصنع هويته بالأغنيات التي يحبها الجمهور فقط، وإنما بما يضيفه هو إلى ذاكرة هذا الجمهور.

ثم دخل (أيمن زبيب)، فتغيرت ملامح المكان.. إذا كانت البداية قد حملت دفء الأردن، فإن دخول أيمن زبيب نقل السهرة إلى مساحة أخرى.. صعد النجم اللبناني إلى المسرح، ولم يحتج إلى أكثر من أغنية واحدة حتى يعرف الجميع أن المسرح دخل مرحلة جديدة.

زبيب لا يأتي إلى الحفل بأغانيه فقط، وإنما يأتي ومعه ذاكرة كاملة لجمهوره.. أغانٍ يعرفها الناس عن ظهر قلب، وجمل موسيقية تبدأ فيرددها الجمهور قبل أن يكملها هو.. بدأ بأغنيته الشهيرة (كل العمر ع حسابك)، ثم واصل بـ (كرمالك يا حبيبي)، قبل أن يذهب إلى منطقة الطرب، ويقدم موال (ذكرتك والسما مغيمة) للفنان حاتم العراقي.

ثم عاد إلى إيقاع الحفل بأغنيتي (شو بعملك أنا حبيت، وبحبك والله)، وبدا واضحًا أن الجمهور لم يكن ينتظر منه اكتشافًا جديدًا بقدر ما كان يريد أن يعيش مع أغنياته التي صنعت جزءًا من ذاكرته.

لكن أجمل لحظات الحفل لم تكن بالضرورة في واحدة من الأغنيات الشهيرة.. ففي وسط الزحام والحماس، ظهرت طفلة معجبة تدعى نغم، وكانت تحفظ أغنيات أيمن زبيب.

لم يتعامل زبيب مع الأمر باعتباره مجرد لقطة عابرة، بل دعاها إلى خشبة المسرح والتقط معها الصور.. لحظة صغيرة في زمن الحفل، لكنها حملت معنى كبيرًا.. فأن تجد طفلة من جيل جديد تحفظ أغنيات فنان من جيل سابق نسبيًا، يعني أن بعض الأغنيات استطاعت أن تتجاوز زمن إصدارها، وتنتقل من جيل إلى آخر.

ولهذا بدا تعليق زبيب منطقيًا: وصول أغنياته القديمة إلى الجيل الجديد هو أحد مؤشرات استمرار النجومية الحقيقية.

ولأن الحفلات الناجحة لا تخلو من مفاجأة، كشف أيمن زبيب عن مفاجأة خاصة للجمهور الأردني، أعلن أنه سيقوم بتصوير فيديو كليب في الأردن لأغنية جديدة تحمل عنوان (الخيل الأصيلة)، مؤكدًا محبته للجمهور الأردني.

أيمن زبيب يشعل (القناطر)، وعادل الداوود يخطف جواز سفره إلى قلوب جمهور (الفحيص)
لم يحصر زبيب برنامجه في أغنياته الخاصة.. فقد اختار أن يقدم للجمهور مجموعة من الأغنيات المعروفة

مجموعة من الأغنيات المعروفة

وكان الإعلان بمثابة تحية إضافية لبلد استقبله بحفاوة، ولجمهور لم يكتفِ بالاستماع إليه، وإنما شاركه الغناء طوال السهرة.. من فضل شاكر إلى عاصي الحلاني وميادة الحناوي.. لم يحصر زبيب برنامجه في أغنياته الخاصة.. فقد اختار أن يقدم للجمهور مجموعة من الأغنيات المعروفة، من بينها (فاكر لما تقولي حسيبك) للفنان فضل شاكر، و(يا طير) للفنان عاصي الحلاني.

ثم اختار أن ينهي السهرة من منطقة مختلفة تمامًا، حين قدم واحدة من علامات الطرب العربي: (أنا بعشقك) لميادة الحناوي.

وكان اختيار الأغنية في الختام أشبه بتحية للطرب الكلاسيكي، وتأكيد أن الفنان القادر على مخاطبة الجمهور الواسع لا يخشى الاقتراب من الأغنية الطربية الثقيلة.

بعيدًا عن الغناء نفسه، كانت هناك رسالة أخرى صنعتها السهرة، فشعار مهرجان الفحيص (نلتقي لنرتقي) لم يكن مجرد جملة مكتوبة على اللافتات، وإنما انعكس في تركيبة الحفل نفسها.. فنان أردني شاب يقف إلى جوار نجم لبناني، وجمهور أردني يحتفي بكليهما، وأغانٍ تنتقل من لون إلى آخر، ومن جيل إلى جيل.

هكذا تتحول المهرجانات الحقيقية إلى جسور ثقافية، لا مجرد منصات لإقامة الحفلات، وبعد 33 دورة، يواصل مهرجان الفحيص الدولي تقديم نفسه باعتباره مساحة تلتقي فيها الذاكرة الفنية باللحظة الراهنة، ويمنح الفنان المحلي فرصة الوقوف أمام جمهور كبير، وفي الوقت نفسه يفتح الباب أمام النجوم العرب.

وفي اليوم الرابع من فعاليات (الأردن تاريخ وحضارة)، بدا مسرح القناطر وكأنه يلخص الفكرة كلها: الأردن يحتفي بتراثه، لكنه لا يغلق أبوابه أمام الفن العربي، وفي نهاية السهرة، كان التصفيق هو الكلمة الأخيرة.. تصفيق طويل، وتكريم رمزي للفنانين، وجمهور يغادر المكان وهو يحمل في ذاكرته ليلة جمعت عادل الداوود وأيمن زبيب.

لكن ربما كانت الصورة الأجمل هي تلك التي لم تكن على المسرح أصلًا.. طفلة اسمها نغم تقف بجوار أيمن زبيب، وتحفظ أغنياته القديمة.. ففي زمن تتغير فيه الأغنيات بسرعة، وتولد (الترندات) وتموت خلال أيام، جاءت تلك الطفلة لتقول شيئًا مختلفًا:

النجومية الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد المشاهدات.. وإنما بقدرة الأغنية على عبور الزمن والوصول إلى قلب جيل لم يكن حاضرًا عندما وُلدت.

وهكذا انتهت ليلة القناطر.. أردنية في روحها، لبنانية في طربها، عربية في وجدانها.. والأهم أنها أثبتت أن الموسيقى، حين تكون صادقة، لا تحتاج إلى جواز سفر كي تعبر الحدود.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.