رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

 حكايتي مع الإعلام وصُنّاع الإعلام (47).. (علي عبد الرحمن)

* من «أونست» إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام..!

 حكايتي مع الإعلام وصُنّاع الإعلام (47).. (علي عبد الرحمن)
كنت أراه يكبر أمامي مهنيًا وإنسانيًا، حتى أصبح في مكانة خاصة عندي

بقلم الدكتور: إبراهيم أبو ذكري*

لم تكن علاقتي بالإعلامي (علي عبد الرحمن)، التليفزيوني والإعلامي، في بدايتها علاقة صداقة أو مصلحة شخصية، ولم تجمعني به تلك العلاقات التقليدية التي تنشأ بين أصحاب المناصب أو المصالح، لكن (علي عبد الرحمن)، مع مرور الوقت، فرض عليَّ محبته واحترامي له.

فرضهما باجتهاده، وحرصه على أن يكون له انتماء حقيقي إلى مؤسسات المجتمع المدني، وإخلاصه في العمل، وقدرته على أن يثبت وجوده بالفعل لا بالكلام.

كنت أتعلم منه مثلما كان يتعلم مني، وكنت أراه يكبر أمامي مهنيًا وإنسانيًا، حتى أصبح في مكانة خاصة عندي، وأصبح واحدًا من أولئك الذين أعتبرهم من أبنائي بالمعزة والمكانة، وإن لم يكونوا من أبنائي بالدم.

وكانت له معزة خاصة، مثل عدد محدود جدًا من أبناء المهنة الذين لا أتعامل معهم باعتبارهم مجرد زملاء أو موظفين أو أصحاب مناصب، وإنما باعتبارهم، كما كنا نقول في الوسط الإعلامي، (من الشُّغلانة).. وهذه العبارة كانت بالنسبة لي أعمق من كلمة (المهنة).

فـ (الشُّغلانة) ليست مجرد وظيفة أو بطاقة تحمل اسمًا وظيفيًا؛ إنها سنوات من العمل، والسهر، والضغط، والمواقف، والمطبات، والتجارب التي لا يتعلمها الإنسان في الكتب، وإنما يتعلمها وهو داخل الميدان، ولهذا كان (علي عبد الرحمن) من الذين أستطيع أن أقول عنهم ببساطة: ده من الشُّغلانة.

وهذه شهادة لا تمنحها لمن يحمل منصبًا أو يظهر كثيرًا على الشاشة، وإنما لمن خاض العمل الحقيقي، وعرف رجاله، وعاش مشكلاته، وتعلم من تجاربه، وأثبت أنه يستطيع أن يتحمل المسؤولية عندما يأتي وقت الاختبار.

 حكايتي مع الإعلام وصُنّاع الإعلام (47).. (علي عبد الرحمن)
لم يبقَ أسير مدرسة واحدة، فهو ابن مدرسة الإعلام العام داخل ماسبيرو

لم يبقَ أسير مدرسة واحدة

وقد تميز (علي عبد الرحمن)، في تقديري، بأنه لم يبقَ أسير مدرسة واحدة، فهو ابن مدرسة الإعلام العام داخل ماسبيرو، بكل ما تحمله هذه المدرسة من خبرات وتقاليد وأصول مهنية، لكنه في الوقت نفسه كان لديه فضول مهني دفعه إلى التعرف على عالم آخر خارج أسوار المؤسسة الرسمية؛ عالم المجتمع المدني والقطاع الخاص ورجال الأعمال والإعلام الخاص.

وكانت سنوات عمله في مكاتب وزارة الإعلام، وما أتاحته له من احتكاك بقيادات العمل الإعلامي وكبار المسؤولين وأصحاب الخبرات المتراكمة، قد منحته معرفة واسعة بخريطة الإعلام المصري، وبالأشخاص الذين صنعوا مراحل مختلفة من تاريخه.

ومع اتساع دائرة علاقاته، لم يعد (علي عبد الرحمن) مجرد إعلامي يعمل داخل مؤسسة رسمية، وإنما أصبح يتحرك بين دوائر متعددة؛ يعرف أبناء ماسبيرو، ويتواصل مع رجال الإعلام في المجتمع المدني، ويقترب من رجال الأعمال الذين بدأوا يدخلون بقوة إلى صناعة الإعلام الخاص. 

ومن خلال هذا المسار تحديدًا، تعرّف علي عبد الرحمن إلى رجل الأعمال والمقاول أكرم الصباغ، وكان أكرم الصباغ يأتي من عالم مختلف تمامًا؛ عالم الأعمال والمقاولات ورأس المال والاستثمار، في حين جاء (علي عبد الرحمن) من مدرسة الإعلام المؤسسي التي صنعت خبرته على مدى سنوات طويلة.

وكان أكرم الصباغ يريد أن يستفيد من خبرات أبناء المدرسة الإعلامية الرسمية، وأن يستعين بمن يعرفون قواعد العمل الإعلامي من الداخل، بينما كان المشروع في حاجة إلى إعادة ترتيب مساره والاستفادة من الإمكانات المتاحة بصورة أكثر كفاءة.

وخلال فترة وجيزة، أصبح (علي عبد الرحمن) من المستشارين المقربين لأكرم الصباغ، حتى وجد أكرم نفسه يضع أمامه مشكلاته مع المنظومة الإعلامية التي أقامها تحت اسم (أونست) القناة التليفزيونية، والجريدة الأسبوعية، والموقع الإلكتروني، وبقية مكونات المجموعة.

 حكايتي مع الإعلام وصُنّاع الإعلام (47).. (علي عبد الرحمن)
أسامة سرايا
 حكايتي مع الإعلام وصُنّاع الإعلام (47).. (علي عبد الرحمن)
كرم جبر

أسامة سرايا وكرم جبر

وكانت المفارقة أن هذه المنظومة لم تكن تفتقر إلى الأسماء الكبيرة؛ فقد كان كرم جبر مسؤولًا عن الجريدة، وكان محمد حبوشة مسئولا عن الموقع الإلكتروني، وكان أسامة سرايا مشرفًا عامًا على شبكة القنوات التليفزيونية، وهما وغيرهما من الأسماء التي كان (علي عبد الرحمن) يراهم من أساتذة الصحافة والإعلام الذين سبقوه في هذا المجال.

لكن أكرم الصباغ كان يبحث عن شخص يستطيع أن يترأس هذه المجموعة من الشخصيات، وأن يمتلك من الخبرة والقدرة ما يسمح له بأن يضع يده على مواطن الخلل دون حسابات الوظيفة أو المجاملة.

وهنا جاء اسمي.. كان الاختيار، كما فهمت لاحقًا، يستند إلى أكثر من اعتبار؛ أولها الفارق العمري بيني وبين عدد من القائمين على العمل، وثانيها تراكم الخبرات التي اكتسبتها في صناعة الإعلام، أكاديميًا وتطبيقيًا، عبر سنوات طويلة من العمل المباشر في مجالات الإنتاج والتليفزيون والصحافة والإدارة الإعلامية.

وافقت على الاجتماع نتيجة إلحاح (علي عبد الرحمن) ووضعت له شرط واعبرته اتفاق بيني وبينه اتفاق واضح: أن يكون هذا الاجتماع هو الأول والأخير، وأن يكون بلا مقابل.

فأنا، منذ أن بدأت حياتي المهنية، لم أكن موظفًا عند أحد، ولم أعتد أن يكون لي رئيس أنتظر منه في نهاية الشهر راتبًا، ثم أحمد الله أنه أعطاني إياه.. كنت دائمًا أعمل بطريقتي، وأدخل المشروعات التي أؤمن بها، وأخرج منها عندما أرى أن دوري انتهى أو أن الظروف لم تعد مناسبة.

ولذلك لم أكن أذهب إلى ذلك الاجتماع بحثًا عن وظيفة، ولا كنت أفكر في أن أصبح جزءًا من منظومة (أونست).. كنت ذاهبًا لأقول رأيي فقط لابني على الذي وعده بقيادة وإدارة المنظومة من خلالي، وقبل ذاهبي بحثت أعداد من الجريدة كما شهدا يوما ما يعرض على شاشات القنوات التي تحتاج مني الي رأي فكانت موضع درسه لا كمشاهد فقط لكن اصطياد العيوب ووضع حلول لعلاجها.

 حكايتي مع الإعلام وصُنّاع الإعلام (47).. (علي عبد الرحمن)
أكرم الصباغ

دخول رأس المال إلى تجربة الإعلام

وكنت أعرف من خلال معرفتي بهذه المرحلة، أرى أن تجربة (أونست) كانت واحدة من التجارب التي عكست بوضوح دخول رجال الأعمال إلى سوق الإعلام الخاص، ومحاولة بناء منظومة إعلامية لا تقتصر على شاشة واحدة، وإنما تمتد إلى أكثر من وسيلة ومنبر.

وكان من بين مكونات هذه المنظومة صحيفة مطبوعة حملت اسم (أونست) وعُرفت أيضًا باسم (أونست الشرق) وكانت تصدر في صورة أسبوعية، إلى جانب الموقع الإلكتروني التابع للمنظومة.

وكانت الجريدة، في تقديري، محاولة لإضافة ذراع صحفي إلى المشروع الإعلامي، بحيث تصبح (أونست) حاضرة في الصحافة المطبوعة، كما هي حاضرة في المجال الفضائي والإلكتروني.

وقد استعان إكرامي الصباغ، المعروف في بعض الأوساط باسم أكرم الصباغ، بعدد من الأسماء الصحفية المعروفة لإدارة هذه التجربة وتطويرها، وكان من أبرز هذه الأسماء الكاتب الصحفي كرم جبر، الذي تولى رئاسة تحرير الجريدة، ومحمد حبوشة الذي تولى رئاسة (الموقع الإلكتروني) إلى جانب الكاتب الصحفي أسامة سرايا، رئيس تحرير الأهرام الأسبق، الذي شارك مستشارًا إعلاميًا ومشرفًا على الإصدار.

وهنا تحديدًا بدأت أهمية الجريدة بالنسبة لي؛ لأن وجود هذه الأسماء لم يكن مجرد إضافة شكلية إلى مطبوعة جديدة، وإنما كان يعكس رغبة في إعطاء المشروع قدرًا من الثقل المهني والاستعانة بخبرات صحفية لها تاريخها داخل المؤسسة الصحفية المصرية، وكانت (أونست) في ذلك الوقت تتحرك في مساحة إعلامية تجمع بين الخبر العام وبين التعبير عن موقف أصحاب المشروع والدفاع عنهم.

فمع اتساع نشاط مجموعة (أونست) وظهور مشكلات وأزمات مرتبطة ببعض مشروعاتها العقارية، أصبحت الجريدة والموقع الإلكتروني منبرًا لنشر البيانات والردود والتوضيحات التي تصدر عن المجموعة، ومحاولة تقديم روايتها في مواجهة ما كان يُثار حولها من اتهامات أو انتقادات.

ومن وجهة نظري، فإن هذه النقطة تكشف جانبًا مهمًا من طبيعة العلاقة التي كانت تتشكل آنذاك بين رأس المال والإعلام، فالإعلام بالنسبة لبعض رجال الأعمال لم يعد مجرد استثمار في صناعة قائمة بذاتها، وإنما أصبح أيضًا وسيلة للحضور العام، وإدارة الصورة، والتواصل مع الجمهور، والرد على ما ينشر عن مشروعاتهم أو أعمالهم.

وهذا في حد ذاته ليس أمرًا غريبًا في عالم الإعلام الخاص، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح المشروع الإعلامي مرتبطًا بصورة مباشرة بأزمات المشروع الاقتصادي الذي يموله، فيتحول الإعلام تدريجيًا من صناعة لها استقلالها المهني إلى جزء من أدوات إدارة الأزمة، وهذا، في تقديري، كان أحد أهم جوانب تجربة (أونست).

أما الجريدة المطبوعة فلم تستمر طويلًا بالصورة التي كان يمكن أن تستمر بها أي مؤسسة صحفية مستقرة، إذ واجهت التجربة مشكلات مالية وإدارية، بالتزامن مع تصاعد الأزمات التي أحاطت بالمجموعة وملاحقة إكرامي الصباغ قضائيًا في قضايا ارتبطت بنشاطه العقاري.

ومع تفاقم هذه الأزمات، لم يعد من السهل استمرار منظومة إعلامية تحتاج بطبيعتها إلى تمويل منتظم وإدارة مستقرة، فتراجع النشاط الإعلامي للمجموعة وتوقفت تجربة الجريدة.

لكن، بالنسبة لي، لم تكن أهمية (أونست) في عمرها القصير، وإنما في الأسماء التي مرت بها، وفي العلاقات التي تشكلت حولها، وفي كونها كانت إحدى النقاط التي التقت عندها خبرات الإعلام المؤسسي مع رأس المال الخاص.

ومن هنا يصبح وجود كرم جبر في رئاسة تحريرها أمرًا يستحق التوقف عنده، وكانت هذه هي المرة الأولى التي ألتقي فيها كرم جبر وأجلس معه جلسة عمل حقيقية.

 حكايتي مع الإعلام وصُنّاع الإعلام (47).. (علي عبد الرحمن)
كان واضحًا بالنسبة لي أن المشكلة لم تكن في أسماء القائمين عليها، وإنما في طريقة إدارة المحتوى

اللقاء لم يستمر طويلًا

ناقشنا أوضاع الجريدة، ووضعت أمامهم ملاحظاتي بصراحة، بعيدًا عن المجاملة أو محاولة إرضاء أحد، وكانت النتائج التي أمامي لا تحتاج إلى كثير من الشرح؛ فقد كانت الجريدة تطبع في حدود خمسة آلاف نسخة، وكان المرتجع منها أكثر مما يخرج إلى القراء.

وكان واضحًا بالنسبة لي أن المشكلة لم تكن في أسماء القائمين عليها، وإنما في طريقة إدارة المحتوى، وفي شكل المنتج الصحفي نفسه، وفي غياب الرؤية التي تجعل الجريدة قادرة على المنافسة والاستمرار.

وأنا أتحدث، كنت أرى في عيني كرم جبر شيئًا لفت انتباهي.. لم أرَ في عينيه رفضًا أو ضيقًا مما أقوله، بل شعرت أن كل ملاحظة كنت أطرحها كانت تصل إليه مباشرة، وأنه كان يتفاعل معها بجدية واهتمام. ومن هنا بدأت بيننا، منذ ذلك اللقاء الأول، مساحة من الود والتقدير المهني، سرعان ما تحولت إلى علاقة إنسانية أكثر قربًا.

أما أكرم الصباغ، فكان يستمع إلى الملاحظات والحلول التي أطرحها، وكان حاضرًا في المناقشة، وبدأ بعض الخلل الذي كانت تعاني منه المجموعة يظهر أمام الجميع بصورة أوضح، ليس باعتباره مجرد مشكلة تقليدية في صحيفة أو قناة، وإنما باعتباره خللًا في طريقة تقديم المنتج الإعلامي نفسه وكيفية إظهاره بالشكل الذي يجذب الجمهور والمعلن معًا.

 حكايتي مع الإعلام وصُنّاع الإعلام (47).. (علي عبد الرحمن)
من يومها انتهت علاقتي بأكرم الصباغ تقريبًا، لكن اللقاء الأول الذي جمعني بكرم جبر ظل في ذاكرتي

لم أتوقف عند الجريدة!

طرحت أيضًا مجموعة من الأفكار المتعلقة بشبكة القنوات الفضائية، والجوانب الفنية التي يمكن من خلالها تحسين الصورة العامة للشبكة، ووضع نقاط عملية تساعد القناة على إثبات وجودها في السوق، وبالتالي الوصول إلى المعلن وجذب الإعلانات، وبعد هذا الاجتماع، جاءتني دعوة إلى العشاء في منزل أكرم الصباغ، وكانت تلك الدعوة، في الحقيقة، هي اللحظة التي انتهت فيها علاقتي بأكرم الصباغ.

دخلت إلى العشاء وأنا أتصور أنه لقاء اجتماعي عادي، فإذا بي أمام مائدة أعدت لثلاثة أشخاص، ولكن ما عليها من الطعام كان يكفي – من فرط ما كان موجودًا، لأكثر من عشرين رجلًا لم يأكلوا منذ أسبوع!

نظرت إلى المائدة، ثم إلى المشهد كله، وخرجت من اللقاء بانطباع لم أستطع أن أتجاهله، وبعدها قلت لعلي عبد الرحمن: (يا علي، ده كرم متجاوز حدود الكرم!)، ولم يكن تعليقي على كثرة الطعام وحدها، وإنما كان تعبيرًا عن إحساس أعمق تولد عندي في تلك الليلة؛ إحساس بأن هذا العالم الذي بدأت أقترب منه لا يشبه طبيعتي، وأن المسافة بيني وبين طريقة إدارة هذا النوع من العلاقات أكبر مما كنت أتصور.

ومن يومها انتهت علاقتي بأكرم الصباغ تقريبًا، لكن اللقاء الأول الذي جمعني بكرم جبر ظل في ذاكرتي، فأنا لم أكن أعرف يومها إلى أين سيمضي الرجل الذي جلس أمامي يستمع إلى ملاحظاتي باهتمام.

ولم أكن أعرف أن ذلك اللقاء العابر، الذي ذهبت إليه وأنا أعتقد أنه سيكون الأول والأخير، سيكون واحدًا من الخيوط التي ستقودني بعد سنوات إلى الحديث عن مسيرة كرم جبر، من الصحافة إلى مواقع المسؤولية الإعلامية، ورحلة من اونست وصولًا إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

وللحدث بقية ربما بحلقة قادمة أو أكثر بهذه الرحلة.

* رئيس الاتحاد العام للمنتجين العرب

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.